المجلة الثقافية الجزائرية

الإنسانيات الرَّقْمية وحوسبة الفلسفة: ملاذٌ أخيرٌ من أجل البقاء أم إعلانٌ ضمني عن الموت؟

 د. عزيزة عبد المنعم صبحي* 

 

المقدمة: لقد أدّت الثورة الرَّقْمية الهائلة إلى فتح آفاق جديدة في مجال العلوم الإنسانية؛ فقد أصبحت هذه العلوم تخضع لتغيرات جذرية في أدواتها وممارساتها وأساليبها، ومن هنا أصبحت الحاجة ماسة إلى رَقْمنة هذه العلوم، ومن ثم ظهر هذا المفهوم الجديد، أي الإنسانيات الرَّقْمية، وهو مجال بحثي ظهر مؤخرًا مع التطور المتسارع للتِقْنية ويهدف إلى الجمع بين العلوم الإنسانية والأساليب والأدوات الرَّقْمية.

تستخدم العلوم الإنسانية الرَّقْمية الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أعمدة التحول الرَقْمي في العصر الحديث، وذلك في تحليل العلوم الإنسانية ودراستها، مما أتاح بدوره إمكانات هائلة من المعالجات والبيانات التي جعلت من الإنسانيات الرَّقْمية مجالًا معرفيًا عابرًا للتخصصات، وتمثل عملية الانتقال من العلوم الإنسانية إلى العلوم الإنسانية الرَّقْمية جوهر العلاقة بين الإنسانيات والعلوم، وهي علاقة ظلت محلاً لجدل كبير؛ إذ يرى البعض فيها تهديدًا غير مسبوق للعلوم الإنسانية، ويرى البعض الآخر أنها سوف تفتح آفاقًا معرفية جديدة، ويمكن أن تُعَدُّ فرصًة لقراءة جديدة في مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلات التِقْنية التي تحيط به.

لا تنحصر الإنسانيات الرَّقْمية في استخدامها للتِقْنيات الحديثة فحسب، لكنها، تُعَدُّ مساءلة ومراجعة للمفاهيم الإبستمولوجية والأخلاقية في عصر الرَّقْمنة، ذلك العصر الذي أعيد فيه صياغة الذات والعلوم بصورة مغايرة تمامًا لِما كان عليه قبل الثورة الرَّقْمية، ولكن ما مدى قدرة الفلسفة على مواكبة هذا التحول الرَقْمي، وكيف يتسنى لها القيام بدورها النقدي في سياق يتراجع فيه التفلسف والتأمل لصالح التقدم التِقْني؟

         أيضًا هل أدّت العلوم الإنسانية الرَّقْمية إلى التطور المأمول في العلوم الإنسانية بصفة عامة، وفي مجال البحث الفلسفي بصفة خاصة، وما كيفية هذا التطور، وما مدى تحققه، وما التحديات التي تواجه آفاقه المستقبلية؟

لا شك أن التحول الرَقْمي قد أثار عديدًا من الإشكاليات الفلسفية التي تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة والتأويل في سياق العصر الرَقْمي، وتضطلع الفلسفة في هذا العالم الجديد بوضع أطر لمناقشات عديدة حول معنى الفَهْم، وهل يمكن للآلة أن تمارسه أم لا، وإن كان هذا الأمر ممكنًا، فما الفرق بينه وبين الفَهْم البشري، أيضًا إذا كانت الفلسفة هي الرؤية التأويلية النقدية للنص، فهل من الممكن، بفضل الوسائط والأدوات، أن يكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على التأويل، وهل يقدم رؤية تأملية إبداعية في تناوله للموضوعات- خاصة الفلسفية – أم أنه فقط يكرر استجابات لأنماط وعلاقات خوارزمية محددة سلفًا. وهنا يظهر السؤال الأكثر أهمية: من الذي يحدد معنى النص الفلسفي في هذا السياق؟ القارئ بفهمه واستدلالاته أم الذكاء الاصطناعي بخوارزمياته؟

تبدو فكرة حوسبة الفلسفة أمرًا ممكنًا، بل ومتحققًا بالفعل في صورة بعض المشاريع الفلسفية مثل مشروع Digital Aristotle، الذي يقوم على استخدام الخوارزميات في مقارنة النصوص وتحليلها وإنشاء خريطة للمفاهيم الأرسطية وتتبعها في الترجمات المختلفة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك تواجه الفلسفة عديدًا من التحديات تَتَمَثَّلُ في صياغة قراءة جديدة لمفهوم الوعى، والإنسانية في زمن الخوارزميات، وكيفية الحفاظ على البعد الإنساني في حوسبة الفلسفة، فضلاً عن بعض التحديات الأخرى مثل تحيز الخوارزميات Algorithmic Bias الثقافي أو الاجتماعي، أو أن تكون تلك الخوارزميات أداةً لإعادة إنتاج الهيمنة أو المركزية الغربية، فضلاً عن عديدٍ من الإشكاليات الأخلاقية و القضايا التي لا يتسع المقام الحالي للاستطراد فيها، لكنني في هذا السياق أركز على إشكالية حوسبة الفلسفة.

