أمين الساطي
كانت أغصان أشجار التنّوب في الغابة تتمايل مع نسمات الهواء الباردة، فيتعالى صدى حفيف أوراقها، مؤلفًا نغمات ناعمة تبعث السكينة والطمأنينة في سكان الغابة. حتى الليلة التي جاء فيها الصياد وابنه، إذ مزّقت سكونَ الغابة طلقةٌ من بارودة صيد أطلقها الصبي على عش عائلة البومة التي تعيش في تجويف شجرة معمّرة من أشجار التنّوب، فسقط فرخان صغيران على الأرض مضرّجين بدمائهما، أما الأم فطارت وتمكنت من الفرار.
شعر الصبي بنوع من النشوة لأنه أصاب الصغيرين، واستمتع بمشاهدة أحد الفرخين وهو يسقط ويرفرف بجناحيه لافظًا أنفاسه الأخيرة. أثار منظر الدم غريزة القتل الكامنة في داخله، أما الأب فأصبح مزهوًّا بنفسه، لأن ابنه بطلقة واحدة أسقط الفرخين، متناسيًا أن الطلقة الواحدة تحتوي على عشرات كرات الخردق، وأن إسقاطهما لا يحتاج إلى صياد بارع.
طارت البومة الأم، وحطّت على غصن شجرة قريبة، تراقب المشهد وهي تنعق وتبكي جزعًا على ولديها. لقد عاشت عائلة البوم لأجيال في هذه الغابة بسلام، حتى جاء الصياد جالبًا معه الموت. أيقظ هذا المنظر في داخلها كل حقد العالم، ولم تعد مجرد مخلوق من اللحم والدم، بل أصبحت وعاءً للانتقام.
لم يعرف الأب في تلك اللحظة أن البومة التي دُمّرت عائلتها هي من جنس البومة الفرعونية، وهي واحدة من أكبر أنواع البوم حجمًا، وتمتلك مخالب قوية وسمعًا حادًا وقدرة على التخفي، ما يجعلها صيادًا ماهرًا وقويًا للغاية. وتُصنَّف ضمن فصيلة البومات العقابية بسبب شراستها وقوتها، وهي قادرة على افتراس الثعالب والغزلان الصغيرة، فهي آلة قتل مثالية في الظلام.
في النهاية، وصل الصياد وابنه إلى أطراف الغابة، وكانت البومة تتابع تحركاتهما ولا تفارقهما. ثم أخذا الطريق الترابي المؤدي إلى قرية أفقا في قضاء كسروان بجبل لبنان، ثم دلفا إلى حارة ضيقة معتمة، ولم تتركهما حتى شاهدتهما يدخلان بيتًا صغيرًا بجدران بيضاء وسقف آجري أحمر. عندها حدّدت مكانهما، ولم يبقَ عليها سوى أن تضع خطة الانتقام.
مضى يومان والبومة تراقب من على غصن عالٍ بيت الصياد، حتى جاء صباح اليوم الثالث، عندما خرج الصبي وحده متجهًا إلى مدرسته. اتسع بؤبؤ عينيها الصفراوين، وسحبت جناحيها إلى جسدها، وخفضت رأسها، وانقضّت بانسيابية وسرعة كبيرة على الصبي، وغرزت مخالبها الحادة في فروة رأسه محاولة رفعه، إلا أن وزنه كان أكبر من قدرتها. وعندما عجزت عن رفعه، بدأت تنقر فروة رأسه بمنقارها البرتقالي المعقوف بتكرار، بينما أخذ الصبي يصرخ من الألم محاولًا حماية رأسه بيديه، لكن ذلك لم يزد البومة إلا شراسةً وقسوة، إذ لم يكن هدفها إلا الثأر لصغارها.
بالمصادفة، مرّ رجل على دراجته بالقرب من المكان، فانتزع المنفاخ اليدوي المحمول عليها وضرب به البومة، فشعرت بألم شديد كسر عظم فخذها، فطارت مبتعدة وهي تنعق من شدة الألم.
نقل الرجل الصبي إلى مستوصف القرية، حيث قُدّمت له الإسعافات الأولية بتنظيف الجروح ووضع كريم مضاد حيوي، ثم غُطّيت بضمادة طبية. وعندما حضر والد الصبي، ظنّ أن عقابًا صغيرًا هاجم ابنه، وأنها رسالة شؤم أرسلتها شياطين الغابة، لأنه قتل فرخي البومة. فكر أن عليه الاتصال بأحد الكهنة في القرية ليمنع النحس والكوارث التي قد تلاحق عائلته.
طارت البومة الجريحة، وحطّت على الغصن العالي نفسه الذي كانت تراقب منه بيت الصياد، وقد أنهكها الألم والإرهاق. كانت تدرك أن كسر عظم فخذها جعل أيامها معدودة، وأنها فشلت في الثأر لولديها. تذكرت أن الطريقة الوحيدة المتبقية هي تقليد الحدأة في الغابة، التي يقال إنها تحمل أغصانًا مشتعلة وتلقيها بين الحشائش الجافة فتشعل الحرائق، ثم تمتد النيران إلى الأشجار، فتتحول الغابة إلى رماد.
تحاملت على نفسها وطارت فوق المنطقة تبحث عن مخيم للصيادين قد تجد فيه نارًا مشتعلة، لكنها لم تجد شيئًا طوال ساعات طويلة من الطيران. كان هدفها أن تحمل غصنًا مشتعلًا وتلقيه على بيت الصياد.
حاولت الاستمرار في الطيران، لكنها لم تعد تسيطر على جناحيها. شعرت بالضعف الشديد، واستقرت على أحد الأغصان، تتذكر أيامها الأولى وهي تحلق بحرية بين الأشجار، قبل ليلة الصياد المشؤومة.
حاولت أن تطير من جديد، لكنها فشلت. كان الألم أقوى من قدرتها، ولم تعد تملك القوة للحركة. بدأ أملها في الانتقام يتلاشى، وأدركت أنها انتهت. نظرت للمرة الأخيرة إلى أشجار التنّوب الشاهقة، ثم أغمضت عينيها مستسلمة .
نظرت إلى السماء، متوسلة أن تنزل لعنة الغابة على الصياد وابنه.
*الكاتب: عضو في اتحاد الكتاب العرب في سوريا، عضو في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات


