المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الباحث في تاريخ الجزائر د. الربيع عولمي:”كتابات العسكريين الفرنسيين كانت لغرض اختراق الريف ومحاولة تفكيك المجتمع الجزائري”

“قاوم الإنسان الأوراسي كل الشعوب والأمم الدخيلة التي حاولت إخضاعه والسيطرة عليه”

يتحدث الباحث في تاريخ الجزائر والأستاذ بجامعة باتنة (شرقي الجزائر)، د. الربيع عولمي – في هذا الحوار ـ عن صفحات هامة من تاريخ الجزائر، منذ القديم إلى غاية اليوم، وهي صفحات مجهولة بالنسبة لغير الجزائريين، تلخّص دفاع أبناء الأرض عن وطنهم.

للباحث مجموعة من الإصدارات وهو صاحب تجربة في ترجمة الكتب التاريخية إلى اللغة العربية.

 

حاوره: نورالدين برقادي.

لكم اهتمام بتاريخ الجزائر عامة وتاريخ منطقة الأوراس (شرقي الجزائر) بشكل خاص، فيم تتمثل أهم العوامل التي ساهمت في لعب هذه المنطقة لأدوار مهمة بشمال إفريقيا، عبر مختلف الفترات التاريخية؟

اهتمامنا بالتاريخ المحلي وبمنطقة الأوراس تحديداً وبتحقيق التراث المحلي وتاريخه، فكرة راودتنا وكانت راسخة في أذهاننا منذ سنوات عدّة، وكانت جائحة كورونا من العوامل الأساسية التي دفعتنا للكتابة والترجمة خصوصاً، ولما باشرنا العمل وجدنا متعة كبيرة في ترجمة ما كتب عنّا الآخر، رغم ما واجهنا من صعوبات إن على صعيد النص الفرنسي أو الإنجليزي، وترجمة بعض المصطلحات النادرة والغامضة جدّاً، أو على صعيد تكييف النص العربي المترجم مع النص الأصلي، وما توافر لدينا من أدوات وإمكانات الترجمة. والحقيقة أن أ.د. عاشور منصورية هو الذي بادر واقترح ترجمة بعض الأعمال والدراسات الأجنبية التي تناولت الأوراس، فكان العمل الأول ترجمة كتاب فرنسي لمؤلفه هنري أرنست لافيون ( (HenriErnest LAVION وهو أحد الضباط العسكريين والإداريين الذين يسعون إلى تنفيذ سياسة الإستيطان والإدماج، الموسوم “الجزائر المسلمة في الماضي، الحاضر والمستقبل” (l’Algérie musulmane, dans le passé, le présent et le futur) تقرير عام عن منطقة بلّزمة في (1914م).

منطقة الأوراس (AURES) أو أَوْرَاس (AOURES) باللهجة المحلية (الشاوية)، هي منطقة جبلية شمال شرق الجزائر، تتميز بتضاريسها الجبلية الوعرة والتي كانت حاجزاً منيعاً أمام الأعداء عبر تاريخها الطويل الغني بالبطولات.

يرتبط تاريخ الأوراس بجزء مما أصبح يسمى فيما بعد الجزائر، والذي يسكنه في الغالب شاوية. الأوراس وهي منطقة شاسعة تتألف من سلسلة جبلية وسهول شرق الجزائر. ومنذ العصور القديمة إلى العصور الوسطى، كان تاريخ الأوراس جزءا لا يتجزأ من تاريخ الممالك المستقلة القديمة (الماسيل والمازيسيل، جيتوليا، نوميديا، موريطانيا القيصرية، موريطانيا السطيفية خلال الفترة القديمة، وإفريقية والمغرب الأوسط خلال العصر الوسيط. وقد تفجرت عدة ثورات وانتفاضات، واندلعت عدة حروب في الأوراس، وبالأوراس تفجّرت الشرارة الأولى للثورة التحريرية الكبرى وسنذكر نماذج عن تلك الثورات عبر مختلف الفترات التاريخية. والتي واجهت (الرومان، الوندال، البيزنطيون، والأمويون) منذ العصور القديمة إلى الاحتلال الفرنسي للمنطقة سنة 1844م.

