علاء حمد*
ننطلق نحو البنية النصّية، وقد اختلفوا على تعريف النصّ، ولكن بما أنّنا مع البنية النصّية، فالوظائف التي نقصدها هي في الدائرة التعدّدية، وخصوصاً إذا ربطنا التأويل بالوظائف، ويكون للاستدلال أيضاً مساحة في التجلّي الكتابي، فالترابط النصّي وإن اعتمد على بعض المعايير التي يذكرها بعض النقاد، ولكن في الوقت نفسه يكون لمعيار المعنى والسياق اللغوي الأثر الأعم في النصّ الشعري، فالهزة الموازية للترابط النصّي، بين النصّ والنصّية، هي البنية التي تُملأ بالمعاني المختلفة من جهة، والسياق اللغوي الذي يعتمد الاختلاف الفلسفي من جهة أخرى، والكثير من الشعراء يهتمّون بهذه البنية، حيث تشكّل القاسم المشترك الأعظم بين المعنى النصّي والمتلقي، وكذلك بين المعنى النصّي والمقام؛ ومن هنا يكونون الرافد الأعلى للبنية النصّية وتأويلاتها التي تعتمد المعنى النصّي.
■ الدلالات القصدية(4)
ليس هناك اختلاف مشروط عندما نكون في التتابع الدلالي، فالكتابة النصّية للشعر، هي الخلق النصّي القصدي، أي أنّ الدلالة العامة هي التي تحمل النوايا، ومن هنا يتمّ الفصل بين الدلالات، ومنها الدلالة الحركيّة والتي تولد من خلال حركة الأفعال وانتقالاتها، ومنها الدلالة البنيوية، والتي تقودنا إلى البناء النصّي، ونسف العلاقات التي لا تخدم النصّ، لذلك أكّد دريدا على الهدم والبناء، ولكن في الوقت نفسه إنّ الدلالة اللغوية تساعدنا على التشييد والبناء، فنسف النصّ بشكل كلّي يعيدنا إلى خلق جديد ومعاني قد نحتاجها.
إنّ لأفعال الكلام حركة فعليّة في الإنتاج النصّي المنطوق والمكتوب، وهي تجعلنا في منطقة الأفعال اللغويّة غير المباشرة، وهذا ما تتركه من آثار على البناء النصّي يلمسها المتلقي من خلال الحالات النفسيّة التي يواجهها في بعض الأحيان.
نستطيع أن نكون أيضاً في دائرة الدلالة القولية؛ فالعلاقة التي يفرضها العمل النصّي، هي تلك العلاقة بين القول القصدي والذي يعني لنا المنطوق أوّلاً، والدلالة القصدية والتي تعني العمل بالقول من خلال النصّ المكتوب.
عَطِشٌ مَوَّالِي
سَارَتْنِي الْخُطْوَةُ نَحْوَ جِنَانٍ تَعْزِفُنِي
كَمْ لَحْنًا أَتَشَهَّى؟
كَمْ سَاقًا أَتَخَايَلُ كَيْ أَصِلَ الشَّهْقَةَ مِلْءَ هَوَايْ؟
هِيَ حَرُّ الْحَاءِ
وَلَيْلُ اللَّامِ
وَوَصْلُ الْوَاوِ
وَمِسْكُ الْمِيمِ
تَنَبَّهْ..
خَصْرِي مَسْدُولٌ أَعْلَا/ كَ
كَفَاكَ سَتَائِرُ زَوْبَعَةٍ تَطْرِفُ عَيْنِي
(من قصيدة: كَمْ سَاقًا أَتَخَايَلُ كَيْ أَصِلَ الشَّهْقَةَ؟- ص1345)
عندما نكون في دائرة الأفعال (الحركية، الانتقالية، التموضعية وأفعال الكلام) فنحن في منطقة– التعبيرات المرجعية– أي أنّ نظام الإشارة قد تداوله النصّ من خلال التعبير النصّي، ومن هنا يكون لدلالة المعنى الامتداد أوّلا ومن ثمّ التموضع حسب موقعها التموضعي في النصّ المكتوب.
إنّ الخطوة التي أرادها، هي الخطوة الأولى، وذلك لتواجد علاقات الأسئلة التي أثارها الشاعر وهو يقودنا بين اشتهاء اللحن، وبين الشهقة الحَنجرية، وفي هذه الإحالة تكون الدلالة قد تحوّلت إلى ارتداد للمعنى من جهة وإلى شروط تحقيقها من خلال الإشارة من جهة أخرى. وعندما يضعنا الشاعر أمام بعض الرموز التوضيحية فإنّه يندفع إلى الفعل الكلامي (تنبّه)، حيث يعطي المرجعية لمعناه الجذري لكي يكون نقطة متقاطعة مع الرموز الإشارية.
