المجلة الثقافية الجزائرية

التنوير المظلم والتنوير العنيف، صناعة الوعي الزائف.

بقلم محمد بصري*  

“من بين الحقوق التي كَثُر الخوض في شأنها هذه الأيام ثمة حقّ منسي قد يهم الجميع أن يعاد إليه الاعتبار ، إنه الحق في التناقض”

شارل بودلير ” اليوميات”

“لا يمكنك رؤية معاناة الآخرين مادمت أنت المتسبب فيها”

عميد الأدب الروسي تولستوي

“أكثر الناس لا يكافحون من أجل فهم الحقيقة بل يكافحون من أجل إثبات أن مايؤمنون به هو الحقيقة”

 ” باروخ بنديكتو إسبينوزا

قَلَبَ كارل ماركس نظريات الوعي بمعية صديقه ورفيق دربه فريديك انقلز في كتابه التاريخ والوعي الطبقي History and Class Consciousness (1923)، حين اعتقد أن الصدام الطبقي سيصل إلى درجة من التشظي والإنفجار ليحول دون تأسيس وعي تافه زائفFalse consciousness تتمكن الطبقات الأكثر ثراءً وفحشا في المجتمعات اللبيرالية الإمبريالية من سحق الفئات المتدنية. سلاح البروليتاريا الناهضة هو مزيد من الضغط المادي والمعنوي لتحييد الجهل المُؤسس الذي كبَّلَ الطوائف المقهورة وجعلها تبتلع ماضيها سلبا وتتوقف عن النضال نتاج تسفيه أفقها العقلي من خلال تبني نظريات الوعي الزائف.

هناك تَديُّن زائف وثقافة زائفة ونخب زائفة وعلوم زائفة وهي صنيعة الوعي الزائف المؤقت والغريب الذي يراهن على نسيان هذه الطبقات المستضعفة وضعها الهش وعدم قدرتها على التمييز بين العدالة و اللاعدالة بين المساواة والاستبداد والتفاوت بين الصواب والخطأ بما ندعوه نسفا للقيم والنزول بها الى النسبية والعطالة.

لما تم الاستخدام السيئ للدين في القرون الوسطى من قبل فلول الكنيسة الانجليكانية بواسطة جنازير التفتيش لسحق الروحانيات الفردية كما تقول هيلين إليربي التي ترى أن الوعي الزائف المظلم كان في أصله قرنوسطيا بدأ مع الكنيسة، تُؤكد هيلين أن البابوات الارثوذوكس والكاثوليك فرضوا على رعاياهم احتقار أجسادهم وتحقير ممارسة الجنس بين الأزواج وتحريم التعليم وحظر الفنون بأشكالها وتوجيه اللوم ضد الاستحمام مطاردة السحرة والمشعوذين والتحقيقات الوحشية ” [1]

تحفيز الوعي الزائف لا يحتاج سوى تجسيد الخوف وتأصيله في الذات البشرية وهي ما عكفت عليه مجاميع الكنسية التقليدية القويمة فالصراع بين الخير والشر يتم وفق تأجيج مشاعر الرهبة من الغضب الإلهي الذي تجسد في صورة كائن بشري يأمر ويوجه فيطاع مجانيا كونه مبعوث الإرادة الالهية والمطلوب هو الاستماع إليه وعدم معارضته .

بعد ثورة التنوير الذي صنعها ديكارت وهيغل والراهب المتمرد اسبينوزا وهيغل وكانط يتسلق الأحداث الفكرية براديغم جديد هو التنوير المظلم Neoreactionary Movement هو حركة ثقافية غربية جديدة ولدت من رحم التنوير التقليدي الذي يراعي شروط العقلانية المجردة ويرتكز علة مفهوم العدالة الليبرالية. هذا الأخير يقوده رجال أعمال منهم ستيف سيلر وهانز-هيرمان هوب و بيتر ثيل وغايتهم المزج بين نظريات السلطة والحكم التقليدي العتيق الذي ينتصب على الملكيات الثيوقراطية وأحيانا فكرة الالحاد العدمي المناقض للاهوت القرنوسطي بالإضافة إلى الدعوة الصريحة لهدم الديمقراطية وتفكيك أسسها وتعويم رمزيتها باستبدالها بأخلاق تقنية وتكنولوجية يحركها رأس مال متوحش وفاحش. التنوير المظلم هو حركة لاعقلانية لاإنسانية توظف كل أفكارها نحو استدعاء غريزي للإثنيات والعنصرية وسيادة العنصر الأبيض بل هي الوجه القبيح للمركزية الغربية التي انهارت على عتبات الحداثة السائلة.