يرتبط تاريخ الأوراس المعاصر بولايات الأوراس وأجزاء معينة من الولايات المجاورة. لا سيما ولايات باتنة، خنشلة، أم البواقي، تبسة، سوق أهراس، بسكرة، قسنطينة، المسيلة، قالمة، سطيف، برج بوعريريج، عنابة وسكيكدة. فالأوراس إذن كان ولا يزال ينتفض في وجه الدخيل الأجنبي على مر فترات التاريخ المختلفة، مما دفع بعض المؤرخين الفرنسيين أنفسهم بوصفها بـ “المنطقة المتمردة” (région rebelle). ولذلك إذا حاولنا معرفة أهم العوامل التي ساهمت في لعب هذه المنطقة لأدوار مهمّة بشمال إفريقيا عبر التاريخ. فكما رأينا سابقاً فالإنسان الأوراسي قاوم كل الشعوب والأمم الدخيلة والتي حاولت إخضاعه والسيطرة عليه، هذا الشعور وهذا السلوك ربما يعود إلى طبيعة الإنسان الأوراسي الذي جُبل على المواجهة والمقاومة عبر فترات تاريخية عديدة. وإذا تساءلنا وما الذي أكسبه هذه الميزة وهذه الخاصية دون غيره من أبناء جلدته أو دون بقية الشعوب الأخرى، ربما يعود الأمر إلى طبيعة هذا الإنسان الذي ولد وتربى وعاش وتأقلم مع طبيعته الجبلية القاسية مورفولوجياً ومناخياً، ولهذا نرى طبائع الإنسان تختلف من وسط لآخر، فالإنسان الذي يعيش في السهول غيره الذي يستقر في الجبال، غيره الذي يعيش في الفيافي والصحاري. وإذا أردنا أن نضرب أمثلة فلنبدأ بأقدم الثورات والمقاومات مع احترام التسلسل الكرونولوجي: خلال الفترة الرومانية واجهت روما مقاومة شرسة من أحفاد ماسينيسا، ونعني بذلك الإغليد يوغرطة الذي حارب الرومان لمدة سبع سنوات (111 ق.م-104 ق.م) وقد خصص له المؤرخ السياسي والعسكري الروماني سالوست (salluste) كتاباً بعنوان “حرب يوغرطة” ( Bellum Jugurthinum) وبعد أن ألقي عليه القبض غدراً ونُقل إلى روما وزُجّ في سجن توليانوم أُعدم في 104ق.م. وهكذا يذهب يوغرطة ضحية محاولة الوقوف في وجه المد الروماني في جنوب المتوسط، في مطلع القرن الأول الميلادي، ثار تاكفاريناس ضد السلطة الرومانية بالرغم من أنه كان ضابطاً في الجيش الروماني رافضاً التسلط والغطرسة الرومانية، والغريب في الأمر أن ثورته دامت أيضاً سبع سنوات (17م-24م). كما شهدت هذه الفترة ثورة “فيرموس” الأمير الموري، التي استمرت من سنة 372م إلى سنة 375م. استطاع فيها القائد الموري أن يجمع القبائل المورية بالتنسيق مع الحركة الدوناتية والدوارين لتخليص نوميديا والموريطانيتين من الهيمنة الرومانية. كما سعى جادا إلى توحيد كل القبائل وأقاليم المغرب القديم في وحدة قومية قوامها الحرية والحفاظ على الهوية المحلية بالتخلص من الاستعمار الروماني. بعد أن تمكنت روما من القضاء على “فيرموس” بتواطؤ من أخيه “جيلدون”. ولإعادة ترتيب البيت الموريطاني بحثت السلطة الرومانية عن أمير محلي يكون وفيا لروما، ووجدت في شخص “جيلدون” ما كانت تبحث عنه. لذلك كافأته مقابل تلك الخدمات التي قدّمها للجيش الروماني ووفائه لحلفائه، بتعيينه في سنة 387م كونت إفريقيا وقائدا لفرقتين من الميليشيا. لكنه أدرك في نهاية الأمر أنّ روما تسعى لبسط هيمنتها على كامل الشمال الإفريقي، لذلك أعلن الحرب عليها سنة 398م، وقد تلقى “جيلدون” الدعم والمساندة في حربه من بعض الأساقفة الدوناتيين من أبرزهم “أوبطاتوس” OptatusdeThamugadi أسقف كنيسة “تاموقادي” (تيمقاد حاليا) الذي كان مستشارا له، ولعب دورا بارزا في قيادة الرجال وتجنيد فرق من الدوارين لتدعيم “جيلدون”، لذلك لقب بـ”الجيلدوني” (Gildonianus). حيث التقى بجيش أخيه ودارت المعركة قرب نهر “أرداليو” Ardalio (واد حيدرة حاليا) بين “تيفست”Theveste (تبسة حاليا) وحيدرة “أماديرا” (Ammaedera) شمال شرق تبسة أي في الجنوب الأوراسي. وانتهت الحرب بهزيمته بتواطؤ من أخيه “ماكزيزيل”. وقد ألقي عليه القبض وتوفي بالسجن سنة 398م.

تعود هزيمة “جيلدون” – حسب ” ش. أندري جوليان”- رغم عدد جيشه الذي بلغ حوالي سبعون ألفا أمام جيش أخيه “ماكزيزل” الذي لم يتعد 5000 مقاتل إلى تخاذل بعض شيوخ القبائل الذين تخلوا عن القتال والحرب على أشدها بعدما اشتريت ضمائرهم.

وخلال الفترة الوندالية (429-533م) تراجعت هيمنة الوندال على المناطق الداخلية واقتصرت على المناطق الساحلية في المغرب القديم، خاصة بعد فقدان منطقة جبال الأوراس خلال الفترة 483-484م التي واجهت الوندال بشراسة، واكتفى الوندال بفرض سيطرتهم فقط على الشريط الساحلي في موريطانيا القيصرية والسطايفية، والجزء الأكبر من نوميديا. أما خلال الفترة البيزنطية (533-647م) يُشير شارل كورتوا في دراسته حول الفترة البيزنطية ببلاد البربر إلى وجود عدة ممالك بربرية استقلت بعد أن قاومت البيزنطيين أبرزها: مملكة الأوراس في حوالي 535م تحت حكم يوداس Iaudas، وهو أمير بربري ورد ذكره هو الآخر في كتاب بروكوبيوس (Procope)”حرب الوندال” (Bellum Vandalum) وقد ذكر ابن خلدون (Ibn Khaldoun) أن هذه المملكة كانت قوية، ومن المحتمل أن حكمها دام حسب شهادة بعض النصوص العربية إلى غاية مجيء العرب الفاتحين في مطلع القرن السابع الميلادي. وقد تميزت الفتوحات الإسلامية بشمال إفريقيا بالصعوبة الشديدة والتعثر خلال الفترة 21-82هـ/ 641-702م، أي أنها دامت حوالي 60 سنة نتيجة شراسة مقاومة البربر.