تستنهض تلك التحديات والإشكاليات، بالضرورة، هِمَمَ الفلاسفة في فهم تلك الوسائط التِقْنية وتحليلها التي تُكوِّنُ إدراكنا لذواتنا وللعالم من حولنا. ورغم تلك التحديات، فهل يمكن للعلوم الإنسانية الرَّقْمية أن تفتح آفاقًا جديدة في الفلسفة التطبيقية، وأن تُسهم في بزوغ الفكر الفلسفي في عصر الرَّقْمنة وإعادة الاعتبار المستحق له بوصفه فكرًا ناقدًا وسط هذا الصخب الهائل من الآلية؟

إذا كانت الفلسفة هي الرحم الذي احتضن ميلاد هذه الثقافة التِقْنية الهائلة وذلك من خلال مفاهيمها المنطقية، فهل آن الأوان أن يتعاظم شأن الابن وينمو ويتطور، وأن تتوارى الأم لأنها هرِمت- كما يُزعم- ولم تَعُدْ مُجدية في عالم صار يعتمد اعتمادًا كُليًا على الرَّقْمنة، وفقدت فيه الكلاسيكيات زخمها الفكري أمام هذا المد التكنولوجي الهائل، ولعل خير دليل على هذا الزعم ما نشهده من محاولات تسعى إلى تقليص أقسام العلوم الإنسانية، خاصة الفلسفة، الأمر الذي لم يَعُدْ مقتصرًا على بعض الدول العربية فقط، بل امتد أيضًا إلى بعض دول الغرب التي لم تَعُدْ تُخصص ميزانية معقولة للعلوم الإنسانية كتلك التي تخصصها للعلوم العملية.

هل تصبح الرَّقْمنة، إذن، الملاذ الوحيد الذي يجب أن تحتمي به الفلسفة حتى لا تموت؟ هل هي محاولة للبقاء؟ أم واقع فرضه السياق الثقافي والاقتصادي؟ وأخيرًا هل يمكن للفلسفة أن تُحوسب على شاكلة باقي العلوم الإنسانية؟

هذا ما سوف أتناوله في هذه الدراسة من خلال المحاور الثلاثة التالية:

أولاً– من العلوم الإنسانية إلى الإنسانيات الرَّقْمية.

ثانيًا- المرتكزات الفلسفية للرَّقْمنة.

ثالثًا- حوسبة الفلسفة بين الإمكانات والتحديات.

أولاً- من العلوم الإنسانية إلى الإنسانيات الرَّقْمية:

لقد نشأت العلوم الإنسانية من خلال عملية تدريجية من التخصص والتصنيف رافقت تحديث الجامعة في العصور الوسطى، ثم تأثرت بظهور الأكاديميات الأميرية Princely في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ومع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولا سيما مع تأسيس الجامعات الحديثة في أوروبا والولايات المتحدة، بدأت العلوم الإنسانية تتخذ صورتها المعاصرة؛ التي انفصلت فيها دراسة الأدب والفلسفة والكلاسيكيات عن العلوم الطبيعية والفيزيائية، أما تخصصات علم الآثار، تاريخ الفن، واللغويات، فقد تبلورت بوصفها حقولًا معرفية مستقلة تدريجيًا من خلال الدراسات النصية والفيلولوجية، وذلك مع مطلع القرن العشرين. كذلك شهدت الجامعات نشأة عدد من التخصصات الجديدة؛ مثل فقه اللُّغة الذي ينصب اهتمامه على دراسة اللُّغة والبلاغة، كما بدأت أقسام الأدب المقارن في الظهور على الساحة الأكاديمية العالمية لا سيما خلال الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين، وبحلول منتصف القرن العشرين أنشأت الجامعات كُليات وأقسامًا متخصصة للعلوم الإنسانية تنفصل عن العلوم الطبيعية والاجتماعية([1]).