أَدْخُلُ لُغَةً مِنْ قَطْرٍ مُرٍّ
يَحْتَكُّ حَرِيرُ الْحَرْفِ بِضِلْعِ حَنِينِي
مَا أَشْقَى الدَّمْعَةَ يَابِسَةَ الْمِلحِ
كَأَنَّ يَدًا تَلَهُو بِكُرَاتٍ جَامِدَةٍ/ تَرْتَجُّ جُذُورِي
كُنْ قَوْسَ الضِّفَّةِ
حِضْنَ المَرْفَإِ
رَمْلَ المَقْعَدِ
حِبْرَ الْغَيْبُوبَةِ
رَائِحَةَ المَرْمَرِ
أَنْسُجُ أَعْشَابًا لِوَمِيضِ الصُّدْفَةِ
(من قصيدة: كَمْ سَاقًا أَتَخَايَلُ كَيْ أَصِلَ الشَّهْقَةَ؟- ص1345)
■ محور التتابع الدلالي: ونعني به العلاقات التي تربط الجمل ببعضها، فقد اعتمد الشاعر د. محمد حلمي الريشة على علاقات داخلية نصّية، وهي المحور الإشاري الذي اعتمده في العلاقات بين الجمل الامتدادية بحيث أنّ كلّ جملة من الجمل كانت تتابع اللاحق وتكون مكملة للجملة السابقة؛ فهناك التقطيع للجمل على انفرادها، وهناك الوحدات اللغوية، وهناك الإشارات التي تدخل ضمن المنظومة النصّية.
(بخصوص السؤال الدلالي: ماهي المقولات الدلالية؟ يمكن إيراد الأجوبة التالية. أوّلاً، يمكن تعيين المقولات الدلالية من الناحية الوجودية بمقابلتها بذوات/ ماهيات العالم الخارجي المتمثلة في الأشياء things والخصائص properties والأحداث events والمحلات places والوقائع facts، علماً بأنّ هذه العناصر لا يمكن أن تختزل باستبدال أحدها بالآخر).(5)
أدخلُ لغةً من قطرٍ مرّ+ يحتكّ حريرُ الحرفِ بضلعِ حنيني+ ما أشقى الدمعةَ يابسةَ الملحِ+ كأنّ يداً تلهو بكراتٍ جامدةٍ/ ترتجّ جذوري+ كنْ قوسَ الضفةِ+ حضنَ المرفأ+ رملَ المقعدِ+ حِبرَ الغيبوبةِ+ رائحةَ المرمرِ+ أنسجُ أعشاباً لوميض الصدفةِ
من خلال ما رسمه الشاعر تتابع سياقي يؤدّي إلى تتابع دلالي أيضاً وقد جعل من الكلمة كائناً حركيّاً، وكلّ كائن يحتاج إلى أدواتٍ تحرّكه؛ ومن هنا نلاحظ:
■ حدود الاستدلال وملاحقة السياق الدلالي: أدخلُ لغةً من قطرٍ مرّ+ يحتكّ حريرُ الحرفِ بضلعِ حنيني= عندما تكون اللغة من كلمات مركّبة وهو (النصّ) فالكلمة تكون من حروف مصفوفة لتكوين كلمة، وقد جعل عامل الاستدلال هو الاشتقاق من هذه الكلمات.
■ بناء الجملة تتابعية: كأن تكون تفسيراً لسابقتها، والسابق يلاحق اللاحق… ما أشقى الدمعةَ يابسةَ الملحِ+ كأنّ يداً تلهو بكراتٍ جامدة/ ترتجّ جذوري= النتيجة هنا تفسيرية وهي تلاحق الاستدلال.
■ الفعل الكلامي بين التنبيه والنداء: كنْ قوسَ الضفةِ+ حضنَ المرفأ+ رملَ المقعدِ= بدأ الشاعر بفعل كلامي(6) وانتهى بفعل يمثل الـ (أنا) من خلال الفعل الحركي الدال (أنسجُ).
نستنتج ممّا قدمه الشاعر الفلسطيني د. محمد حلمي الريشة، بأنّ لغته الشعرية غير تقليدية من جهة، وأسلوبية التعاطي مع الأفعال وتكوين الجمل الشعرية ذات اختلافات دائمة من جهة أخرى. ومن خلال مبدأ التفعيل القولي الواضح والقولي الضمني، نلاحظ أنّ هناك علاقات بين المقولة والمقصودة، وبين المقروءة والمكتوبة؛ وهناك تقابلات أيضاً فتكون القصدية مخالفة للقولية، والعكس صحيح، فالذي نريد توصيله هو عملية الإثبات النصّي من خلال عدّة أبنية.