ومن أبرز تلك المقاومات في العصر الوسيط، مقاومة الكاهنة التي خاضت المعركة الفاصلة في بئر الكاهنة سنة 82هـ/702م والتي انتهت بمقتها ومثل ذلك نهاية نظام وثني قديم عجز عن مقاومة التيار الجديد الذي يحمل رسالة سماوية. وقد جرت أحداث هده المعركة في جبل أوراس، ورغم أهمية الصراع بين الكاهنة والمسلمين، فقد أهمل المؤرخون تفاصيل هذه المواجهة. وهكذا تبقى الكاهنة ملكة جبل أوراس أسطورة – كما ذكرتها المصادر العربية – وربما يعود ذلك إلى حزم وعزم امرأة على عدم الخضوع إلى حد التضحية بنفسها لحماية أبنائها كامرأة مثالية، فهي رمز المرأة الأمازيغية، كما أنها رمز ثقافة متميزة.

وإذا كان غالبية سكان الأوراس (Aurès) تتكوّن من الجيتول (أي زناتة Zénètes في العصر الوسيط) فقد عرف هؤلاء السكان خلال هذه الفترة باسم “الموريون “، وقد استخدم مصطلح موري(Mauri) من قبل المؤرخ الروماني بروكوبيوس (Procopius) والقديس أوغسطينوس للإشارة إلى سكان الأوراس غير المترومنين والسكان الأصليين الذين انتفضوا ضد روما. ويشير كوريبوس (Corippus) إلى السكان الذين انتفضوا ضد روما في عهد جوستنيان (Justinien) حوالي القرن الخامس الميلادي تحت اسم “إفوراس” (Ifuraces). وعلى العكس من ذلك، فإن السكان الأصليين الذين كانوا مؤيدين للنظام الروماني فقد أشير إليهم باسم «Afris». إنّ قبيلة بنو يفرن أو آيث يفرن هم قبائل “أفري” الذين ينتمون إلى قبيلة زناتة Zénètes، التي كانت تُعرف قديما باسم الجيتول.

أما في العصر الوسيط، فقد انتقل المصطلح اللاتيني “Mauri” إلى اللغة الفرنسية في شكل Maure”” ولكن أيضًا في اللغة الإسبانية في شكل”Moros” وفي لهجة البروتون Breton في شكل “Morianed” للإشارة إلى المسلمين.

ويؤكد جوزيف بيريز (Joseph Pérez) أنّ أغلبية الجيش الذي غزا شبه الجزيرة الايبيرية في القرن الثامن الميلادي وفتح الأندلس سنة 711م كان من البربر، وكان العرب أقلية صغيرة. لهذا السبب يُفضّل الإسبان، حينما يتحدثون عن الهيمنة الإسلامية، الحديث عن المور.

ويذكر إيف موديران (Yves Modéran) أنّه بعد سبعة قرون من الهيمنة الإيطالية “الرومانية”، أنّ العرق الأهلي حافظ على سلالته كما كانت قبل الاحتلال. فالمتمردون الذين عاقبهم الحاكم البيزنطي سليمان (Solomon) والجنرال البيزنطي يوحنا تروغليطا (JeanTroglita) في القرن السادس الميلادي بالأوراس وجبل إيدوغ (عنابة) وإقليم بيزاكينا هم نفس الرجال الذين قاتلوا قبل 600 عام تحت راية يوغرطة. فقد كانت لهم نفس العادات، نفس الأعراف، نفس اللغة، نفس حبّ الاستقلال، ونفس أسلوب القتال. إنّ بربر بروكوبيوس (Procopius) وأميان مارسلان (Ammien Marcellin) وكوريبوس (Corippus) هم بالتأكيد أمازيغ بوليبيوس (Polybius) وتيتوس ليفيوس (Titus Livius) وسالوستيوس (Sallustius) وأبيانوس (Appianus) وأولوس هيرتيوس (AulusHirtius). »

وهي قبائل أسّست مملكة المور أو (موريطانيا) بالمغرب الأقصى، ونستشف من النصوص والآثار وبقايا ضريح سيدي سليمان، أن أصولها تعود إلى أواخر القرن الرابع ق.م وأوائل القرن الثالث ق.م.

حمل كتابكم الأول عنوان “الصراع الدوناتي الكاثوليكي في الشمال الإفريقي القديم”، فيم تتمثل أهم نقاط الخلاف بين المذهب الكاثوليكي والفكر الدوناتي؟

لعل أهم ما ميز تاريخ الكنيسة الإفريقية في بداية القرن الرابع الميلادي ظهور الانشقاقات داخلها، من أبرزها ظهور الانشقاق الدوناتي الذي واجه الكنيسة الرسمية (الكاثوليكية). وقد ظل هذا الخلاف قائما إلى أن اعتنق الإمبراطور “قسطنطين” ((Constantin المسيحية وأصدر مرسوم “ميلانو” (édit de milan) سنة 313م الذي وضع حدا للاضطهاد الذي تعرض له المسيحيون على مدى أكثر من ثلاثة قرون، وأصبحت المسيحية ديانة رسمية للدولة الرومانية.