أما عن المحاولات الأولى للرَّقْمنة فظهرت مع بدايات تفاعل العلوم الإنسانية مع الشبكات والحوسبة وكان ذلك في أواخر عام 1940، ثم مع مشاريع الأرشفة في أكسفورد في أوائل عام 1970، وقد واصلت العلوم الإنسانية على مدى العقود اللاحقة لذلك، الإفادة من العالم الرَقْمي بوصفه وسيلة وأداة لتوسيع نطاق البحث العلمي التقليدي وإتاحة الأرشيفيات، وقواعد البيانات، مما استهدف، بدوره جمهورًا أكثر من القراء والمستخدمين لهذه التِقْنية.

أما الظهور الفعلي للإنسانيات الرَّقْمية فكان في عام 1949، وذلك عندما بدأ الكاهن اليسوعي روبرتو بوسا Roberto Busa بعد عودته من رحلته الدراسية في الولايات المتحدة، بتطويع قوة الحاسوب التي تبنتها شركة IBM لخدمة أهداف دراسته المنجزة عن كتاب “الخلاصة اللاهوتية” Somme theologique لتوما الأكويني، وذلك من خلال العمل على إنشاء قاموس آلي عنه، يُعَدُّ دليلاً توجيهيًا في نصوص فلسفته([2]).

وقد أتاحت هذه الأدوات وقواعد البيانات أساسًا أوليًا لمشاريع العلوم الإنسانية الرَّقْمية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم، والتي تضمنت، رغم اختلافها، سمات مشتركة منها: الاهتمام بالفهرسة وتحليل النصوص، ودراسة السمات اللُّغوية، وقد شملت هذه المشاريع مشروع “بيرسيوس”، وهو أحد أهم وأقدم مشروعات الإنسانيات الرَّقْمية، ويهدف إلى إنشاء مكتبة رَقْمية مفتوحة تضم مجموعة من مصادر الأدب الكلاسيكي، ثم انتشرت هذه الدراسات الرَّقْمية مع انتشار الشبكات الإلكترونية وذلك بظهور الإنترنت خلال أوائل تسعينيات القرن العشرين، الأمر الذي أتاح انتشار مجموعة من المشاريع الرَّقْمية التي سخرت هذه التكنولوجيا الحاسوبية في إنشاء خرائط رَقْمية وبناء نماذج محاكاة جغرافية([3]).

ثم اكتسبت الإنسانيات الرَّقْمية -لاحقًا- زخمًا كبيرًا في مجال اللُّغة والتاريخ والأنثروبولوجيا. وتتعلق هذه التطورات التي ذكرتها -سلفًا- بالمحاولات المبكرة لرَقْمنة العلوم الإنسانية. أما المصطلح نفسه –أي الإنسانيات الرَّقْمية- فقد ظهر متأخرًا عن هذا السياق، وذلك في عام 2008 في كتاب جماعي بعنوان: A companion to digital humanities حرَّرَهُ كلٌّ من سوزان شريبمان Schreibman، راي سيمنز Ray Siemens، وجون أنسورت John Unsuorth ([4]).

يُعَدُّ مصطلح الرَّقْمنة مصطلحًا إشكاليًا، لا نجد له تعريفًا محددًا، لكنه استخدم بمعان عدة في سياقات مختلفة، وإجمالًا، يمكن القول بأنه تحويل الوسائط المادية المؤلفة من المقالات والدوريات والكتب والمخطوطات إلى الشكل الرَقْمي، ونشره على الإنترنت ليكون وسيلةً لنشر المعرفة. وتصف العلوم الإنسانية الرَّقْمية فكرة إجراء البحوث في مجال العلوم الإنسانية في بيئة رَقْمية تتيح الوصول إلى المعلومات اللازمة لإنجاز مُهمة البحث، وتحليل المعلومات وما يتوافق مع المتطلبات المنهجية لتخصص معين، ونشر البيانات الجديدة المستقاة من تحليل المعلومات، فضلاً عن الموضوعات الكثيرة التي تتعلق بالإنسانيات الرَّقْمية؛ مثل الأرشيفات الرَّقْمية، تحليل النصوص، رَقْمنة البيانات، تخزين البيانات الرَّقْمية، تحليل الوسائط الجديدة واستخدامها، إعادة بِناء الأحداث التاريخية بيانيًا، الثقافة السيبرانية، الواقع الافتراضي، تأثير التِقْنيات الرَّقْمية في الإنسان، وغيرها([5]).

