حسن عجمي
يتكوّن الإعلام السوبر مستقبلي من كيفية تصوّر الإعلام في المستقبل وصياغة الإعلام على ضوء التصوّر المستقبلي. وبذلك يبدأ الإعلام من المستقبل. بالنسبة إلى السوبر مستقبلية، يبدأ التاريخ من المستقبل وبذلك من المتوقع أن تتشكّل ماهية الإعلام في المستقبل تماماً كما تتشكّل ماهية كلّ ظاهرة وكينونة في المستقبل. من هذا المنطلق، الإعلام مُحدَّد فقط في المستقبل على ضوء بنائنا له و هو غير مُحدَّد في الحاضر والماضي. ولذلك يُستخدَم الإعلام حالياً إما لبناء المجتمع السليم والمسالم من خلال الاعتماد على التفكير العلمي والموضوعي والمنطقي و إما لتدمير المجتمعات من خلال نشر الجهل والتخلّف والعصبية والفِتَن. بكلامٍ آخر، الإعلام بذاته ليس إيجابياً و بنّاءً وليس سلبياً ومُدمِّراً للشعوب والأمم بل نحن مَن نصوغه إما على أنه إيجابي و بنّاء و إما على أنه سلبي ومُدمِّر. بهذا المعنى، الإعلام غير مُحدَّد مما يطالبنا بتحديده المستمر. لذلك يتشكّل الإعلام في المستقبل على ضوء تصوّرنا و بنائنا له.
من منطلق الاعتبارات السابقة، الإعلام ظاهرة سوبر مستقبلية فالإعلام يولد في المستقبل ويطالبنا بصياغته المستمرة مما يضمن فعّالية الفرد في بناء الإعلام و حريته في اختيار الوظائف الأساسية للإعلام. من هنا، يمتلك الإعلام السوبر مستقبلي فضيلة ضمان حرية الفرد و فعّاليته. ومِن هنا أيضاً، يعتمد الإعلام السوبر مستقبلي في تكوّنه على كلّ فرد مما يضمن مشاركة جميع الأفراد في بناء الإعلام السوبر مستقبلي. لذلك يتكوّن الإعلام السوبر مستقبلي من انصهار كلّ الحقول الإنتاجية والمعرفية في عملية بنائه مما يتضمن مثلاً أن يكون الإعلامي عالِماً سيكولوجياً أو اجتماعياً أو فيزيائياً. هكذا يصبح الإعلام مندمجاً بالعمل الأكاديمي والحقول الإبداعية كافة. فالفلاسفة والعلماء، كعلماء الفيزياء والبيولوجيا والتاريخ والجغرافيا، يصبحون حينها إعلاميين. و هذا يؤدي إلى اتحاد العمل الإعلامي والأعمال الأكاديمية والحقول الفكرية والإبداعية كافة وانصهارها في حقل إنتاجي واحد لا يتجزأ مما يضمن أن يتجنب الإعلام نشر الفِتَن والتعصب والجهل والتجهيل بل بدلاً من ذلك سوف يعتمد الإعلام على العلوم والفكر الموضوعي والمنطقي في إنتاج مضامينه الإعلامية. من هنا، الإعلام السوبر مستقبلي إعلام إنسانوي شمولي و هادف إلى بناء المجتمعات وسيادة السلام بدلاً من أن يكون صانعاً للصراعات والحروب. عندما يعتمد الإعلام على العلماء والفلاسفة، وعلماً بأنَّ الفلسفة والعلوم خالية من اليقينيات المطلقة فخالية من التعصب، فحينها يتحرّر الإعلام من نشر التعصب والفِتَن ويصبح بنّاءً للمجتمعات والأمم.
إتحاد الإعلام والعمل الأكاديمي والميادين الإبداعية والفكرية كافة ضرورة معرفية و وجودية. هذا لأنَّ عالِم الفيزياء الإعلامي أو الفيلسوف الإعلامي قادر على إنتاج وتقديم مضامين علمية وموضوعية ومنطقية حيال الأحداث والظواهر السياسية والاجتماعية والطبيعية بدلاً من نشر الجهل والتعصب مما يؤدي إلى سيادة المعرفة وقبول الآخر. وبما أنَّ الإعلام السوبر مستقبلي قائم على انصهار الأعمال الأكاديمية والإبداعية والإعلامية، إذن هو إعلام مبني على وحدة المعارف مما يؤدي إلى الانسجام الفكري والمشاعري لدى المتلقي و بين الأفراد في المجتمع فيضمن بذلك السلام النفسي والاجتماعي. فحين تتحد المعارف، تتحد النفس الإنسانية و تتحد الشعوب والأمم فنتمكّن حينئذٍ من أن نحيا في الحضارة السوبر مستقبلية القائمة على صياغة السلام العالمي وإنتاج المعرفة البنّاءة والسلوك البنّاء بفضل نشر الحقائق السوبر خلاّقة كحقيقة أنَّ كلّ البشر يشكّلون إنساناً واحداً لا يتجزأ لأنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية ذاتها.