وفي ظل هذا الصراع الديني المحتدم بين تيارين ينتميان لنفس الكنيسة الإفريقية (الدوناتيون والكاثوليك) والذي استمر مدة قرن من الزمن) 311م-411م) بما استدعى تدخلا لسلطة الإمبراطورية أكثرمن مرة وانعقاد مجمعين للنظر في شكاوى الدوناتية وخصومها، الأول عقد في روما في 2 أكتوبر 313م، والثاني في مدينة آرل بتاريخ 1 أوت 314م، أي قبل أكثر من عشر سنوات من عقد مجمع نيقية (Nicée) سنة 325م الذي نظر في خلافات كنيسة الإسكندرية بين أريوس وخصومه. كما شهدت منطقة شمال إفريقيا أيضا أوضاعا اقتصادية واجتماعية متردية في مطلع القرن الرابع الميلادي، دفعت الطبقة الكادحة لأن تنتظم في حركة اجتماعية عُرفت بثورة الدوّارين (الريفيين الأوراسيين-Circoncellions) سميت هكذا لأنها ظهرت بالأوراس وتحديداً في مدينة “بغاي” بولاية خنشلة حاليا، لتقف إلى جانب الحركة الدوناتية، وشكلت الحركة الأولى سنداً قوياً وحليفاً طبيعياً للحركة الثانية، واعتبرتها المصادر المسيحية جناحاً مسلحاً للدوناتية. إن الانشقاق الديني تجسد في انفصال مجموعة من رجال الدين عن باقي زملائهم في السلك الكهنوتي، وتأسيس حركة دينية اصطلح على تسميتها بـ”الحركة الدوناتية”، مما أدى إلى انقسام الكنيسة الإفريقية إلى كنيستين: الكنيسة الدوناتية والكنيسة الكاثوليكية في بداية القرن الرابع الميلادي وتطور الصراع بين الكنيستين، وأنتج حركة جدل واسعة استمرت حتى أوائل القرن الخامس الميلادي حيث تم حظر الدوناتية رسميا على إثر مناظرة قرطاجة سنة 411م بين الدوناتيين والكاثوليك.

تعود جذور الانشقاق إلى اضطهاد “ديوكليتيانوس” (Dioclétianus) للمسيحيين في الفترة 303-305م، وإلى أحداث قرية “أبيتينا” (Abitina) (وهي خرائب “شهود الباطن” حاليا قرب مدينة مجاز الباب بتونس، وقعت بها أولى اضطهادات المسيحيين على عهد الامبراطور “ديوكليتيانوس”) بالبروقنصلية سنة 304م، والتي أثارت حماس المسيحيين الذين دعوا إلى القصاص من المرتدين ووصفوهم بالكفار.

وتسببت تلك الأحداث مرة أخرى في ظهور مشكلة العناصر التي ارتدت عن المسيحية بسبب ضعفها أثناء الاضطهاد، وتسليمها الكتب المقدسة. ومما زاد في خطورة المشكلة، اختلاف رجال الدين حول قبول أو رفض هؤلاء المرتدين، هذا الاختلاف دفع مجموعة من الأساقفة الذين رفضوا عودة المرتدين إلى صفوف الكنيسة إلى الانفصال عن الأساقفة الذين تسامحوا مع العناصر المرتدة، وتأسيس كنيسة تضم حسب مؤسسيها العناصر التي صمدت أثناء الاضطهاد الديني، وهي الكنيسة التي عرفت بالكنيسة الدوناتية.

يضاف إلى ذلك، سوء تنظيم الكنيسة الإفريقية، فالمقاطعات الكنسية منذ أن نشأت لم تتمتع باستقلال حقيقي. فشمال إفريقيا من قورينائية (Cyrénaïque) شرقاً (برقة شرق ليبيا حالياً) إلى موريطانيا الطنجية (Tingitane) غرباً كان خاضعاً وتابعاً لأسقف قرطاجة مباشرة الذي مارس سلطة الأب على هذه المقاطعات دون أن يكون له هذا اللقب “الرتبة”.

من هنا تنامت الأحقاد والضغائن بين أساقفة العديد من المقاطعات، وعبروا عن تحديهم المستمر لقائدهم المشترك في قرطاجة. ومن هذه الأحقاد انبثقت عديد الانشقاقات – كما ذكرنا آنفاً- داخل الكنيسة المنشقة نفسها. وعلى ضوء ذلك لم يكن الانشقاق من فرقة مبتدعة تستهدف المساس بجوهر العقيدة المسيحية، وإنما انشقاق محلي تركز في شمال إفريقيا وفي نوميديا على وجه الخصوص. من هذا المنطلق، اختلف مفهوم الانشقاق والبدعة “الهرطقة” (hérésie) بين المجادلين الكاثوليك والمجادلين الدوناتيين، وحدث تغير مفاجئ في الآراء في مطلع القرن الخامس. وقد حاول الأسقف الدوناتي “كريسكونيوس” (Cresconius)

– وهو أحد النحاة الدوناتيين (Gramaticus) ومن أبرز المجادلين الدوناتيين الذين دخلوا في جدل فقهي مع القديس أوغسطين- أن يبيّن أن زملائه في النحلة ليسوا من المبتدعة، ولا يختلفون مذهبياً مع الكاثوليك، وقدم تعريفاً للبدعة “الهرطقة” والانشقاق مقارناً بينهما فقال: » الهرطقة (hérésie) أو البدعة طائفة تتكون من عدة أفراد مذهبهم مختلف عن غيرهم، أما الانشقاق فهو عبارة عن قطيعة بين عدد من الأفراد لهم نفس المذهب «.

