المجلة الثقافية الجزائرية

التشويق في القصص الشعبي

داود سلمان الشويلي*

الحياة ليست جافة، ولا صحراء، لا ماء فيها ولا طراوة، وانما هي طرية، ورخية، وندية، والقصص الشعبي الذي يتداوله الناس هو من هذه الحياة، وإليها، ويحمل بين جنباته ما يجعلها إلى أن تكون كذلك بما ينضح منه من تشويق يجذب الناس إلى هذه الحياة الواسعة، والعريضة.
ومن ضمن أسباب سماع القصص الشعبي من قبل الناس كافة، هو تحريك المشاعر الانسانية النبيلة، وأحاسيسهم الجياشة، والتخفيف من التوتر النفسي بسبب متاعب الحياة، واضفاء الأجواء المريحة للنفس البشرية، وهذا التخفيف، والجو المريح، لا يأتي من فراغ، وانما هو حاصل تأثير القصص الشعبي من خلال التشويق الذي يحمله.
ورغم تحولات الزمان، وتغيّر المكان، يكون القصص الشعبي المروي حاضنة للتشويق الذي يكون هو الأداة الرابطة بين المتلقي والقصص الشعبي ذاته.
والتشويق هو جذب المتلقي واحتوائه، واثارته، ليكون متابعا للحكاية من أولها إلى آخرها. فيجعل المتلقي في حيرة وتأهب دائمي لما سيأتي من أحداث.
و يتحقق التشويق من خلال عوامل المتعة الجمالية والفكرية لما تطرحه هذه القصص، وهذا يعبر عن تعدد وتنوع الأحداث، والمواقف، والشخصيات، وما يكتنفها من مفاجآت يتوقعها المتلقي، أو لا يتوقعها، فتزيل الملل عنه. ويتولد هذا من الراوي نفسه، أي من مهاراته التعبيرية، واستخدامه لغة الجسد عند حكي هذه الحكاية، أو تلك، ملفوضة غير مقروءة، لهذا نرى التشويق في الحكاية الملفوضة أكثر منه عند قراءتها.
وللتشويق الذي يقدم المتعة والتسلية، اضافة لما قلناه، آليات كثيرة، فمنها الآليات التي ترتبط بحبكة القصص الشعبي وما تقدمه من عناصر للعمل، كالشخصية، والزمان، والمكان، والحدث، والتي تصل بالأحداث إلى الأسطرة في بعض الأحيان. ومنها الآليات التي ترتبط بتطور الحدث المروي. ومنها كذلك، استخدام هذه القصص للخيال، والخيال الجامح الذي يتصف بالسريالية والفنتازية، وكذلك بالخرافية التي لا واقع لها وفيها. واضافة لذلك، فأن اسلوب الراوي الذي يحكي الحكاية، يحمل من عوامل التشويق الكثير.
***
ونحن نستمع للحكاية من فم الراوي أو الحكواتي، أو عندما نقرأها في كتاب، تنتابنا مشاعر متضاربة، وحسب مشاعر بطلها، نفرح عندما يفرح البطل، ونحزن عندما يحزن، ونقلق لقلقه، ونغضب لغضبه، ونتوتر، ونترقب، وهكذا كما تتجسد مشاعره على وجه، وملامح، وأيدي، وجسد، الراوي، أو الحكواتي،وهذا الترقب، والتوتر، المصاحب لاستماع الحكاية هو ما يترك في النفس البشرية التشويق، والتشويق هذا يكون بطرح سؤال غير مسموع مفاده \”وماذا بعد ذلك؟\”.
التشويق، إذن، هو مشاعر من الحزن، أو الفرح، مختلطة في بعض الأحيان، غير معروفة المصدر، وهي للخيال أقرب، وكذلك هي عنصر غالباً ما يأتي من نصوص مكتوبة، أو شفاهية، وكذلك من تسلسل أحداث يكتنفها الغموض. التشويق هذا ذاتي يأتي من داخل الحكاية، وموضوعي، خارجي، يأتي من الراوي، الحكواتي، ومن الجو العام لمكان سماع، أو قراءة، الحكاية ذاتها.