ولا تقطع الإنسانيات الرَّقْمية الصلة مع إرث العلوم الإنسانية الكلاسيكية، بل تحاول تزويدها بآليات التطور والتقدم، إذ يرى البعض فيها امتدادًا لمهارات وطرائق المعرفة التقليدية، لا بديلاً عنها، فهي لا تُلغي رؤى الماضي، وإنما تؤكد وتكمل التزام العلوم الإنسانية طويل الأمد بالتفسير العلمي، والحجة العقلية والحوار (Burdick, 2012) ([6]).

ثانيًا- المرتكزات الفلسفية للرَقْمنة:

كانت الفلسفة -كما أسلفت- أساسًا للثقافة الرَّقْمية السائدة لأن البناء المنطقي للبرامج التِقْنية يعتمد على أسس هي في الأصل فلسفية، فعلى سبيل المثال، يتوافق عمل الخوارزميات مع ما يسمى بهيكلة الفكر وذلك من خلال توصيف المعلومات، تفكيك العمليات المعقدة، وتبسيطها وإعادة تنظيمها بهدف تكوينها من جديد، وهذه ببساطة هي المبادئ العامة لتحليل المشكلات، وهي سائدة عبر تاريخ الفكر الفلسفي([7]). كذلك وإن كانت رَقْمنة العلوم الإنسانية تخصص جديد، فإنه يعود تاريخيًا أيضًا، إلى مفاهيم الفكر التحليلي وحساب التفاضل والتكامل في أعمال كل من ديكارت وليبنتز([8]).

يُمكن دراسة الأسس الفلسفية للإنسانيات الرَّقْمية من خلال منظورين رئيسين: المنظور الوضعي الذي يعطي الأولوية للوصف والتحليل الموضوعي الدقيق القابل للتحقق في الظواهر الإنسانية، والمنظور البِنيوي ويركز على الكشف عن البِنى العميقة والعلاقات الداخلية الكامنة في الظواهر الإنسانية من خلال تحليل المعاني ودراسة الأنظمة اللُّغوية والدلالية، أي أن الإنسانيات الرَّقْمية لا تؤسس على التِقْنية فحسب، بل تنطلق من أسس فلسفية.

تُمَثِّلُ الإنسانيات الرَّقْمية –مقارنة بالعلوم الإنسانية التقليدية- تحولاً من البحث النوعي إلى البحث الكمي أو الجمع بينهما، ذلك البحث الكمي الذي وجد أساسه في الوضعية Positivism التي نشأت في إنجلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر لتكون ردَّ فعلٍ تجاه الفلسفات الميتافيزيقية، وقد أكدت ضرورة استخدام المنهج العلمي في دراسة الظواهر العلمية والاجتماعية أيضًا، ولقد طورت حلقة ڤيينا Vienna هذه الأفكار مما أدَّى إلى ظهور الوضعية المنطقية في القرن العشرين التي ركزت على التحليل المنطقي للمعرفة، وجعلت المنطق الرياضي وسيلة للتعبير عن نتائج التفكير بلغة صورية([9]).

أما البِنيوية Structuralism فتقوم فكرتها الرئيسة على أنه يمكن الكشف عن القواعد والأنماط الخفية التي تحكم الظواهر الثقافية من خلال التمثيل الرمزي وتحليل العلاقات، وقد بدأت البِنيوية في مجال اللسانيات ثم امتدت إلى الأنثروبولوجيا وعلم النفس والأدب وغيرها من التخصصات مستخدمة أدوات مثل: الرياضيات والمنطق واللُّغة لتحليل بِنية الظواهر الإنسانية، تلك الأدوات التي تستخدمها الإنسانيات الرَّقْمية من أجل ترميز النصوص وتحليلها وتكميمها ورغم الاختلاف الكبير بين الوضعية والبِنيوية فكلاهما يعتمد على الرياضيات والمنطق، ويحاول الكشف عن القوانين العامة التي تحكم الظواهر الإنسانية وكلاهما –أيضًا- يحاول الانتقال من الانطباعات الذاتية إلى التحليل المنهجي القابل للفحص([10]).

فضلاً عن فلسفة التكنولوجيا، هذا المبحث الفلسفي الذي كثيرًا ما عالجته المدارس الفلسفية، ويتناول إشكاليات عديدة تتعلق بالمجتمع والإبستمولوجيا والسيكولوجيا. ومن ثم، اتجهت عديد من الكليات في الغرب إلى أتمتة تعليم الفلسفة، وإدخالها ضمن مقررات فرع علم الحاسوب، كونها تُنمي الفكر المنطقي المتضمن في تصميم الخوارزميات([11]).

