جودت هوشيار
عندما يجري الحديث عن مفهوم “القوة الناعمة” بمعنى استخدام التأثير الفكري والثقافي والإعلامي لتحسين وتلميع صورة بلد ما، وتعزيز نفوذه في الخارج ، يقفز الى الذهن على الفور اسم المنظر السياسي الأميركي الشهير جوزيف ناي ، وكأن هذا المفهوم كان الهاماً أو وحياً هبط عليه في لحظة معينة ، أو ان التاريخ الإنساني لم يعرف استخدام القوة الروحية والمعنوية لاستمالة عقول وقلوب وعواطف الناس، قبل أن يعلن (ناي) عن نظريته، وهذا وهم، ان لم يكن ضلالاً أو تزويراًّ لتاريخ الفكر السياسي .
صحيح أن (ناي) هو أول من بلور وصاغ هذا المفهوم في أوائل التسعينات من القرن الماضي في صورة نظرية مقنعة، محكمة البناء، ولكن القوة الناعمة الروحية والمعنوية التي تجسدت في الأديان والثقافة والقيم الإنسانية، ثم في الأيديولوجيات، على مدى التأريخ البشري، كانت تحمل أسماء أخرى في أقوال وكتابات الفلاسفة والسياسيين القدماء مثل (التأثير، والإقناع، والقدوة، والنموذج، والهيمنة الثقافية)
القوة الناعمة في التاريخ
كان الفلاسفة الصينيون، أول من نادوا باستخدام القوة الناعمة لتعزيز السلطة السياسية ومنهم (لاو تسزي – القرن السابع ق.م.) الذي قال: “لا يوجد في الكون مادة أنعم وأضعف من الماء ولكنه قادر على تفتيت أكثر المواد صلابة .” كما أن جاذبية الجمال الأنثوي، هي أوضح مثال على “القوة الناعمة”، وقد لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الإنساني.
تعاليم (كونفوشيوس) وأتباعه، التي تتمحور في مجملها حول الأخلاق والآداب، والعلاقات الاجتماعية وطريقة إدارة دفة الحكم بالحكمة والفضيلة. أثرت في منهج حياة الصينيين، وحددت لهم أنماط الحياة وسُلم القِيم الاجتماعية، كما وفرت المبادئ الأساسية التي قامت عليها النظريات والمؤسسات السياسية في الصين. ثم انتشرت هذه التعاليم انطلاقاً من الصين في كوريا، واليابان وفيتنام، وأصبحت ركيزة ثابتة في ثقافة شعوب شرق آسيا.
الديانة البوذية نشأت في شمالي الهند في القرن السادس قبل الميلاد وانتشرت تدريجياً بين عدد كبير من الشعوب الآسيوية بفضل مبادئها الأخلاقية التي تدعو إلى المحبة والتسامح والتعامل بالحسنى والتصدق على الفقراء وترك الغنى والترف وحمل النفس على التقشف. والجاذبية التي تمتلكها هذه المبادئ السامية، هي التي أدت الى انتشارها السلمي الواسع …
الأنظمة السياسية والثقافة السائدة اليوم في فيتنام وكوريا واليابان ودول أخرى، تشكلت وتبلورت من خلال تعاليم الفلسفة الكونفوشية والديانة البوذية . كما يعد الانتشار السريع للأديان السماوية – وخاصة المسيحية، والإسلام – خارج البلدان التي ظهرت فيها ، تجسيداً للقوة الناعمة.
التفاعل الخصب بين الحضارات المختلفة في الماضي شكل من أشكال القوة الناعمة. فعلى سبيل المثال لا الحصر تناولت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة في كتابها الذائع ” شمس العرب تسطع على الغرب ” تأثير الحضارة الإسلامية في الحضارة الغربية فى مجالات العلوم المختلفة. وهذا التأثير تجسيد للقوة الناعمة لتلك الحضارة. وقد انعكست الآية في العصر الحديث
فالحضارة الغربية أخذت تنتشر في العالم الإسلامي وبضمنها المنطقة العربية منذ بواكير ما يسمى “صحوة الشرق ” ، بفعل جاذبيتها الهائلة . وهذا التأثير تعزز بمضي الزمن وقبل ظهور نظرية ” القوة الناعمة ” بزمن طويل .