***
– التشويق من خلال الآليات التي ترتبط بحبكة القصص الشعبي:
نقصد بالحبكة هي الأحداث المتتابعة والمتسلسلة التي تتكون منها حكاية ما، مع التأكيد على علاقة الأحداث ببعضها، وذلك من أجل توليد أثر عاطفي لدى المتابع. وكما وردت في المعاجم، فأساسها من حَبك الشيء حَبكا، أي الشد الوثيق.
والحبكة تقدم مجموعة من عناصر القصص الشعبي، وهي تضمها، كالشخصية، والزمان، والمكان، والحدث، و بتضافر هذه العناصر تتقدم طرديا في توصيل الأحداث إلى المتلقي.
يجب أن تختار الشخصية وهي تبحث عن الحقيقة، وهي غاية القصص، أو انها تريد سد النقص الحاصل فيها، كما عدّ بروب ذلك في وظائفه الأولى، أو في غيرها، من بين الشخصيات التي لها استعداد فطري لتحقيق تلك الغاية، وأيضا، أن توضع في طريقها شخصيات أخرى تساعدها في عملها ذاك، أو تمنحها شيئا يعينها للوصول لهذه الغاية. وبين هذا الشخصيات الثلاثة يكون التشويق عندما تأتي الشخصية المناسبة في وقتها.
لنأخذ مثالا على ذلك، حكاية \”حسن آكل قشور الباقلاء\”. وهي حكاية تتحدث عن انسان غير نشط، خامل،\”تمبل\”، يعتاش على ما يرميه الناس من قشور الباقلاء بعد أكل لبّها الطري. والشخصية الثانية هي شخصية بنت السلطان الصغرى التي لا تعجب إجابتها والدها، الملك، فيزوجها من \”حسن\” الكسول و\”التمبل\”. والشخصية الثالثة هي الشخصية المانحة، صاحب الصندوق، و\”المارد\”.
ان علاقة هذه الشخصيات، مضافا لها أفعال شخصيات أخرى، يمنح الحكاية تشويقا عالي الدرجة في ما ينتظره المتلقي من أحداث بعد الاخبار عن حدث ما.
***
والزمان في الحكاية يجلب التشويق وذلك عندما تسير أحداث الحكاية في الزمن قدما، وسؤال المتلقي عن القادم من أحداث بتقدم الزمن. ومثال على ذلك حكاية \”الفتاة الذكية\” التي تتحدث عن صبية ترى لص يدخل دارهم في الليل، وكان رأسها في حضن أمها \”تفلّي\” شعر رأسها، عندها تسأل الصبية أمها أسئلة، ومن خلال أجابات الأم، وكلام الصبية الذي يشبه الصراخ، يتجمع رجال المنطقة فيمسكون باللص.
ان سؤال الفتاة أمها وصراخها بعد ذلك على أولادها الموهومين هو بحد ذاته تشويق للمتلقي لأنه ينتظر ما سيحصل من أحداث.
***
وللمكان دور مهم في تشويق القاري، أو المستمع، للحكاية. إذ ان غرابة المكان يحدث في نفسية المتلقي تشويقا من خلال تركه له وهو ينتظر ما يحدث فيه. وخير مثال على ذلك حكاية \”حديدان\” التي تروي أحداث ما تم للأصدقاء الثلاثة \”حديدان\”، و\”رويشان\” و\”رخيصان\”، وبناء بيوت \”أمكنة سكناهم\” تحمل شيئا مما تتصف به اسمائهم، ولم يبق أمام أولاد الغولة محافظا على نفسه سوى بيت \”حديدان\” الذي بني من الحديد.
وتعدد الأمكنة في الحكاية بين مكان يمنح الطمأنينة والأمن والاستقرار وبين مكان يفتقد لها، وبالعكس، هو في حد ذاته زيادة في تشويق للمتلقي.
***
اذن الحبكة، وما فيها من عناصر مكونة للحمة النص، تجذب المتلقي، أو تنفره، من أول مقطع يسمعه، أو يقرأه، من الحكاية، فهو أما أن يستمر في سماع الحكاية تلك، أو قراءتها، أو يمتنع من سماعها، أو قراءتها، والاستمرار في السماع، أو القراءة، هو شهادة على ان الحكاية كانت مشوقة.
***
– الآليات التي ترتبط بتطور الحدث المروي، أي الصراع:
الحدث هو العمود الفقري الذي تقف عليه القصص الشعبي وكل عناصره هي أطراف ذلك العمود، وكلما نما نمت معه تلك الأطراف، وفي الوقت نفسه كلما نمت أطرافه نما هو كذلك، انها عملية تكامل وترابط ، وسيرورة وصيرورة، وهذه العملية تنتج فعل التشويق عند المتلقي.