ثالثًا- حوسبة الفلسفة بين الإمكانات والتحديات:

رغم هذا التطور الكبير الذي شهدته بعض العلوم الإنسانية والاجتماعية بفعل دخولها ساحة الرَقْمنة، فإن هذا الاتجاه الجديد لم يخلُ من الانتقادات التي وُجهت له، إذ يرى البعض فيه تقويضًا لحدود النقد والتأويل، بالإضافة إلى أن الاعتماد على المناهج الكمية يؤدي -حتمًا- إلى ضعف الابتكار وفقدان المعنى، وتنتقد الإنسانيات الرَّقْمية كذلك، لأنها تُحول المعرفة الإنسانية إلى موضوع قابل للقياس، الأمر الذي يجعلها قاصرة عن استيعاب التعقيد والخصوصية الملازمين للتجرِبة الإنسانية، فضلاً عن أن التركيز المفرط على البيانات والأدوات التِقْنية، قد يجعل الإنسان ينشغل بلذة الحصول على المعلومات أكثر من كونه مُنشغلًا بإنتاج المعرفة، كذلك قد تؤدى بعض أخطاء البيانات المستخدمة في التِقْنية إلى ظهور أبحاث رَقْمية لا تستند إلى أسس علمية سليمة([12]).

    عندما أتحدث عن حوسبة الفلسفة، فيجب أولاً أن أفرق في هذا السياق بين منظورين لهذه القضية: الأول منهما؛ هو استخدام الفلسفة للتِقْنية وفي الوقت نفسه مساءلتها نقديًا، وهذا ليس محل خلاف. والثاني منهما: هو تكميم النصوص والأفكار الفلسفية وتحويلها إلى مجموعة من الخوارزميات، عندئذٍ تتحول الخوارزميات إلى فيلسوف رَقْمي يفكر ويحلل وينقد ويؤول نيابة عن الإنسان، وهذا بطبيعة الحال يطرح عديدًا من الإشكاليات المُهمة منها؛ إشكاليات الفَهْم، الحكمة، التأويل إلى آخره.

فيما يتصل بالمنظور الأول أي استخدام الفلسفة للرَقْمنة، فإن الفلسفة قد أفادت بشكل أو بآخر من هذه التِقْنية، فهناك على سبيل المثال، خدمة كتب جوجل وغيرها التي قدمت فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى الكتب المُهمة، وهناك عديد من مواقع البحث عن النصوص الفلسفية. ولقد أتاحت الرَقْمنة أيضًا، فرصًا بحثية ومعرفية متساوية لعموم الناس وهو ما يطلق عليه اليوم دمقرطة المعرفة، وذلك بعدما كانت المعرفة لوقت طويل شأنًا نخبويًا. ورغم هذا، أثارت هذه الرَقْمنة إشكاليات كبرى اضطلعت بها الفلسفة؛ مثل: السؤال عما إذا كانت هذه الثقافة الرَّقْمية المتاحة قد أدّت بالفعل إلى تقدم معرفي أم أنها أفضت إلى تراجع مستوى المعرفة عمومًا؟

كذلك لقد فرض الواقع الرَقْمي تحديات جديدة أمام الأنطولوجيا، فقد أصبح الفضاء الرَقْمي فضاءً يحيا فيه الإنسان من الميلاد حتى الموت، بل وحتى بعد الموت، وذلك لأن حسابات المستخدمين تظل موجودة حتى بعد موتهم. فضلاً عن إشكالية الواقع؛ فالواقع الافتراضي ربما أصبح أكثر واقعية من الواقع المادي، وذلك لأن التكنولوجيا الراهنة قادرة بقدراتها الهائلة على خلق وهم الحياة الواقعية، لا سيما وأن العالمين: الافتراضي والواقعي، قد يتداخلان أحيانًا تداخلًا كبيرًا مما يؤدي بدوره إلى إشكالية الهُوية والاغتراب. وغيرها من الإشكاليات التي اضطلعت الفلسفة ببحثها ونقدها وتحليلها، مثل: انحياز الخوارزميات، الاستعمار الرَقْمي، البطالة الإلكترونية، المسؤولية الأخلاقية في عصر الرقمنة إلى آخره.

رغم ذلك استخدمت الفلسفة هذه القدرات الرَّقْمية الجديدة وكانت حاضرة من خلالها.

