بقلم محمد بصري
يقول باولو فريري “يجب أن يكون هذا هو الحلم المشروع لكل مؤلف :أن يقرأه القراء ويحللوا ما يكتب وينتقدوه ويحسِّنوه ويعيدوا اختراعه” مقتبس من كتاب بيداغوجيا المقهورين.
بيداغوجيا الكفاءات براديغم تربوي تهجيني .يراهن على ترسيخ كفاءات لا تستند إلى قناعات اجتماعية وسوسيولوجية وكأن الأمر يتعلق بوضع بذور في غير تربتها. قد تكون هذه المقاربات آخر مهمات الإيديولوجا اللبيرالية والاستعمارية الرأسمالية التي قابلت المد التربوي التقليدي للدولة العميقة والدولة المستحيلة الدولة و الشمولية استبعاد دور المعلم واختزاله في تعاقد وعقد بيداغوجي ضيق ينسف البيداغوجيا النقدية التي شهدتها دول سائرة في طريق النمو ومتطورة كالصين والبرازيل وبعض دول امريكا اللاتينية.باولو فريري يرى ضرورة حضور “بيداغوجيا نقدية تشاركية بين المعلم والتلميذ”.لابد إذن من العودة على مصادر الذات .تبني مفهوم انقلابي لبيداغوجيا محلية جديدة تقصي الوهم الهووي وعبادة الماضي وسيطرة فصيل هووي أو إثني أو ايديولوجي على البيداغوجيا .لكن كيف السبيل إلى ذلك؟
قال لي صديقي المترجم الشاب هشام الوكيلي .” التراث وِزرٌ ثقيل وإلا لما تقدّمت أمريكا وتخّلفت اليونان! ..عصر تدوين التراث تم إغلاقه بل كان من الآفلين مع آخر محاولة ديوزينوسية لجوهرة بني العباس المأمون الخليفة الفيلسوف الذي كانت فترته فضاءً للعبور الثقافي العظيم بين الشرق والغرب .عبور كوسموبوليتيقي. جرفت فيه أقلام كتبة التراث والمترجمين وعلماء الكلام كل مزايا ومساوئ الثقافة الاغريقية.كبلتنا بأوزار الإغريق ونصيات الحرفيين الفقهاء، عصر التدوين كان قلقا حضاريا ومفصلا ابيستيمولوجيا في تطور تاريخ المعرفة العلمية البشرية . بعدها بات الديداكتيك والبيداغوجيا رهينة ثبات ووثوقيات وسكون يعيد إنتاج ذاته ويكررها بانتظام ودون استحياء من التاريخ. عوّدتنا الثقافة العربية وهي تتدثر بجماليات التلقي التقليدي الآثيني والأسكندري بالتعلم والتثاقف داخل حياض المكتبات وفي بيازين الحدائق فترة زمن النهضة الثقافية التي لم يُكتب لها الاستمرار.ربما كان التعليم الديني إجباريا واستحقاقا تساؤليا ميتافيزيقيا بالمقابل كان تعليم الفلسفة خيارا عقليا وإذعانا جبريا مارسه العقل الإنساني في حلته العربية. مطاردة سقراط للأثينيين وإزعاجهم تحول عند تلامذته وجل منتسبي الثقافة اليونانية إلى فن التدريس في الحدائق والمنتزهات أسَّسَ أبيقور Epicure Ἐπίκουρος مدرسة مفتوحة على الفضاءات الخضراء والحدائق سنة 306 ق.م كان يُعلِّم فيها الرجال والنساء الفلسفة وكيف نصل الى البلوغ السلام الروحي والنفسي.وأسس آرسطو المدرسة المشائية Peripatetikos سنة 335 ق.م وقيل أنه استأجر مكانا فسيحا في ضواحي آثينا يدرس فيه أسس المنطق والتاريخ والطبيعة ومبادئ الفن وكان ابن الامبراطور أحد تلامذته “الإسكندر” المقدوني.كان آرسطو يحب الشرح ماشيا وسمي” بالمحاضر المشاء”.وأسس أيضا غريمه الفكري والثقافي زينون الإيلي مدرسته الرواقية سنة 300 ق.م حيث المنطق الإيلي الثابت ضد منطق آرسطو الذي يؤمن بقوة الاستدلال والعقل. مفاد هذا ظهور أكبر المدارس العلمية والرياضية لكن بمفارقات بيداغوجية عجيبة حيث الطرائق الديداكتيكية تتشاكل وتتناقض وتتضاغط وتختلف.ربما الإغريق كانوا السباقين إلى الاختلاف المنهجي والبيداغوجي وهو ما جعلهم يسيطرون على العالم ثقافيا وفكريا وعسكريا.