■ القيمة الرمزية.. التوظيف والأبعاد
إنّ وجوه الرمزية متعدّدة، وطالما أنّها ثياب للغة الشعرية التي ترافقنا، إذن هي المنحى الفلسفي الذي يرافق النصّ، والوجود الحتمي في النصّية يفرض علينا أن نكون على المعرفة الجزئية للنصّ للوصول إلى المعرفة الشمولية، فالمنظور الخارجي للنصّ يمنحنا المساحة الشمولية، ولكن في الوقت نفسه عندما نكون في التقطيع النصّي فنحن في مناطق من الحتميّة النصّية.
المحاولة التي نحن في صددها، هي التوظيف أكثر من التجميع، والأبعاد النصّية وملازمتها للرمزيّة أكثر مما يكون؛ حتى تصل الغاية الكتابيّة حدّ الغموض، ومن هنا ندخل أيضاً الخيال الرمزي والذي يدفع النصّ إلى تحوّلات وتغييرات في النصّ المكتوب.
من حيث اللاوعي تتجه الكتابة من خلال (الذات الرامزة) إلى العبارات والجمل التي تلتزم بالجماليّة الرمزيّة، وتكون ماسحة الخيال نصب عين الشاعر عندما يكون في هذه المنطقة والتي هي ذات علاقة مع العوامل النفسية، “وانطلاقاً من هذه المسلمة فإنّ مفهوم الرمز يتلقى عند فرويد تحويلا مضاعفاً يستجيب له منهج مضاعف أوضحه بمهارة رولان دالبييز Dalbiez في الفرويدية: منهج التداعي أو الترابط والمنهج الرمزي.”(7)
إنّ الشاعر الفلسطيني الدكتور محمد حلمي الريشة؛ يقودنا عبر جمل وتركيبات اعتمدت الرمزيّة وكان الإيحاء منبراً من منابر المعرفة وخطوطه الظاهرة، تحليلية تلتزم بتراكيب الجمل بكلّ تأكيد.
النَّدَى يَحْتَكُّ بِالْوَرَقَةِ نَاعِمًا
حَتَّى الْغُبَارُ الْوَحْشِيُّ
يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ بِهُدُوءٍ.
*
مُعْظَمُ الثِّمَارِ تَنْضُجُ فِي الصَّيْفِ
ثَلَاثَةُ فُصُولٍ تُتْقِنُ تَعَبَهَا
لِأَجْلِ ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ.
*
“إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا
فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.”
وَإِنْ نَظَرَتْ هِيَ؟
(من قصيدة: تُنْزِلُ لِي سِيَاجَ حَقْلِهَا.. وَتُشَرِّدُنِي– ص1350)
ينطلق الرمز عادة لتمثيل الأشياء الأخرى، يزيلها ويحلّ محلّها، أي أنّه يكون تمثيلا لأفكارٍ غايته الجاذبية والاندماج مع الفعل التأثيري لكي يعطي صورة جمالية حاله حال الاستعارة حيث يكون طبيعة إدراكية، وكذلك الرمز يكون طبيعة حسّية فيتآلف مع المدلول.
إنّ الصياغة الرمزية ذات علاقة مع الإيحاء لذا فإنّ الرمزية تصبح ذات صياغة إيحائية ولا نستغني عن الإشارات التي تمثل الأبعاد الرمزية عندما ننظر إلى الأشياء، وذلك لغرض تقريبها من جهة، ولتوظيفها كدلالاتٍ رمزيةٍ من جهةٍ ثانية.
القمرُ يحتكُ بالقمر ناعماً+ حتى الغبارُ الوحشيّ+ يُمكن إزالته بهدوءٍ
معظمُ الثمارِ تنضجُ في الصّيفِ+ ثلاثةُ فصولٍ تُتقن تَعبها+ لأجل ثمرةٍ واحدةٍ
“إنّ كلّ منْ ينظرُ إلى امرأةٍ ليشتهيها+ فقد زنى بها في قلبه”+ وإن نظرتْ هيَ؟
إن القيمة الرمزية تظهر وتتبيّن من الداخل النصّي وليس هناك قيمة إضافية خارج النصّ، لذلك فالرمز يعتمد الإيحاء في بعض الجمل الشعرية، حيث هناك الحقيقي والخيالي، وعموماً عندما يبدع الشاعر يبتكر رموزه الخاصة كما لدى الشاعر الفلسطيني الدكتور محمد حلمي الريشة، حيث أنّه يقودنا إلى الممكنات التي ظهرت من الذات الحقيقية؛ إذن معظم المفردات هي عبارة عن رموز خاصة يوجدها الشاعر.