فلقد حظيت الأنثروبولوجيا الفلسفية -مثلًا- في عصر الرَّقْمنة بفرص استثنائية لم تكنْ سانحة من قبل لتحليل الإنسان، في سياق ثبت فيه بالفعل أن تِقْنيات الإنترنت قد تُغير بِنية الدماغ البشري، فإذا كانت الفلسفة قد ناضلت لِفَهْمِ الطبيعة البشرية وتحليلها منذ قرون طويلة، فإن العلم الحالي يُقدم خوارزميات تسمح بتغيير الطبيعة البشرية نفسها. كذلك تبدو إمكانات الفلسفة الاجتماعية في مجال تطوير العلوم الإنسانية الرَّقْمية واعدة للغاية في تطوير الفلسفة العملية، والذي ما يزال قاصرًا على الإمكانات النظرية. هناك أيضًا مشروعٌ رَقْمي مطور في مجال فلسفة التاريخ، مصمم من أجل عرضه بصريًا لتحليل التأثيرات المتبادلة بين الفلاسفة. كذلك هناك تقدم نوعي في تشكيل فروع فلسفية جديدة منها؛ فلسفة الإعلام([13]).

هذا عن المنظور الأول الذي تُساءل فيه الفلسفة قضايا الرَّقْمنة وتستخدمها وتكون حاضرة فيها ومن خلالها، أما المنظور الثاني وهو رَقْمنة أو حوسبة الفلسفة نفسها أي تكميمها فهذا –في تصوري- لا يُمَثِّلُ تقدمًا فلسفيًا حقيقيًا، ولا تطويرًا للفلسفة، بقدر ما يُمَثِّلُ تشويهًا لماهيتها بوصفها فعلًا نقديًا، واختزالًا لطبيعتها التأملية في إطار حسابي تكميمي يُغفل خصوصيتها التأويلية.

ولنأخذ مثالاً تطبيقيًا معاصرًا مثل نموذج يُمَثِّلُ إحدى محاولات حوسبة الفلسفة، وتوظيف أدوات الإنسانيات الرَّقْمية في تاريخها- أي تاريخ الفلسفة- وذلك من أجل تقييم هذه المشاريع التي تراهن على حوسبة الفلسفة.

ويبدأ الباحث في هذا المشروع بدراسة مفاهيم نيتشه عن الفضيلة والدافع والغريزة، وقد لاحظ أنه – أي نيتشه- قد استخدم المفهومين الأخيرين، أحيانًا، على نحو مترادف. وكانت هذه هي الخُطوة الأولى في المنهجية المستخدمة في هذه الدراسة. ألا وهي اختيار المفاهيم الأساسية، أما الخُطوة الثانية فتتمثل في تحويل المفاهيم المدروسة إلى مؤشرات إجرائية قابلة للبحث الآلي، وذلك من خلال إعداد قائمة بالكلمات التي يستخدمها نيتشه عادة للتعبير عن هذه المفاهيم، ومن الطبيعي ألا تكون شاملة، ولأن النصوص هي أفضل الأدلة المتاحة عندنا عن أفكاره، فإن تحليلها يظل ذا قيمة كبيرة، ثم تأتي الخُطوة التالية وهي إعداد البيانات أي تنظيمها في هيئة جداول مكونة من صفوف وأعمدة تسجل بها نتائج البحث والمتغيرات، ثم الانتقال إلى مرحلة تمثيلها بصريًا، أي إحصاء عدد المقاطع المرتبطة بكل مفهوم داخل كل مؤلف من مؤلفات نيتشه، ودراسة مواضع التداخل بين المفاهيم، ثم إعداد تصور بصري Visualization عنها يكون متضمنًا للخط الزمني الذي يربط بين سنوات نشر المؤلفات والمفاهيم المدروسة، ويسمح بتتبع كيفية استخدام هذه المفاهيم عبر الزمن، ثم وضع خريطة تفصيلية للمقاطع تسمح بتحديد المواقع الدقيقة التي تتركز فيها مفاهيم؛ الفضيلة والدافع والغريزة داخل نصوص نيتشه، ثم يعرض في الخُطوة المنهجية الأخيرة من دراسته جميع البيانات في صورة رسم بياني يكشف عن العلاقات بين المفاهيم([14]).