والحدث يضم كل مغامرات، ومعارك، ورحلات، وانتقالات في المكان والزمان، التي تقوم بها شخصيات الحكاية، وخاصة الشخصية المركزية، أو البطل.
فعندما يتقدم الحدث بتقدم الزمن، وكذلك بتغير المكان، تدخل في عالم الحكاية، أي في عملية السيرورة والصيرورة، عناصر جديدة تدفع إلى التشويق الذي ينتج سؤالا مفاده: وماذا بعد ذلك؟
ومنه يأتي التشويق الكلي لمجريات الحكاية، فلا تشويق بدون حدث يجري، والشخصيات داخل هذا الحدث تتحرك في الزمان والمكان. وكل الحكايات هي أمثلة لهذا التشويق الذي يجلبه الحدث. لأن في الحكاية يتولد الحدث الثاني من الحدث الأول، وهكذا سيرورتها، وصيرورتها، حتى تنتهي ويعود البطل سالما إلى دياره.
***
– استخدام الخيال، والخيال الجامح:
الخيال أصل الثقافة وجذرها، وقد بدأت منه، وله الدور الكبير في الحياة الانسانية، فضلا على ما عند الانسان من مخيال يقدم طروحاته التخيلية، فاننا نجد ذلك الخيال في الآداب والفنون وفي العالم أيضا، اذ انه يتحول إلى واقع حي ما قد تم التخيل به.
والخيال هذا يكون لحمة وسدى القصص الشعبي، اذ انه يحتوي تلك القصص، وفي الوقت نفسه تضمه تلك النتاجات إلى نفسها فتتنفس به ويتنفس بها.
وكل القصص الشعبي يعتمد الخيال المنطلق من المخيال الانساني الواسع، فلا قصة شعبية دون خيال يصل حد الجموح غير المسيطر عليه في بعض الأحيان.
وأهم أساس ينطلق منه هذا الخيال هو مفارقته للواقع ليتجاوز الممكن منه حتى يكون غير ممكن الحدوث، أي انه من المستحيلات التي قالها الشاعر صفي الدين الحلي:
لما رأيت بني الزمان وما بهم … خــــل وفي للشدائد اصطفي
فعلمت أن المستحيل ثلاثـــــة … الغول والعنقاء والخل الوفي
ومثال على ذلك حكاية \”شكر وخلف الراعي\” وطلبات الملك غير الواقعية ومن المستحيل تحقيقها.
ويصل المخيال الجمعي إلى حد أنسنة الحيوانات والجمادات وفي القصص الشعبي صور لتلك الأنسنة، فهي تتحدث، وتطير، وتحب، وتكره(1)
***
– اسلوب الراوي، الحكواتي:
لشد المستمع إلى الحكاية المروية، على الراوي أن يتحلى بمهارات كثيرة، أهمها:
* اختيار زمان الحكي كسهرات السمر الليلية خاصة.
* اتباع صيغ رواية القصص الشعبي الصحيحة إلى حد ما، خاصة من حيث الافتتاح والنهاية.
* استخدام لغة الجسد عند رواية القصص الشعبي.
* الغضب في محل الغضب، والفرح في محل الفرح، والخوف في محل الخوف، والصراخ في محل الصراخ، والهمس في محل الهمس، وهكذا.
* استخدام لهجة المتلقين عند رواية القصص الشعبي.
***
وفي النهاية نقول: صحيح ان التشويق ينتج التوتر النفسي، إلّا انه ينتهي بعد ذلك بالراحة نفسية، وذهاب للتوتر ، وادخال السرور إلى النفس، وراحة البال، والتفكير الصائب، وإعمال العقل عند المتلقي، فيحدث التفكير الأفضل في العلاقات الانسانية النبيلة.
وأخيرا يدرك متلقي الحكاية دلالاتها، ومعانيها الكلية، أي انه يفهم الرسالة المحمولة على الضلع الوسطي لمثلث ياكبسون التواصلي.
***
الهوامش:
1 – راجع كتابنا: \”كائنات تفكر – أنسنة الكائنات في القصص الشعبي العربي\” المخطوط.

العراق