مثلاً: القمر، الغبار الوحشي، والإشارة إلى الثمار والمرأة، حيث أنّ الإشارة تدلّ على رمزية، ومن هنا يكتسب الرمز دلالته من ذاته، وهي الخصوصية الضرورية وقد تقودنا هذه الخصوصية إلى الغموض أيضاً. و”الصياغة الرمزية صياغة إيحائية، والإيحاء فيها مرهون بأمرين: أولهما: قدرة الشاعر على تمثيل أفكاره ومشاعره في صور وأوضاع ذات أصل مادي، وتتجرّد هذه الصور من بعض خصائصها الحسّية المعهودة بحيث تومئ إلى المراد ولا توصفه، وتثيره ولا تسمّيه. وثانيهما: استغلال الموسيقى الشعرية في خلق مناخ نفسي تقصر عنه اللغة بدلالاتها الوضعية الضيّقة.”(8)
■ الوظيفة الدلالية
لا يمكننا أن نتواصل مع الدلالة بدون التراكيب اللغوية، وهي التي تقودنا إلى نوعية المفردة وأثر السياق عليها، ومن هنا لدلالة المعنى التفاتتها في الجملة المركبة، ودلالة اللغة؛ هي القوّة الحتمية التي تظهر من خلال إزالة التعابير المباشرة والتي تعيق التركيب من جهة وتضرّ الاختلاف اللغوي من جهة أخرى، “فكلّ فهم للغة هو فهم للذات، لأنّه ومنذ الفينومينولوجيا، لا تمايز بينهما حسب فعل الفهم ذاته ليس كعملية نفسية، ولكن كوعي بالوجود وفعل استحضاره.”(9)
من خلال الوظيفة الدلالية نستطيع الدخول إلى نصوص الشاعر الفلسطيني الدكتور محمد حلمي الريشة وذلك عندما نبني بعض العناوين المهمّة والتي تدلّنا على المعاني والتأويلات؛ ومنها التشكيل الحسّي، والثقافة التصويرية والالتفاتة نحو الأشياء.
01
الْعُمْرُ وَرْدَةٌ وَحْشِيَّةٌ
لَا أَزَالُ أُفَتِّتُ أَوْرَاقَهَا
بَحْثًا عَنْ رَائِحَتِي.
02
الْجَسَدُ جُرْحٌ عُضَالٌ
أَرْمِي فِيهِ بِهَارًا لِدَمِي
فَيُوقِظُ مَاءَ الْغَيْبُوبَةِ.
03
كَمْ كُنْتُ صَالِحًا لِلنَّجَاةِ
لَوْ أَنَّ عُرْيَ الْأَمَلِ
لَمْ يُقَشْعِرْ فَجْأَةَ الشِّعْرِ.
(من قصيدة: رَذَاذٌ جَرِيحٌ حِينَ أَشْهَقُ عُصْفُورَةَ الظِّلِّ– ص1363)
إن الكشف عن المعنى الدلالي يقودنا إلى العلاقة بين الدال والمدلول(10)؛ وطالما أنّنا ندرس الرموز اللغوية باعتبارها الديمومة الرابطة في المنظور النصّي، وذلك بحكم تختفي المعاني والاختلافات اللغوية خلفها؛ وهي البؤرة الحتمية في أيّ نصّ من النصوص الشعرية.
وجلّ ما نسعى إليه هو ظهور جماليات الأثر الفنّي؛ وتعتبر الدلالة الحركية أهمّ تلك الآثار التي تعتني بديمومة الجملة الشعريّة من جهةٍ، والمواجهة الكتابية من جهة أخرى.
العمر وردة وحشيّةٌ+ لا أزالُ أفتّتُ أوراقها+ بحثاً عن رائحتي
الجسدُ جُرحٌ عضالٌ+ أرمي فيه بهاراً لدمي+ فيوقظُ ماءَ الغيبوبة
كم كنتُ صالحاً للنجاةِ+ لو أنّ عُريَ الأملِ+ لم يُقْشعرْ فجأةَ الشعرِ
إنّ تحويل الدال إلى مدلول ثان، هذا ما نسميه بمعنى المعنى، أو الاختلاف اللغوي؛ ومن هنا ندخل إلى النصوص الثلاثة للشاعر الفلسطيني الدكتور محمد حلمي الريشة، وفي الوقت نفسه إن تحرّكَ الدال، حركة فعلية تؤدّي إلى الانزياح اللغوي، فالجملة الأولى (العمر وردة وحشيّةٌ) هي أوّل وحدة لغوية، حيث أنّ حركتها من خلال الجملة التي تليها وذلك لوجود الفعل الحركي (أفتّتُ)، والذي من خلاله تكون دلالة الفعل على الحدث، وهناك دلالة الفعل على الزمن أيضاً، ولو جمعنا الأفعال الحركية والانتقالية للنصوص الثلاثة مثلا: أفتّت، أرمي، يوقظ… إلخ، فسوف نكون في دائرة المصدر، أي أن الأفعال الحركية والانتقالية اشتركت مع المصدر.
لقد شبّه الشاعر العمر بالوردة، ولكي نكون مع المعنى المختلف: لا أزالُ أفتّتُ أوراق الوردة الوحشية، فقد استغنينا عن مفردة العمر والتي تعتبر الحلقة الفعالة من خلال التشبيه.
■ التشكيل الحسّي
من خلال التشكيل الحسّي في المنظور الحركي للنصّ الشعري، نذهب إلى عدة تشكيلات؛ ومنها: التشكيل الإستطيقي، واللغوي، والفنّي والأسلوبي، كما أنّ هناك العديد من التشكيلات التي تواجهنا في القاعدة النصّية، ولكن طالما نحن في حديقة الشاعر الحسّية، فسوف نكون مع الحسّ المنفرد، وهو محسوس الشاعر بالذات، وهناك الحسّية المشتركة أيضاً. (يشترط في وجود الإحساس الظاهر وجود مؤثر خارجي– هو المحسوس الخارجي– يؤثر في عضو الحسّ. فإذا أثر المحسوس في الحسّ حدث الإحساس. وإذا لم يؤثر امتنع الإحساس.(11) يقول ابن سينا: “ليس بنا أن نحسّ بملكة الحسّ مطلقاً، بل إذا حضر المحسوس وقابلناه بالحاسة أو قربنا منه الحاسة.”(12)
10
دُخَانٌ سَافِلٌ
وَقَهْوَةٌ عَاهِرَةٌ
يَتَعَاكَسَانِ مُرُورًا فِي قَصَبَةِ الصُّبْحِ.
11
بِكُلِّ أَسَفٍ مَرِيضٍ
أُسَامِحُ أَسَفَ الْغِيَابِ
فِي نُضْجِ قُبْلَةِ خُبْثِهَا.
(من قصيدة: رَذَاذٌ جَرِيحٌ حِينَ أَشْهَقُ عُصْفُورَةَ الظِّلِّ– ص1363)

من الممكن الالتزام بالمنظور الحسّي الفردي والذي يدفعنا للاشتراك النصّي، باعتبار أنّ النصّ حالة فرديّة لا تهزّه إلا الحسّية الداخلية والتي يكون لها علاقة بالأشياء الخارجية، والمحرّك النصّي من انفعالات ومؤثرات وكذلك الإشارات، كلّها تتفق مع الحسّية الداخلية للشاعر.
دخانٌ سافلٌ+ وقهوةٌ عاهرةٌ+ يتعاكسان مروراً في قصبة الصبحِ
بكلّ أسفٍ مريضٍ+ أسامحُ أسفَ الغيابِ+ في نضجِ قبلة خبثها
هناك قوّة حسّية خارقة في المنظور النصّي، تتوازن عندما يكون الشاعر في منطقة المفاجأة الحتمية للنصّ المكتوب؛ فقد اعتمد على بعض الألفاظ المشاكسة من جهة، وبعضها تناقضية من جهة أخرى، فهل نستطيع أن نقول: دخان سافل، وهنا ليس بمعنى السفالة التي يقصدها بقدر ما كانت عملية التشبيه، فقد شبّه الدخان بالسفالة، ومن الممكن اشتغال الحسّية مع الحدس في الحياة المعقدة التي تواجهنا.
نلاحظ من خلال الجمل الشعرية واختلافات اللغة التي بنيت عليها، ونحن في منطقة ما وراء الواقع:
القدرة على الإنجاز التواصلي؛ بحيث أنّ الجملة لها أسبقية المعنى والبناء النصّي، ومن خلالها تشكّل لنا مقاطع مصغّرة وهي عبارة عن نصّ بمنظور مكثف.
لغة الاختلاف وعلاقتها الحسّية، حيث أنّ اللغة الرمزية هي العنصر العلائقي في كلّ جملة من الجمل الشعريّة، ورسم الرموز لا يتمّ إلا من خلال الإطار الحسّي في كل جملة ومقطع شعري.
■ الثقافة التصويرية
من أهمّ هذه الثقافة هي التصوير الشعري والتصوّرات والحركة الانزياحية في المنظور النصّي، وعندما نتكلّم عن نصّ شعري، نتكلّم عن ثقل الشعر في مسيرته المكتوبة، فالصورة الذاتية تُترجم إلى اختلافات لغوية، ومن الممكن أن تحوي على علاقات صادمة في التصوير الذاتي، وكذلك الأسلوب الدهشوي، حيث أنّ الذات تتحوّل إلى ذات دهشوية صادمة.