لقد ذكرت سلفًا أن الدراسة كانت عن مفاهيم، الفضيلة والدافع والغريزة عند نيتشه، وقد خلُص الباحث في هذه الدراسة إلى أن عدد المقاطع الكلية في النصوص هي 3542 مقطعًا، تَتَمَثَّل الفضيلة في 308 مقطعًا، ويشير 400 مقطع منها إلى الدوافع والغرائز، ويخلص أيضًا إلى أنه كان هناك حضور محدود لهذه المفاهيم في أعمال نيتشه المبكرة ثم كانت الهيمنة في مؤلفاته للدوافع أما في مرحلة النضج فكانت السيادة أكثر لمفهوم الغريزة، وأن الفضيلة تُمَثِّلُ في هذا دورًا وسيطًا انتقاليًا بين نظريته في الدوافع ونظريته في الغرائز([15]).

بعيدًا عن تفاصيل وخصوصية هذه النتائج بخصوص الدراسة السابقة عن فلسفة نيتشه، لأنها لا تُمَثِّلُ هدفًا لي في هذا السياق، إنما أردت فقط أن أعرض لهذا النموذج لتقيم فكرة الحوسبة وإمكان تطبيقها على الفلسفة.

ربما يُمَثِّلُ النموذج السابق ذكره أفقًا جديدًا قد يتجاوز القدرة البشرية -في الوقت على أقل تقدير- على إحصاء المفاهيم والبيانات وربما يكون أكثر إلمامًا وشمولية بها، وذلك على النقيض من إمكانات البحث البشري، الذي قد يخلص إلى نتائجه من دراسته لنص أو أكثر من نصوص نيتشه، ورغم ذلك يُعَدُّ هذا المنهج قاصرًا في جوانب عدة؛ منها أنه يعوّل على التحليل الكمي في إظهار العلاقات بين المفاهيم، ولا شك أنه قد يفشل في ذلك، لأنه قد يصنف بعض المقاطع غير المُهمة على أنها ترتبط بالمفاهيم المدروسة، وهي ليست كذلك، فلا يمكن بحال من الأحوال أن تختزل المفاهيم الفلسفية في ألفاظها المباشرة، فقد يناقش نيتشه مفهوم الرغبة مثلاً، دون استخدام المفردة نفسها، فضلاً عن أن نيتشه كثيرًا ما يستخدم المفاهيم بصورة جدلية تهكمية يصعب معها تحديدها تحديدًا دقيقًا، ومن ثم، فقد يكون الإسهام إسهامًا إحصائيًا كميًا، لكنه لا يمكن أن يكون تأويليًا نقديًا، بحال من الأحوال، كما هي الحال في البحث الذي يقوم به الإنسان معولًا على قدراته العقلية والتأملية بعيدًا عن الآلة.

قد تبدو الآلة بديلاً أكثر جاذبية وكفاءة من الخبرة الإنسانية، لكن هل يمكن أن تحل محل الحكمة البشرية، وتحتل المكانة التي تبوأتها الفلسفة؟ هل تستطيع الخوارزميات أن تحل محل الفيلسوف وتنتج خطابًا فلسفيًا أصيلًا؟ لقد أوضحت من خلال مشروع رَقْمنة فلسفة نيتشه أن النتاج المعرفي المستخلص من هذه التجرِبة لم يكنْ سوى نتاجًا حسابيًا كميًا، يحدد مواضع مفاهيم الفضيلة والدوافع والغرائز في نصوص نيتشه، والعلاقات القائمة بينها وإخراجها في صورة رسم بياني لا يرقى في سلم المعرفة، أبدًا، إلى درجة الحكمة أو التأمل.

يتكون السلم المعرفي Cognitive Ladder من أربع درجات متصاعدة؛ المعرفة، الذكاء، الفَهْم، الحكمة، فإذا كانت المعرفة هي الاعتقاد المبرر بشأن صدق قضية ما، وقد لا تفترض مع ذلك مستوىً متميزًا من القدرات العقلية، وإذا كان الذكاء هو القدرة على تطبيق المعرفة في سياق معين، غير أن هذه القدرة قد تكون محدودة جدًا ومحصورة في مجال معرفي محدد، فقد يكون الإنسان ذكيًا في استخدام المعرفة الرياضية، رغم ذلك يفتقر إلى عديد من المهارات المتعلقة بمجال معرفي آخر، وإذا كان الفَهْم وهو يفترض مستوى أعلى من التكامل المعرفي يتطلب إدراك البِنية العامة للموضوع، والعلاقات الأساسية بين عناصره وهو الأقرب إلى الحكمة، فإن الحكمة تظل الدرجة الأسمى والأخيرة في السلم المعرفي، والسؤال هنا: هل يمكن للحوسبة أن يكون عندها فهمًا حقيقيًا؟ هل يمكن أن تبلغ مرتبة الحكمة يومًا ما؟ والسؤال الأكثر أهمية: إلى أي حد نرغب في أن ترتقي الآلات هذا السُلم؟ وهل ينبغي أن نرحب بوصلها إلى المراتب العليا من التفكير، أم أن هناك حدودًا يجب الحفاظ عليها من أجل صون الدور الإنساني المميز في الحياة والمتمثل في الحكمة والتفلسف([16])، قد يقبل كل من الذكاء والمعرفة درجات متفاوتة من الحوسبة، أما الحكمة فتتجاوز حدود الحوسبة إلى أفق التأمل ورحابة التأويل.