ومن جهته كان القديس “أوغسطين” مترددا ومحيرا، من وجود مبرر مقنع لإعادة التعميد. فمنذ قرن من الزمن، كان الكاثوليك ينظرون إلى خصومهم الدوناتيين على أنهم مجرد منشقين وليسوا بمبتدعة وهراطقة، لذلك تصور أوغسطين تعريفاً نادراً للبدعة والانشقاق قائلًا:» الانشقاق قطيعة حديثة عهد مع الكنيسة، بسبب بعض الاختلافات في الآراء ووجهات النظر، لأنه لا يمكن أن يكون انشقاق إذا لم يكن للذين يتبنونه آراء مختلفة، أما البدعة فهي انشقاق متمكن ومتأصل. «

يبدو إذن أن الانشقاق قد يصبح بدعة مع مرور الزمن، وأن هذا التفسير غير منطقي. فالأمثلة التاريخية تبرز لنا أنه غالبا ما يتحول الانشقاق إلى بدعة بمرور الزمن وبعد طول المدة، وهو الأمر الذي لا ينطبق على الدوناتية التي لم تحد عن منهجها ولم تتخلى عن مبادئها منذ نشأتها في مطلع القرن الرابع الميلادي. إلا أن قانون سنة 405م الذي صدر في عهد الامبراطور “هونوريوس” (Honorius) وقوانين أخرى جاءت مدعمة ومؤكدة له، الذي اعتبر الدوناتية شبيهة بالبدعة والهرطقة، لذلك تم حظرها وعوملت على هذا الأساس.

لقد شكل التنافس التقليدي بين كبير أساقفة نوميديا وأسقف قرطاجة، أحد الأسباب الرئيسة التي ساعدت على ظهور الانشقاق في الكنيسة الإفريقية. فظروف انتخاب وسيامة (ordination) “كايكيليانوس” في سنة 311م بعد وفاة “مونسوريوس” (Mensurius) تحمل دلالات مميزة وواضحة. وعلى إثر مكائد عديدة، وقع تسرع في اتخاذ قرار انتخابه، وفي “غياب النوميديين” حسب ما أورده “أوبطا الميلي”. لذلك ظهر سخط واستياء لدى النوميد، الذين طالبوا، بضرورة استشارتهم في اختيار زعيم الكنيسة الإفريقية.

وقد اتصل المنشقون في قرطاجة بأساقفة نوميديا وأطلعوهم على ما كان يجري بالكنيسة الإفريقية، فما علموا بذلك حتى أسرعوا مع كبير أساقفتهم “سوكوندوس” (Secundus) وانضموا إلى المعارضين لانتخاب “كايكيليانوس”.

وسرعان ما اجتمع المعارضون الذين وصل عددهم إلى سبعين (70) أسقفاً وعقدوا مجمع المنشقين في قرطاجة سنة 312م بمنزل “لوكيلا” (Lucilla) المرأة القرطاجية من أصل أسباني، وحسب ما ذكره أوبطا الميلي فإن سبب الخلاف بينها وبين كايكليانوس يعود إلى غضب لوكيلا من مطران قرطاجة، التي لم تتقبل نصائحه بعدم تقبيل عظم بشري تعتقد أنه لشهيد، وكان المطران منشغل بتنظيم وتقنين عبارة “رفات القديسين” (reliques)، ويتهمها أوغسطين بأنها قامت بشراء ذمم أساقفة نوميديا لإدانة كايكيليانوس وتعيين ماجورينوس. وقرروا عزل زعيم الكنيسة المنتدب “كايكيليانوس” (Caecilianus) وعدم شرعية انتخابه، مبررين ذلك بعدم حضور أساقفة نوميديا، وعدم العمل بالتقاليد والأعراف الإفريقية في تعيين أسقف قرطاجة. فضلا عن اتهام الأسقف “فليكس الأبتونجي” (Félix d’Aptonge) الذي أشرف على سيامة (تعيين) “كايكيليانوس”، بالتخاذل والضعف وبتسليم الكتب المقدسة أثناء فترة الاضطهاد الديني في سنة 304م. وبالتالي فهو مرتد عن المسيحية ولا يجوز له – حسب رأيهم- تنصيب وسيامة “كايكيليانوس”. ولعب النوميديون الذين حضروا مجمع قرطاجة فيما بعد، دورا هاما في كنيسة “دوناتوس” إلى تاريخ انعقاد مناظرة قرطاجة سنة 411م، حيث نجد أن جثليق نوميديا كان يتمتع بحق التصدر والتقدم على جثليق قرطاجة.

يتضح مما سبق أن ظهور الدوناتية في شمال إفريقيا في بداية القرن الرابع، يعود إلى مجموعة من الأسباب لعل أبرزها: أن الأساقفة النوميديين طعنوا- وعلى رأسهم الجثليق “سوكوندوس” (Secundus)- في سيامة أسقف قرطاجة “كايكيليانوس” وبعض الأساقفة الذين انتخبوه في هذا المنصب، بتهمة تسليم الكتب المقدسة والأواني الكنسية إلى السلطة الرومانية الوثنية أثناء “الاضطهاد الأكبر” في عهد الإمبراطور “ديوكليتيانوس” Dioclétianus (303-305م)، واعتبروا ذلك تخاذلا بل وخيانة وخروج عن المبادئ المسيحية. إذن الخلاف لا يعدو أن يكون خلافاً بين الأشخاص واتهامات متبادلة بالتخاذل والخيانة أثناء الاضطهادات الكبرى في عهد الإمبراطور “ديوكليتيانوس” بين رجال دين ينتمون لنفس المذهب ونفس الكنيسة.

اشتركتم مع د. عاشور منصورية، في ترجمة كتاب “الجزائر المسلمة في الماضي والحاضر والمستقبل”، والذي يتناول منطقة بلزمة بولاية باتنة سنة 1914، هل من تعريف موجز بهذا الإقليم وأهم ما يميزه في تلك الفترة؟

بلّزمة إقليم يقع بين جبال الأوراس وجبل بوطالب ويتكوّن من كتل جبلية متوازية يحدّها من الشرق ثُغرة باتنة ومن الغرب هضبة تافرنت ووادي نافلة، أعلى قممها (قمة تيشاو) 2138م ورأس الرفاعة 2178م، وجبل “قطيان” (1902 م)، الذي يفصله عن جبل بو طالب واد واسع يمتد من فم-غنية إلى الحامّة.

