المجلة الثقافية الجزائرية

حين احترق الملاذ الأخير

وهيبة جمال عبد الكريم

تخيل طفلًا لا يملك أبًا يناديه، ولا أمًا تضمه إلى صدرها، ثم يستيقظ في جوف الليل على ألسنة اللهب تحاصره من كل جانب. إلى من يركض؟ ومن يمد إليه يد النجاة؟ ومن يطمئنه بأن كل شيء سيكون بخير؟

تلك ليست قصة من رواية، ولا مشهدًا من فيلم، بل فاجعة عاشها أطفال كان يُفترض أن يكونوا في أكثر الأماكن أمانًا… دارٍ أُنشئت لتحميهم، فإذا بها تعجز عن حمايتهم من الموت.

أيُّ مفارقةٍ أشدُّ قسوةً من أن يتحول المأوى إلى مقبرة؟ وأن تصبح الجدران التي وُجدت لتحتضن الصغار شاهدًا على رحيلهم؟

لسنا اليوم أمام حريق عابر، بل أمام مأساة هزّت الضمير العام، وكشفت أن النار لا تشتعل وحدها؛ فقبل أن تلتهم الأجساد، يسبقها دائمًا تقصير، وإهمال، وثغرات فضحها الدخان.

أين كان من يفترض أن يسهر على سلامة هؤلاء الأطفال؟ أين المناوبون؟ أين أجهزة الإنذار؟ أين طفايات الحريق؟ أين خطط الإخلاء؟ وكيف وجد أطفال صغار أنفسهم، في لحظات الرعب، وحدهم في مواجهة الموت؟

وإذا كانت النوافذ قد أُغلقت بالقضبان بدعوى حمايتهم، فمن يحميهم حين تتحول تلك القضبان نفسها إلى حاجز بينهم وبين النجاة، وتعرقل حتى أيدي المنقذين وهي تحاول انتشالهم من بين ألسنة اللهب؟

وسط هذا المشهد الذي يعجز القلب عن احتماله، وقفت مربية لم تفكر في النجاة بنفسها، بل عادت إلى الداخل لإنقاذ رضيع، فدفعت حياتها ثمنًا لذلك. رحلت وهي تؤدي أسمى معاني الإنسانية، لكنها تركت وراءها سؤالًا لن يتوقف عن مطاردة الضمير: لماذا تُترك حياة عشرات الأطفال رهينة بطولة فرد واحد، بينما تغيب منظومة كاملة كان يفترض أن تمنع الكارثة من 

الأساس؟

لكن الحريق لم يترك وراءه رمادًا فحسب… بل كشف واقعًا يستحق أن نواجهه.

فمع تصاعد الدخان، بدأت تتسرب إلى العلن روايات وشهادات يرويها متطوعون، وعاملون سابقون، وأشخاص احتكوا بدور الرعاية. بعضها يحتاج إلى تحقيق وتثبت، لكن مجرد تكرارها يفرض علينا أن نتوقف ونسأل: ماذا يجري خلف أبواب دور الرعاية؟ وهل نعرف حقًا كيف يعيش أطفالها؟ وهل يكفي أن نتذكرهم عندما تقع كارثة، ثم نعود إلى نسيانهم بعد انطفاء النيران؟

ومن بين أكثر ما كشفته هذه الفاجعة، جهل كثيرين بحقيقة الأطفال الذين يعيشون في هذه الدور. فما إن انتشرت أخبار الحريق، حتى عجّت منصات التواصل بتعليقات لم تكتفِ بالحزن على الضحايا، بل راحت تحاكمهم وتحاكم ذويهم، وافترضت أن كل من يعيش في دار للرعاية طفل مجهول النسب، وكأن الطفل أصبح متهمًا بسبب ظروف لم يخترها.

والحقيقة أن دور الرعاية تضم قصصًا إنسانية مختلفة؛ ففيها من فقد والديه، ومن أثقل المرض أو الفقر كاهل أسرته، ومن وجد نفسه ضحية ظروف اجتماعية أو قضائية أو إنسانية قاسية. وحتى من وُلد في ظروف معقدة، فلا ذنب له فيما اقترفه غيره، ولا يملك أحد أن يغلق أبواب الرحمة التي فتحها الله لعباده أو أن يحكم على مصائر الناس من وراء الشاشات.

والأشد إيلامًا أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال يحملون هواتف، ويقرأون ما يُكتب عنهم، ويرون الأوصاف الجارحة التي تلاحقهم. فيكبر جرحهم كلما قرأوا تعليقًا يسلبهم إنسانيتهم، وكأن اليتم وحده لم يكن كافيًا.

إن الأيتام ليسوا أبناء مؤسسة، بل أبناء وطن بأكمله. وإذا كان القدر قد حرمهم من دفء الأسرة، فلا يجوز أن يحرمهم الإهمال من حقهم في الحياة، ولا أن يحرمهم المجتمع من حقهم في الكرامة.

وربما آن الأوان لأن تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة مراجعة حقيقية؛ لا مراجعة لإجراءات السلامة فقط، بل مراجعة لكل ما يتعلق بدور الرعاية: من الرقابة، إلى ظروف الإقامة، إلى الرعاية النفسية، إلى الشفافية، حتى يطمئن المجتمع إلى أن الأطفال الذين أودعوا فيها يعيشون في بيئة تحفظ كرامتهم وأمنهم.

قد تنطفئ النيران، لكن لا ينبغي أن تنطفئ الأسئلة التي أشعلتها. فالعدالة لا تكون برثاء الضحايا، بل بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من قصّر، وضمان ألا يتكرر المشهد مرة أخرى.

فإذا كان بعض هؤلاء الأطفال قد فقدوا سند الأسرة، فإن المجتمع بأسره أصبح مسؤولًا عنهم. وإن كانت النار قد خطفت منهم الحياة، فلا ينبغي أن نسمح للإهمال، أو للأحكام الجاهزة، أو للصمت، أن يخطف من بقي منهم الأمل.