ويؤسسون لثقافة جوالة سرمدية لم ينقطع ذكرها إلى اليوم.لهم حق الظفر بنواصي التعليم وبأهمية التعليم ولهم حق نقد التعليم الركيك الثابت الذي يبشر بأيدولوجيا القمع البيداغوجي..دمقرطة التربية لا تعني سوى تحريره من أوهامه السكونية وأوامره العتيقة هكذا فهم الإغريق السكولائية.لكن لم يفلح فلاسفة الإغريق من تحريرنا بيداغوجيا رغم الإرث التحرري والنضالي للفلسفة وقيمها الكونية ربما بسبب تعاسة الوقوع في الاغتراب التراثي الخاص بهم .ربما جنون الثقافة الكلبية Cynicismهو من أعاد إلى المجرد النظري والبيداغوجي الترونسونتودالي بتوصيف كانطي إلى رشده الواقعي .فالفلسفة لعبة واقعية لا تقرأ إلا في حضور اليومي والمعيش.
بدأت الفلسفة الكلبية نسبة إلى تلميذ سقراط المجنون ذيوجينِس المتسول والراهب الوثني أول من طرح سؤال إنسانونيا” ماهو الإنسان”لما فسر افلاطون الإنسان “أنه كائن غير مغطى بالريش يمشي على قدميه” رمى لهم ذيوجينييس دجاجة منتوفة الريش وقال انظروا هذا هو إنسان آفلاطون. ذيوجينس حرر أفق الفلسفة من التطاحن الشعبوي الذي أغرقها فيها سقراط وحررها من أكاديمية افلاطون الذي دعى إلى بيداغوجيا طبقية وإلى سطوة الشهادات والألقاب والألف المعقوفة الحدباء على المواهب ..
البيداغوجي أو البيداغوج كمفهوم جوال رحل من الإغريق إلى الثقافات التربوية الأخرى ويعني العبدpédagogue الذي يأخذ الطفل إلى المدرسة .التعليم أو المدرسة أو الحديقة التربوية الأثينية ارتبط بالطبقية والرقيق. جينالوجيا تَشَكل عبر مفرزة تاريخية طبقية واجتماعية تَحْرٍم قطاعا من الناس التعلم وتُتيحُه لطبقة النبلاء والأمراء والميسورين.اليوم تحَوّل إلى نمط من الخدمة النخبوية.البيداغوجيا صناعة نخبوية تشرف عليها مجموعة من كتبة الوحي.تغيرت وظيفة البيداغوجي الذي يرافق الطفل المتعلم إلى متعالم مستبد يصنع الارتجالية والسطحية ويدير علوم التربية بشكل نخبوي معكوس وفق القاعدة الفرعونية “ما أريكم إلا ما أرى ” التي صدح بها كتاب الله عز وجل. رغم الطابع الأفقي لعلوم التربية والمناهج التي هي صناعة جماعية استقرائية وهي كذلك رمز للعقلانية الموضوعية تتشابك فيها مصالح جماعات مختلفة لا تدار بطريقة العصابات ليست فئوية أو إثنية هذه البكتيريا اللاتربوية هي بمثابة بذور شقاء وانهيار أي بناء بيداغوجي أو منهاجي. إلا التربية لا يمكن تخذيرها بالايدولوجيا أو الانفلات الإثني لا يمكن تجييرها لحساب الرداءة السكولائية لأن مهمة بناء الوعي الوطني تحتاج أفقا معرفيا وثقافيا عميقا .المناهج العربية ارتهنتها جماعات وقرارات مستبدة .لذا كان تسلط بعض المقاربات على المخيال الجماعي الثقافي ديكتاتوري تم تنزيله بصورة غير ديمقراطية.لكن المقاربات تزول وتتلاشى معها الرؤى التربوية المشؤومة والنخب الزائفة وتبقى الشعوب التي تتغير مناهجها بتغير مستقبلها وثبات مصادر ذاتها
التقويم في وضعه البيداغوجي الحالي يثير كما يقول سيغموند فرويد “الغرابة المقلقة” (2)
أي أن وجه القلق فيه ليس الثغرات والمطبات والأخطاء البنيوية بل كونه أضحى مألوفا اعتاد الوسط التربوي على تكريس مهمات الخطأ .التقويم ليس العشاء الأخير للمسيح ليس عشاءً عبرانيا عابرا في التاريخ وليس كذلك عشاء ديداكتيكيا أخيرا ينتهي لتبدأ مأساة الدفن التراكمي للمادة في أخطاء باتت تكرر ذاتها كنسخ فاشلة ، دون غايات وأهداف واضحة تكوينية وواعية لدوره في بناء الوعي العام والشامل للمواطن.