يفصح الكاتب في ثنايا الكتاب في مواضع مختلفة، عن مهمّته التي تنتهي بتقرير حول المنطقة، هذا الكتاب- التقرير الذي خصّ به منطقة بلّزمة وتنقل في مشاتيها وأريافها متواصلا مع ساكنتها. وكأي تقرير أمني كان لا بد من الاهتمام بالتركيبة الاجتماعية والهيئات الدينية والتقاليد والعادات لرصد حركة السكان والذهنية المتحكمة في سلوكاتهم ومواقفهم وكانت له حراسة ترافقه في تنقلاته وخاصّة أعيان قبائل المنطقة.

لماذا كُلّف هنري أرنست لافيون ((Henri Ernest LAVION بهذه المهمّة ولماذا إقليم بلّزمة بالذات؟

أما الإقليم فقد أشرنا إلى أهميته آنفاً، علاوة على ذلك فالإقليم يقع في الأوراس الغربي وقد حاولت فرنسا مراراً إنشاء مركز استيطاني بالمنطقة بنقاوس تحديداً، فأوفدت لافيون ليستقرّ بمدينة نقاوس وأوكلت له هذه المهمة، وهو الإداري والضابط العسكري، وقد حلّ بالمنطقة في أواخر القرن 19م، وهو نفسه يذكر ذلك أنه جاء إلى الأوراس الغربي بتكليف من الحاكم العام شارل إتيانليطو، ((CharlesÉtienneLutaud (1855-1921م) بـ 50 سنة بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر، أي في حوالي 1880م.

والكاتب لافيون لم يشر في مقدمة كتابه إلى سنة الانتهاء من تأليفه، والذي طُبع سنة 1914م، غير أن جميع معلوماته ومصادر دراسته التي استوحاها طيلة تواجده بمنطقة الأوراس، امتدت حتى تاريخ توقيع إهداء الكتاب لمسؤوله ليطو (E. Lutaud) في 1جويلية 1913م والكتاب لا يصنّف إلا ضمن كتابات العسكريين الفرنسيين لغرض اختراق الريف ومحاولة تفكيك المجتمع الجزائري، بعد مضي أكثر من 80 سنة على الاحتلال. كما أنّ مهمّته تهدف إلى تأسيس المراكز الاستيطانية بالأوراس الغربي وإعداد جيوب عقارية موجهة للبناء. إلا أنّ مهمّته كان مآلها الفشل الذريع، لأنّ سكان بلّزمة رفضوا ووقفوا في مخططات الاستيطان الرامية إلى مصادرة الأراضي من الأهالي وتمليكها للمعمرين.

صدر مؤخرا، العمل الذي قمتم بترجمته رفقة د. عاشور منصورية، وهو بعنوان “رحلاتي إلى بلاد الشاوية بالأوراس”، وقد تحدث مؤلف الكتاب الرحالة الإنجليزي عن تطور الطب بمنطقة الأوراس، خلال زيارته للجزائر في بدايات القرن العشرين (1912-1920)، بم فسّر الكاتب الرحالة هذا التطور؟

بداية نشير إلى العمل الذي قمنا بترجمته رفقة د. عاشور منصورية، والموسوم”رحلاتي إلى بلاد الشاوية بالأوراس”للرحالة الإنجليزي هيلتون سيمسون (M.W.Hilton-Simpson) (1881-1938م)، ووليم هيلتون من خريجي جامعة أكسفورد العريقة، بإنجلترا، حيث حصل بها على درجة البكالوريوس، ثم دبلوم في الأنثروبولوجيا، من ذات الجامعة، ليتخصص في دراسة تطبيقات الأعراق الأفريقية، فقام برحلته الأولى إلى شمال أفريقيا والصحراء الجزائرية الكبرى عام 1903م، ليصل إلى قصور مدينة مسعد (بولاية الجلفة حاليا)،التي دوّن بها مشاهداته ووثّقها بصورة فوتوغرافية بلباس جزائري بدويّ، ممتطياً حصاناً مرفّهاً، لكن اهتمامه كبُر بالصحراء الجزائرية منذ أن سافر للجزائر العاصمة وقابل قايد الجلفة في أحد فنادقها، وطلب منه تقديم يد المساعدة بما يحتاجه في رحلته هذه للتعرف على خبايا الصحراء ومزاولة البحث، وممارسة هواية الصيد والتسلية، والاتصال برؤساء القبائل والقُيّاد ليُسهلّوا له مهمّة التجوال بكل راحة وآمان في الصحاري والجبال. بينما كانت رحلته الثانية إلى غرب أفريقيا وأنتج عملاً إثنوغرافياً قيِّماً، ضمنه ملاحظاته بعنوان “يوميات بعثة الكونغو” تحتوي على سرد للملاحظات الشخصية والملاحظات الجغرافية للرحلة، وهو مخطوط صادر في ديسمبر 1907م،

ويبدو أن هيلتون سيمسون غيّـر من محورية عمله الإثنولوجي، ونقله من إفريقيا الإستوائية، ليستقرّ رأيه على دراسة مجتمع الشاوية (سكان الأوراس) لسنوات عديدة، فتجده في كل موسم يسافر إلى شمال إفريقيا، ويتخصّص منذ عام 1912م فصاعدًا، في دراساته عن شاوية الأوراس، وقد أكّد أهمية ذلك في قوله: “إننـي أُفضّل دائماً دراسة عادات الشاوية، باعتبارها أكثـر المناطق بُعداً عن التأثير الخارجي للشعوب التي تُجاورهم”.

وفي جبال الأوراس كانت له رحلات رصدها في كتابه هذا، متعرّفاً على عادات وأعراف سكان المنطقة، يعقد تارةً مقارنة مع جيـرانهم من عرب بدو الصحراء، وتارةً يشير لبعض الفواصل الاثنوغرافية بينهم وبين ما هو كائن في انجلنرا، من فضاءات عمرانية ونظم اجتماعية وحركات مجتمع ومشاغبات نسوة، وكانت في صُحبته خلال طول المواسم زوجته التي سهّلت له مهمّة البحث بإقامتها علاقات ودّية مع نساء الشاوية. فتمكّنَا من الحصول على تسهيلات استثنائية في تحقيقاتهما، بلغ بالسيدة هيلتون سيمسون أن تُنافس الشاوية في لعبة الهوكي “ثاكورث”، وقد وثّق هذه الرحلة في كتابه هذا الذي عنوانه الأصلي “بين سكان الجبال في الجزائر، رحلات إلى شاويةجبال الأوراس” والذي نشره سنة 1921م، ثم كتابه الثاني “الطب والجراحة عند العرب، دراسة فنّ التداوي في الجزائر” ونُشر سنة 1922م.

وأثناء قيام الحرب العالمية الأولى، كان هيلتون سيمسون، جندياً في الجبهة الغربية أين حصل على رتبة نقيب ووسام جوقة الشرف، كما كُرّم بوسام متحف بيت-ريفرز من معهد العمل الأنثروبولوجي بأكسفورد عام 1932م، وقد وافته المنيّة في 17 مارس من عام 1938م، عن عمر ناهز سبعة وخمسين عاماً، مخلّفاً وراءه ثلاث أعمال حول الجزائر، هي:

– كتابه الأوّل عنوانه “رحلات إلى الشاوية في جبال الأوراس” (Journeys among theShawia of the Aures mountains) الذي نشره في سنة1921م،

– المؤلَّف الثاني له كان قد نشره في سنة 1907م والمعنون “الجزائر العاصمة ومابعدها” (Algiers and beyond)،

– أمّا كتابه الثالث في الطب والجراحة: الموسوم بـــــــ ” الطب والجراحة عند العرب، دراسة فنّ التداوي في الجزائر ” نُشرسنة1922م، (Arab Medicine Surgery, A Study of the Healing art of Algeria)

قام هيلتون سيمسون بأربع رحلات إلى بلاد الشاوية بجبال الأوراس، وكانت رحلاته دائما في فصل الشتاء، بدأ تلك الرحلات في 1912م- 1913م ثم 1913م-1914م، ولما اندلعت الحرب العالمية الأولى في 1914م عاد إلى انجلترا ليخوض غمارها في صفوف الجيش الإنجليزي، وفي 1919م يعود ليستأنف رحلته إلى الأوراس ويستكمل أبحاثه، إذن الرحلة الثالثة كانت في شتاء 1919م-1920م، أما الرحلة الرابعة والأخيرة فكانت في1921م وهي السنة التي نشر فيها كتابه ونتائج أبحاثه.

لقد أبدى هيلتون سيمسون منذ البداية اهتمامه بالحصول على قدر هام من المعلومات حول سلوكيات وعادات البربر الشقر في جبال الأوراس، رغم أنّ حياة الأهالي ظلّت حتى الآن مجهولة لدى الطلبة الأوروبيين.

كان الهدف إذن من رحلاته هو جمع عيّنات من الحرف اليدوية البربرية لمتحف بيت-ريفرز (Pitt-Rivers Museum) في أكسفورد (Oxford)، وذلك بالتركيز على المعلومات الممكنة عن حياة المجتمع، وعن تجربتهم في ممارسة الطب والجراحة التقليدية التي يشتبه في ممارستها من قبل أجيال سابقة سراً في جبال الأوراس أي دون علم السلطات الفرنسية، وقد عرض بعض المعلومات التي جمعها على العديد من الجمعيات العلمية في إنجلترا؛ وسعى لأن ينشر نتائج أعماله التقنية كاملة في الوقت المناسب أي في سنة 1922م.

إنّ هذه الدراسة تشكّل محاولة لمناقشة مختلف المشكلات الإثنوغرافية المتعلقة بالبربر، كما تسعى أيضا للإجابة على بعض التساؤلات لغرض لتسهيل الرحلات نحو هذه المناطق من طرف المستكشفين الأوروبيين الذين يمرُّون عبر بسكرة والقنطرة وأماكن أخرى، أو الذين يطلبون الراحة في الأوراس؛ كما أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستُسعد العديد من الراغبين في زيارة الجزائر للاطّلاع على حياة الأهالي؛ وهو ما لا تحققه الإقامة في مركز سياحي، كما تمنح هذه المعلومات معرفة بأحوال هذه الجبال التي يرتادها المستكشفون.

لقد قام سيمسونبعملية مسح لجميع الأودية الرئيسية في الكتلة الأوراسية، وزار العديد من المداشر النائية، وكذا القرى الكبيرة، وحاولأن ينقل القارئ من قرية إلى قرية في جبال الأوراس، التي جذبت انتباهه لغرض التعرّف على العادات الأكثر شُهرة لدى البربر، والاطلاع على حيثيات هذا الشعب العريق دون الحاجة للإقامة الطويلة بينهم، ودراسة أدبياتهم، ورغم انقضاءأكثر من سبعة عشر عامًا من زيارته الأولى للجزائر تاريخ دخوله رحّالة مستكشفًا اثنوغرافيًا في1903م، إلى بسكرة ثم اختراق الصحراء الجزائرية لاحقًا حيث وصل إلى الجلفة وقلعة مسعد (CastellumDimmidi) في نفس السنة. فإنه لم يجد من قدّم وصفًا تفصيليًا لحياة البربر بالأوراس باللغة الفرنسية أو باللغة الإنجليزية، بالرغم من قراءاتهالمختلفة للعديد من الأعمال الجادّة المتعلقة بالجزائر.