إنّ الصورة الشعرية تحصل على استقلالها من خلال الثقافة الذاتية، فإذا اتجهنا إلى السريالية فسوف نلاحظ أن هناك تراسلات في المدركات والحواس، وكذلك نعني الرمزية أيضاً، ولا يمكننا الاتكاء على صورة شعرية خضعت للتصنيع الذاتي، وإنّما تأتي عند غياب التفكير من جهة، والخروج من المشاعر المباشرة من جهة أخرى، أي أن يكون عامل الاختلاف اللغوي قد تربّع على ملاقاة التصوير المشهدي في النصّ المكتوب.
يكون للحسّية والحسّية الداخلية الميزة في المشهد التصويري للصورة الشعرية، حيث أنّ الحسّية الداخلية بالذات تخضع للثقافة الداخلية، أي أنّ هناك علاقات جدلية بين المنظور الحسّي والمنظور النصّي، فالنصّية حاوية لجميع التراسلات التي تحدث من مدركات وحواس وانفعالات ومسمّيات.
2
أَبْتَلِعُ الأَسَى
نَحْلَةً مَرِيضَةً،
وَأَصْرُخُ مِنْ شَبَعِي.
3
أَصْعَدُ شَجَرَةَ الحَيَاةِ
لِأَلْتَقِطَ ثَمَرَةً
سَقَطَتْ فِي القَبْرِ.
4
أَرَى بُومَةً لَا تَرَانِي؛
يَبْدُو أَنَّ عَيْنَيْهَا
مُعَارَةٌ لِلْعَتْمَةِ.
(من قصيدة: فَوْقَ ظِلِّ عَبَّادِ الأَمْسِ– ص1391)
إنّ الأسلوب الدهشوي وتوظيفه في المنظور الشعري، يحرّر اللغة من جمودها، ولكي يكون للغة حركة فعّالة فالشاعر يغزوها باختلافات متعدّدة من جهة، ويجعل من التناقضات معاني تواصلية تؤدّي إلى العجائبية من جهةٍ أخرى، ومن هنا تكون الصور الشعرية قد حازت على مساحة واسعة لتثبيت إقامتها الأكثر تأثيراً.
فقد أكّد موريس ماندو في كتابه تاريخ السريالية: “وتصبح المفاجأة الحافز الأكبر الجديد: الأسلوب الجديد يتميّز عن جميع الحركات الفنّية والأدبيّة التي سبقته، بعنصر المفاجأة والمكانة التي يجعلها لهذه المفاجأة. فلسنا بحاجة، في بدء بحثنا، إلى اختيار حدث ما عرف بسموّه، واللجوء إلى أنظمة قد سبق للذوق أن أقرّها، بل نستطيع الانطلاق من حدث يومي، مثلاً: إنّ منديلاً يقع، يمكن أن يصبح رافعة.”(13)
فللفعل التأثيري من خلال كلّ جملة شعرية نسقاً مخالفاً للمعاني، وفي الوقت نفسه مخالفا للغة، حيث أنّ اللغة تعتني بالإشارات والمسمّيات والمكونات التأثيرية – الأريحية التي تبعث النفس إلى التفاؤل.
أبتلعُ الأسى+ نحلةٌ مريضة+ وأصرخُ من شِبعي
أصعدُ شجرةَ الحياة+ لألتقطَ ثمرةً+ سقطت في القبرِ
أرى بومة لا تراني+ يبدو أنّ عينيها+ مُعارةً للعتمةِ
ثلاثة نصوص عبارة عن صور شعرية تخللتها الدهشة والمنظور الصادم، حيث أن المعاني اختلفت وتناقضت فيما بينها، وهي الكتابة الآلية في بعض الأحيان والتي تتجاوز الشعور المباشر.
عندما تكلّم الشاعر الفلسطيني محمد حلمي الريشة عن الأسى، فإنّه قد ابتلع الأسى، وهي عناصر التشبيه التي استحضرها في منظوره الشعري، ومن هنا تحضر قوّة الاستعارة وقوّة الفعل الحركي (أبتلع)، حيث أن بعد الابتلاع حالة من المكوث إلى الاستقرار؛ وكذلك نقيس في الجمل الأخرى (نحلة مريضة، وأصرخ من شبعي)، وقد كان الفعل المضارع أصرخ تكملة للجملتين المتموضعتين في التناقض.
أصعدُ شجرةَ الحياةِ= ليس هناك معاني ميتة، فإنّها شجرة الحياة، قد تموت الشجرة، ولكن تبقى الحياة متواصلة مع ما خلفته تلك الشجرة، فالنهر يصنع الجداول، والشجرة تصنع الفنن.