كانــــــــــــــــــــــط عمانويل i.kant الذي تحقق من جاهزية العقل بعد حركة التأسيس له لتكون له وفرة هووية في الحداثة لم يستطيع إدارة فلسفية لمبادئ جديدة حسب يورغن هابرماس Jürgen Habermas .فالوريث الشرعي والمؤسس الحقيقي للأنوار هو هيغل حسب ما نشره فتحي المسكيني. انتصار هابرماس لصاحب الجدلية التاريخية هيغل يتم وفق تفكيك مفارقة ضبط الانسان وتحديد مفهوم الزمن والتاريخ والعصر كون الحداثة مشروع لم يكتمل بعد حسب هابرماس وعليه “إن الحداثة مشكل “عصر” وليس” مجرد “زمان” جديد [2]

الحداثة التي يريد ضخ الروح فيها هابرماس انتهت حين دق فيها آخر كاهن ظلامي ليبرالي إمبريالي مسمارا دقيقا في نعشها و إحالتها إلى ظلامية جديدة تتوق إلى عصور تدنيس الجسد لصالح القداسة البابوية .الحداثة تعدد المتربصون بها وأسقطت الانسان كجوهر من حساباتها واختياراتها الميتافيزيقية.

التفكير في الأزمنة الجديدة كان تراجيديا سارترية ووجودية بامتياز والذي تأسس على شرفها مجلة ونشريات سميت “الأزمنة الجديدة” على خلفية انهيار الغرب بعد حرب عالمية مدمرة بالضبط سنة 1945 حينها كان التفكير في الحداثة أزميا تفكيكيا صادما وانتهت الصحيفة لتُعلن فساد مزاج النخبة المثقفة الغربية التي لم تعد تستوعب الكينونة الانسانية وتاهت بنيويا في أزمات جديدة تؤرخ لجيل جديد من التواريخ هو ما بعد الحداثة وما بعد الديمقراطية. كانط kant من أيقونة و أقنوم حداثي إلى قسيس أخير مزعج للصرامة التاريخية. لم يعد النقد العقلاني بديلا لتشوهات أسفرت عن شظايا متطايرة لنقاد مزعجين للحداثة انبثقوا مع جاك ديريدا وانتهوا بهابرماس في لعبة ميتافيزيقية هي شحذ أسئلة الوعي العميق . لأن النهاية المؤلمة لأفق الإنسانوية ترَجّل من فوق صهوته لتعيث تيارات جديدة ونزعات مغلقة وتعيسة بالإرث الأنواري. بدأ عصر ظلامي جديد ليحسم الموقف أمام فلاسفة جدد لطالما حاولوا إعادة إحيائية جديدة للكانطية لكن ماذا بعد؟ إنه انغلاق نسقي للمركزية الغربية التي أساء كانط وهيغل علاجها منذ البداية.

تأثرت الثقافة الجديدة ما بعد الحداثية بعودة العنف الفكري والتطرف الديني والتصورات الراديكالية القرنوسطية تحت وشاح ممسوخ هو الحداثة التافهة التي استعادت بقوة مفاهيم الرق والعنصرية والاستبداد والإثنيات البغيضة في محاولات لاستعادة إيديولوجيا الشر حين يصبح أصحاب رؤوس المال والمتحكمين في الملكية الفردية المطلقة لوسائل الانتاج هم المنظرين والقابعين على رأس الحكم المتنفذين في السلط وهذا نموذج من هذه الفئة كريستين يالفين تاجر ورجل أعمال عمد إلى السطو على عالم التفكير ليُنظِر للشؤم الظلامي أو ما بات يدعى التنوير المظلم وهي شبه نخبة زائفة تفتقر لأبسط آليات الفكر الفلسفي القويم بل تستجمع شتات أفكار بائسة ورجعية من القرون الوسطى ومن التيارات الفوضوية .