التقويم لم يعد يدين للتلقين كمرجعية فقط بل أثار تصدعات في مقاربة الكفاءات التي يُفترض بها أن تحمل بذور تقويمها في مفاصلها الديداكتيكية وفي فرضيات النقل الإبستيمولوجي التعاقدي الذي يزعمه صناعها وكهنتها.بل عاد هدما للتلقين في حد ذاته لم يعد ينطوي على سقف بيداغوجي معين بل انسلخ تماما عن أي مقاربة تقليدية أو معاصرة وهنا مكن الخطر.اصبح لا تكوينيا ولا ديداكتيكيا ولا بيداغوجيا. والخطر في كون تحول الرداءة إلى بيداغوجيا تقنعنا أن الحلول الراهنة المتكلسة هي أمر واقع الخطر هو تفشي بيداغوجيا العجز والفشل التعليمي الإقصائي.
الفلسفة هي الوعي الذي يجعل الأفراد مسؤولين، الفلسفة لا تقود الناس إلي” التعصب المدمر” تأكيد أنفسهم يجنبهم أي نوع من التعصب (3) الخوف من الحرية حسب إريك فروم وصناعة المستبد البيداغوجي بتصور البيداغوجي البرازيلي باولو فريري هي من تصنع بيداغوجيا مقهورين تتطلب منهم اصطفاف لصناعة بيداغوجيا تحريرهم فهذا المفكر يرى أن نشوء بيداغوجيا قمعية يقسم البشر إلى قامعين ومقموعين تؤول هذه الإحراجات إلى حركة نضالية تربك واقع البشر. “من الناحية الوظيفية القهر تدجين. لكي لا تقع فريسة لقوته عليك أن تخرج منه وتنقلب عليه لا يمكن القيام بذلك إلا من خلال التطبيق العملي: التفكير على العالم لتغييره” (4) ربما هو براديغم ماركسي في تأويلية جديدة للبيداغوجيا لكن الايدولوجيا تؤسس لبراديغمات مستحيلة في بناء مشاريع بيداغوجيا أفقية جماعية.
في سنوات تدريسي مادة الفلسفة كنت دائما مستعدا لأسوا اللحظات وأفظعها .تلك التي يتحول فيها السؤال إلى كمين إلى أحجية ثقافية لا مجال للحظ أو الموهبة. البشر مجرد كتل غرائزية تستهويها شهوات السلطة .ديداكتيك وتعليم الفلسفة يجعلك دائما صاحب ترس ودرعٍ قوية تتصدى الصدمات وتدافع عن نفسك بالدهشة من الأفعال والأقوال والمذاهب والأشخاص وحتى ما كانوا يدعون أصدقاء.لا شيء مجاني.كن مستعدا للأسوأ فقط.
هوامـــــش
انظر بيير دوكاسيه فلسفات كبرى ترجمة جورج يونس دار منشورات عويدات بيروت ص38
2- انظر جون باتيست برونيه ابن رشد المقلق ترجمة جورج زينتي دار الكتاب الجديد طبعة 2 منقحة ص 7
3- باولو فريري بيداغوجيا المقهورين ترجمة وتقديم محمد الطيب بدور وسميرة غانمي دار منشورات الأفق ص 20
4- نفس المرجع ص 37/38
كاتب وباحث جزائري