لألتقطَ ثمرةً+ سقطت في القبرِ= بين الثمرة (التأمّل)، والقبر (التشاؤم واليأس) تكمن الذات– العقل في تواصلها مع ربط الصورة الشعرية بالتصوير الذاتي؛ فتكون الذات هي المسيطرة على نقل التجربة والتغلغل اللغوي، حيث يقف نقاء التصوير على مرآة عاكسة فينتج لها خفقة الطائر ونظرته عند الطيران. مَن الذي يلتقط ثمرة؟ فالتشبيه الذي اعتمده الشاعر هو القياس الأساسي لنظرية الاستعارة؛ فالثمرة والقبر تتناقضان في المعنى، الأولى هي الحياة والثانية هي المفارقة الأكيدة.
■ الالتفاتة نحو الأشياء
إنّ الشعرية من خلال خصوصياتها هي الاعتناء بالأشياء، فالإشارات والمسمّيات وحتى أقرب شيء غير ملموس، أي أن يكون تخييلياً، فهو من الأشياء غير المرئية، ومن هنا نستطيع الدخول إلى أشياء الشاعر الفلسطيني د. محمد حلمي الريشة وذلك من خلال بعض نصوصه التي تسعفنا وتتوسّط لنا بأن نكون في البؤرة الحتمية لكلّ شيء يدلّ على القصدية.
لا يمكن للشاعر مغادرة الأشياء التي حوله، وذلك لأنّه هو بذاته شيء من الأشياء، وكلّ ما حوله من الأشياء، وهناك الأشياء الابتكارية التي يضعها الشاعر بنسب توضيحية أو التقارب من الأشياء المادية، وذلك بسبب عامل التخييل الذي يقودنا إلى بعض هذه الأشياء في ذهنية الشاعر.
نقول إنّ الشيء نفسه، إذن نحن في الشيء أو مقتربين منه؛ ومن الممكن تحويله إلى موضوع، والموضوع يراجع الأشياء ويحضنها “عندما نسجّل أنّ الهذا هو مجرّد تعيين ذاتي فإنّنا لا نقول طبعاً شيئا ذا بال، وهذا ما يتبيّن في أنّنا يمكن أن نقول بالحقّ نفسه إنّه تعيين موضوعي؛ فالموضوعobiectum يعني ما هو ملقى قبالتنا das Entgegengeworfene. يعني الهذا الشيء من حيث أنّه يقوم قبالتنا، أي من حيث أنّه موضوعي.”(14)
5
أَبْحَثُ عَنْ ظِلِّي
تَحْتَ شَمْسٍ عَمُودِيَّةٍ
عَلَى بُقْعَةِ اسْتِوَائِي.
6
أَزْرَعُ زَهْرَةَ أَمَلٍ
سَيُرْدِيهَا خَرِيفُ العُمْرِ
بَيْنَ فَكَّيْ دُودَةٍ.
7
أَحُطُّ عَلَى دُوَارِي
نَازِفًا عَرَقًا
فِي جَفَافِ سُكْرِي.
(من قصيدة: فَوْقَ ظِلِّ عَبَّادِ الأَمْسِ– ص1391)
نستطيع أن نفرّق بين المعنى والإشارة والمشار إليه، وكذلك المعنى الذي يلازم الأشياء التي تتحوّل إلى مواضيع كتابية؛ وعندما نتكلّم عن الموضوع، فسوف نكون في الداخل النصّي، فستكون أيّ إشارة من ناحية الأفعال والصفات والأحوال، كلّها في الخارج النصّي، ويستطيع الشاعر تقريب هذه الخصائص إلى المنظور النصّي وتتمّ عملية الاندماج لكي تكون عناصر دلالية لدراسة المعنى واللغة أيضاً.
أبحثُ عن ظلّي+ تحت شمسٍ عموديّةٍ+ على بقعة استوائي
أزرعُ زهرةَ أملٍ+ سيرديها خريفُ العمرِ+ بين فكّي دودةٍ
أحطُ على دُواري+ نازفاً عرَقاً+ في جفافِ سُكري
نلاحظ من خلال توظيف بعض المفردات الذكيّة بأنّ هناك مساحة من القصدية، والتي تقودنا إلى الدلالة اللغوية، مثلا: مفردة الظل… تعتبر هذه المفردة من المفردات الذكيّة، والظلّ يوهم الآخر من خلال لونه المائل إلى الزراق، فيظنّ المحدّق بأنّه يحمل اللون الأسود، ومن خلال زرقته الناصعة كان اللون اللازوردي الذي تلبّس بوّابة بابل.
كان التوظيف الملائم بين بعض الكواكب الباعثة للظلّ وهي الشمس، وبين البقعة المتحرّكة، وذلك لأنّ الظلّ يأخذ قالب الشيء تماماً وهو يرمز إلى الثياب الباردة صيفاً، وإلى المظلة شتاءً؛ ومن هنا نستطيع أن نقول إنّ دلالة الظلّ، دلالة لغويّة مركزيّة، تقودنا إلى معاني عديدة حسب عمليات التركيب اللغوي.