التنوير Dark Enlightenment المظلم هو نزعة لا إنسانوية أغرقت ميتافيزيقا كانط في الوحل، هذا الأخير الذي كان يستنجد به العقل الغربي كلما اصطدم بمعضلات حضارية فصانع الأنوار و عراب العقل المركزي لم يعد مُلهِما للغرب فقد تم شيطنة العقل ووضعه أمام تحديات انفعالية صادمة وغير ناجزة تتبجح بها الأداتية الجديدة. هذا التوجه هو اعتراف عكسي بالجانب المظلم العفن من تاريخ الكنيسة الكلاسيكية التي جازفت سياسيا بمصائر البشر.

التنوير المظلم يرفض المساواة بين الأمم ويقسمها إلى رديئة متوحشة و”حثالة” “حماقة” “حيوانية “وأخرى نبيلة متحضرة وفق ثنائية وتناقض اصله استكبار كما يرى بتران بديع في كتابه زمن المذلولين.

التنوير المظلم Dark Enlightenment هو فشل منهجي ابستيمولويجي في قراءة الإنسان الغربي انتروبولوجيا لتكوينيه الطبيعي التاريخي والتقني وهي ذات الأخطاء التي وقع فيها صانع العقل المركزي الغربي عمانويل كانط حين أساء الفهم الانتروبولوجي للطبقات البشرية وأعاد تقسيمها إثنيا وثقافيا وسياسيا. مشروع يبدأ بقراءة ناقصة للمفاعيل العقلية البشرية سينتهي بتنوير عنفي ظلامي يعتقد بتعالي الجنس الأبيض والبرتقالي وكأنه تبشير باحتمالية اكتساح جديد واستعمار مبطن لفئة “المُهْق” للعالم .

دخول العقل الغربي المتماهي مع ذاتيته اليوم في متاهات الإنغلاق النسقي والمذهبي هو إخفاق ميتافيزيقي جديد، حين تراهن الثقافة الجديدة المابعد حداثية في صناعة أفقها السياسي والاجتماعي والاقتصادي على آراء عابرة لكورتيس يارفين يميني متطرف ينشر باسم مستعار هو مينسيوس مولدباغ Mencius Moldbugمعاداة الديمقراطية (Neoreaction) فهي تحتفي بالنازيين الجدد وتضع مصيرها العقلاني داخل صندوق أسود ترعاه اللانخبة الرجعية أو ما يدعى صناع المحتوى في عالم افتراضي مترامي الأطراف والسؤال هو ماذا سيفعل هؤلاء الصناع ذوي الميول الراديكالية السلبية والظلامية مكان الفلاسفة والنخبة الحقيقية ؟

أخيرا إما أن نضع مصير العالم أو العصر الحداثي بين أيدي عقول نظيفة فاعلة هي الفلاسفة والحكماء أو نبدد حلم الانسانية بإتباع سلوك أزمي وزائل في يد صناع اللامحتوى ونكون قد سرَّعْنا بنهاية مابعد الحداثة وأفول عصر الايجو ego والكوجيتو الظلامي التافه.

هوامــــــــــــــــــــــــــــــــش

1- هيلين إيـبري الجانب المظلم في التاريخ المسيحي ترجمة سهيل زكار نسخة ممتازة من إعداد سالم اليلمي ص 4 دار قتيبة.

2- فتحي المسكيني انزياحات الهوية الحداثية أو التأويلية الانسان الأخير كانط نيتشه هيدغر ص5 بحث محكم مؤمنون بلا حدود.

*محمد بصري كاتب جزائري.

.