لقد شرع سيمسون بالبحث في الطب والجراحة الممارسة عند الشاوية فالتقى في رحلات استكشافية مع معظم الجراحين بالأوراس؛ و تمكّن من جمع رصيد من المعلومات حول أساليب ممارستهم للعلاج والتداوي، فضلاً عن الأدوات التي يستعملونها والتي بلغ عددها مائة وخمسون (150) أداة، ستون (60) منها عُرضت كنماذج في متحف بيت- ريفرز (Pitt-Rivers) في أكسفورد،إن أولئك الذين يمارسون فن التداوي في معاقل الأوراس وحصونها، لا يمكننا وصفهم بأنهم غير مدربين، فبالرغم من أنهم لم يتلقوا المبادئ الأولية في العلوم الطبية والجراحة، إلا أن الممارس الناشئ منهم سيخضع حتما لفترة تدريب مهني شاقة تحت رعاية طبيب خبير، لأنه بصدد نقل تجربته وتوريثها لواحد من أقاربه، المقبل حقاً على كسب رزقه من هذا الفن.

وهكذا يرث الأبناء الحرفة عن آبائهم، وفق قواعد تسير عليها الأسرة منذ القدم، في نقل خبرة الآباء للأبناء؛ ليحتفظوا بها مدى الحياة، إنها الجراحة والطب اللذين مُورسَا في العصور الوسطى، ها هي الآن تمارس في بعض المناطق من الجزائر؛ بواسطة الأدوات الأكثر بدائية، كالمناشير، المثاقب، المضارب، والمجسّات، وغيرها، وهي أدوات دقيقة وحادّة، كالتي يستخدمها حرفيُو الصياغة في الجبال، علماً بأن الجراحين الشاوية لا يستخدمون أيّ مخدر للتقليل من معاناة مرضاهم، الذين يدين لهم لما أبدوه من صبر ومثابرة في تحقيق النجاح.

لكن من أبرز العمليات الجراحية التي مارسها الجراحين الشاوية، ثقب الجمجمة (النقب trépanation)، والتي تدل على وجود جراحة حقيقية في الجبال. ويبدو أن جراحي الشاوية أكثر استمتاعا من غيرهم لمعرفتهم التامة بما يقومون به؛ إن اللجوء لمثل هذه العمليات أمر ضروري في أغلب الأحيان؛ لقد دوّن اثنين من الكتاب الفرنسيين هما الطبيبين هنري مالبو (H.Malbot)وروني فارنو ( (R.Verneau ملاحظاتهم حول هذه العميات الجراحية في مجلة “أنتروبولوجيا” (Malbot H. & RenéVerneau, Les Chaouïas et la trépanation du crâne dans l’Aurès, L’Anthropologie, 1897, tome VIII, n” 1 et 2, p. 537-544.).

أما بخصوص سؤالكم عن أسباب تطور الطب الشعبي والجراحة بمنطقة الأوراس وبما فسّر الكاتب الإنجليزي ذلك، فهذا يقودنا إلى الحديث عن “أصول التداوي الذي يمارس اليوم في الأوراس في علاج المرضى؟”. وكيف توارثت الأجيال فن التداوي والعلاج بل وإجراء عمليات معقدة على الجمجمة من طرف ممارسين لم يتلقوا أدنى تكوين ولا أية معلومات في الطب والجراحة الحديثة:

بداية؛ ومن خلال الكتب العربية التي يذكرها السكان الأهالي من حين لآخر وفي حالات حيرتهم، تقودنا إلى الاستنتاج بأن دخول فن التداوي لشرق الجزائر، كان بعد الفتوحات الإسلامية، أي باعتناق الشاوية لهذا الدين وأدائهم لفريضة الحج إلى مكة المكرمة التي يجتمع بها المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها لأداء المناسك. فيمضي البعض للإقبال على دراسة الطب والجراحة بعد عودتهم من الحواضر التي كانت مزدهرة خلال العصور الوسطى، في تونس أو القاهرة، أو حتى المدن البعيدة في العالم الإسلامي.

ولقد اكتسبوا هناك معرفة بالطب والجراحة العربية في القرن 13 الميلادي، ونقلوها عن طريق التقاليد الشفوية من الأب إلى الابن في عائلاتهم حتى تثبّتت في الوجود، وبقلب الأوراس لم يتغير ذلك كثيرًا بعد انقضاء فترة طويلة.

تلك العائلات التي جلب أسلافها فن التداوي إلى الجبال والتي لا يزال أفرادها يتبعون مهنة الطب، ربما بشكل غريب، لا يُعتبرون أولياء أو مرابطين، ولا حتى أن يوضعوا في خانة الدجالين وكتاب التعويذات “والحروز” والمشعوذين الذين يحظون بثقة ساذجة تُصدق خرافاتهم.

ومع ذلك، فالطب هنا يشبه ما كان عليه الطب بأوروبا منذ سبعة قرون، فلا غرابة إذن أن نجد أن الأطباء المحترفين يستخدمون أشكالًا معينة من العلاج والتي من الواضح أنها ذات أصل سحري أو شعوذة، وأن هؤلاء يوصون المرضى بحسن الظن حتى تتحقق لهم النتائج المرجوة.