لقد استدعى الشاعر في بداية كلّ نصّ من النصوص الثلاثة أفعالاً مضارعة، وهو القول الآني الذي نؤكّد عليه في العديد من الكتابات التنظيريّة؛ أبحث، أزرعُ وأحطُ، ثلاثة أفعال بدأت بجمل تواصليّة تبحث عن الجانب التأويلي للمكون النصّي. وهي مطليّة بتراكيب، تدفعنا للبحث عن الانزياح اللغويّ أيضاً والذي تختفي خلفه المعاني.
* شاعر وناقد من العراق يقيم في الدّانمرك.
الهوامش:
4- وهي بتلك التناقضات مفهوم فلسفي أفرزته الفلسفة المعاصرة باعتبارها الأساس الإبتستولوموجي العام الذي لا يحيد عن فكرة القصد والمعنى على حدّ تعبير (جلبرت رايل (Gilbert Ryle؛ وأوجدته فيما بعد تيارات تقف على علاقة النشاط اللغوي بمستعمليه ونظريات كانت مصبّ اهتمام فلاسفة من أمثال: فتجنشتين Wittgenstein وأستن Austin وسيرل Searle وجرايس Grice هذا الأخير الذي أعطى المتكلمين ومقاصدهم مكانة محورية عند تفسير المعنى فهو يعتبر أنّ كلّ حدث سواء كان لغويّاً أو غير لغويّ يحتوي على دلالة وراءها قصد قد يكون حقيقياً أو غير حقيقيّ لأنّ منتج الخطاب يخفي مقاصده ليقوم المتلقي بتأويله وفق إستراتيجيّة خاصّة تصل إلى القصد أو تتجاوزه. مجلة إشكالات في اللغة والأدب– القصدية وأثرها في توجيه الخطاب الشعري– ص170- المجلد 8 العدد 1 لسنة 2019– وسام مرزوقي وقوتال فضيلة.
5- البنيات التركيبية والبنيات الدلالية– المقولات الدلالية ص15– جوست زفارت– ترجمة: الدكتور عبد الواحد خيري– دار الحوار للنشر والتوزي – سورية، اللاذقية– طبع 1، 2008.
6- لقد أصبح مفهوم الفعل الكلامي نواة مركزية، في الكثير من الأعمال التداولية، وفحواه أنّه كلّ ملفوظ ينهض على نظام شكلي دلالي إنجازي تأثيري، ويعد نشاطاً ماديّاً نحوياً يتوسّل بأفعال قولية إلى تحقيق أغراض إنجازية، كالطلب والوعد والوعيد، وغايات تأثيرية تخصّ ردود فعل المتلقي، كالرفض والقبول، ومن ثمّ فهو يطمح إلى أن يكون فعلا تأثيريّاً، أي يطمح إلى التأثير في المخاطَب، اجتماعيّاً أو مؤسساتيّاً، ومن ثم إنجاز شيء ما. –التداولية عند العلماء العرب، دراسة تداولية لظاهرة الأفعال الكلامية في تراث اللسان العربي، من تأليف: مسعود صحراوي– ص ص54، 55– دار التنوير للنشر والتوزيع، الجزائر– ط1، 2008م.
7- الخيال الرمزي، الترميزات التحويلية– ص44– جلبير دوران– ترجمة: علي المصري– ط1، 1991م– المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع– بيروت، لبنان.
8- كتاب الرمز والرمزية في الشعر المعاصر- الصياغة الرمزية في الشعر العربي المعاصر– ص303– تأليف: د. محمد فتوح أحمد، أستاذ الدراسات الأدبية المساعدة، كلية دار العلوم، القاهرة– ط3، 1984م، طبع دار المعارف.
9- اللغة والتأويل– ص56– عمارة ناصر -ط1 2007م – دار الفارابي، بيروت- لبنان.
10- يعد علم اللغة “Linguistigue” أحد فروع علم العلامات “Semiologe” باعتباره علماً يدرس الرموز والعلامات اللغوية وغير اللغوية.
11- الإدراك الحسّي عند ابن سينا– ص50– د. محمد عثمان نجاتي– ط3– ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.
12- ابن سينا، التعليقات على حواشي كتاب النفس لأرسطاطليس، محفوظة بدار الكتب الأهلية بالقاهرة، رقم6 م، ص161ب. نقل من نفس المصدر.
13- تاريخ السريالية– ص22– موريس ماندو– ترجمة: نتيجة الحلاق– مراجعة: عيسى عصفور– من منشورات وزارة الثقافة السورية، 1992م.
14- السؤال عن الشيء– ص60– مارتن هايدغر– ترجمة: د. إسماعيل المصدق– مراجعة: موسى وهبة– ط1، لسنة 2012م– المنظمة العربية للترجمة، الحمراء– بيروت– لبنان.