الخاتمة:

تُمَثِّلُ الإنسانياتُ الرَّقْمية تحولًا نوعيًا في علاقة العلوم الإنسانية بالتِقْنية، وقد تبدو مجالًا خَصِبًا وفرصة استثنائية في تطوير العلوم الإنسانية، وربما تكون قد حققت نجاحًا في بعض العلوم، كما هي الحال في: علم التاريخ، الجغرافيا، علم الآثار، واللسانيات، وغيرها. وقد يرجع ذلك إلى طبيعة موضوعات هذه العلوم القابلة للقياس الرَقْمي مثل: الخرائط، الأحداث التاريخية، المخطوطات، مع تأكيد دور الإنسان في تحليل هذه البيانات، أما في مجال الفلسفة فالأمر محدود للغاية ولم يوضع في إطار منهجي محدد، لكنه محصور في محاولات رَقْمنة المصادر، ورصد مواضع المفاهيم فيها، وتحديد العلاقات بينها وتتبع تطورها تاريخيًا، ويظل إسهام الرَقْمنة في الفلسفة محدودًا، وذلك لأن المفاهيم الفلسفية لها دلالات مختلفة وعميقة ولا يمكن أن تختزل في مفردات يمكن حصرها، أيضًا تظل الفلسفة عصية على الرَقْمنة لأنها ليست بيانات، وإنما معنى وحجج ومفاهيم وتأويل وقيم يستحيل تكميمها وقياسها وتمثيلها في نماذج صورية، فالفلسفة لا تحوسب، لكنها تخضع الحوسبة للنقد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش البحث:

)[1]( Burdick. A, Druker.J : Digital Humanities, Mit Press, Cambridge, 2012, PP, 6-7.

)[2]( ChikarKova Mariya: Philosophy in the digital epoch, potential development and challenges. Dol: 10.21847/1728-9343-2019.1 (169).157449.

انظر أيضًا: بيير مونييه: مدخل إلى الإنسانيات الرقمية، ترجمة: بن شراد محمد أمين، 2003، ص2. للمزيد اضغط هنا

)[3]( Burdick. A, Druker.J: Op.cit., p. 8.

([4]) بيير مونييه: المرجع السابق، ص 3.

)[5]( Chikarkova Mariya: op. cit.

([6]) سعاد هزلون، يمينة شيكو: دور الإنسانيات الرقمية في تطور العلوم الإنسانية، مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، المجلد 6، العدد 2، 2021، ص ص 158، 159.

([7]) غسان مراد: التحول الرقمي ومستقبل العلوم الاجتماعية والإنسانية، استشراف، ك6، المركز العربى للأبحاث ودراسات السياسة، الدوحة، 2021، ص

)[8]( Johanna Drucker: Philosophy and Digital Humanities: A review, Willard Mccarty: Humanities computing at Digital Humanities. Digital Humanities Quarterly, Vol. 1, No. 1, p.3.

)[9]( Fenfen Song: Exploring and Rethinking Digital Humanities in Philosophical Perspective, للمزيد اضغط هنا

)[10]( Ibid.

([11]) غسان مراد: المرجع السابق، ص 5.

)[12]( Fenfen Song: op. cit., p.

)[13]( Chikarkova Mariya: Op,cit.

)[14]( Mark Alfano: Digital Humanities for History of Philosophy: A case study on Nietzsche, in, Research Method for the Digital Humanities, ed by, L. Lewis, Neilson, T., Rheams. D., Palgrave, Macmillan, 2018, p. 87: 90.

)[15]( Ibid, pp. 90 – 91.

)[16](Vallor.S,: AI and The Automation of Wisdom, in, Philosophy and Computing, edby,Powers.T.M, Springer, pp 146-145.

https://link.springer.com › book

*تكوين