القوة الناعمة في القرن العشرين :
في ثلاثينات القرن الماضي صاغ الفيلسوف والمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي ( 1891 – 1937م ) نظرية ( الهيمنة الثقافية ) في مؤلفه الفلسفي المهم ( دفاتر السجن ) – الذي تأثر به أجيال من الغربية وخاصة المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا – حيث أكد ان هيمنة الرأسمالية لا تستند الى القوة والمال والسلطة فحسب، بل على عامل القبول الذي تكونه ثقافة الطبقة الحاكمة في أذهان الناس، وأن هنالك صراعاً ثقافيا بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي تتطلب استنهاض قنوات مختلفة، كوسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية والفكرية، بهدف إنتاج ثقافة بديلة مواجهة لثقافة الهيمنة النابعة من قيم وفلسفة الرأسمالية.
وحتى في الولايات المتحدة الأميركية نفسها، لم يكن جوزيف ناي، أول من نادى باستخدام جاذبية القوة الناعمة بدلاً من التهديد العسكري أو شن الحروب ، بل سبقه مفكرون ودبلوماسيون أميركيون ومنهم الدبلوماسي المحافظ ثقافياً، جورج كينان، الذي تحول لاحقا إلى مؤرخ، حيث كتب يقول: ” يمكن للأميركيين أن يكون لديهم ما يقولونه للناس في أي مكان آخر، وربما يصيرون أيضا مصدر إلهام للآخرين.”
ويمكن اعتبار السبناتور الأميركي الشهير جيمس وليام فولبرايت ( 1905 – 1991 م) – الذي كان رئيسا للجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الامريكي لمدة ثلاثين عاما ( 1945- 1975 ) ومؤسس برنامج فولبرايت للمنح التعليمية والتبادل الطلابي عام 1946 ، الذي يحمل اسمه – هو الأب الشرعي لما يسمى اليوم بـ” القوة الناعمة ” . فقد دعا بألحاح منذ أربعينات القرن الماضي ، سواء في خطبه داخل الكونجرس أو في الكتب التي ألفها أو في مقالاته ولقاءاته الصحفية ، دعا الى ان تكون الولايات المتحدة قدوة للعالم ليس بأستخدام القوة العسكرية ، بل في مجالات القيم السياسية والأنسانية والعلوم والثقافة وحقوق الأنسان . ومما قاله في هذا الصدد :
” تحدث أشياء كثيرة بأماكن كثيرة، وهي إما أنها لا تخصنا أو تعنينا أو هي على أي حال خارج نطاق قوتنا أو مواردنا أو حكمتنا». لقد مضى وقت طويل جدًا بالنسبة للولايات المتحدة لتكرّس نفسها فقط لفعل الخير في العالم، سواء بالجهود المباشرة أو بقوة القدوة والمثال الذي تقدمه. وأن تتخلى عن فكرة التبشير الحافلة بمزاعم كونها شرطيَّ العالم “.
أما كريستوفر لاش، الذي قضى عشرات السنين في تشريح الثقافة الأميركية فقد كتب يقول « ان الوعد الحقيقي الذي تقدمه الحياة الأميركية نجده في الأمل في أن تكون الجمهورية التي تمثل مصدرا لإلهام بقية العالم أخلاقيًا وسياسيًا، وليست مركزا لإمبراطورية العالم الجديدة، وعن دور الثقافة يقول ( كريستوف موشر)، المتحدث الإعلامي ورئيس قسم الاتصال بمعهد غوته: “تلعب الثقافة دوراً كبيرا، إذ تعتبر رسمياً منذ سبعينات القرن المنصرم، إلى جانب السياسة والاقتصاد، الركن الثالث في السياسة الخارجية الألمانية”. ويضيف موشر بأن ألمانيا “تعتمد على شبكة العلاقات الناتجة عن معهد غوتة ومؤسسة دويتشة فيله وغيرها من الفاعليين في هذا الحقل.”
وعن جاذبية ألمانيا بالنسبة الى الشعوب الأخرى ، يقول موشر : “
“الشخصية الألمانية منضبطة بالنظام والقانون ومُحبة للعمل لدرجة العبادة. ألمانيا خلية نحل لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً. شعب تضبط الساعة عقاربها على مواعيده، وحكومة تملك إحصائية لكل شاردة وواردة. بالإضافة لما سبق، تعتبر قيم الحكم الرشيد والحرية والعدالة مصانة دستورياً ومطبقة ومعايشة في الحياة اليومية. بعكس النظام الرأسمالي “المتوحش”، يقوم “اقتصاد السوق الاجتماعي” على تكافؤ الفرص، والتكافل الاجتماعي، والضمان الاجتماعي والصحي للموطنين جميعا. الدولة هي الأب الحنون للجميع؛ تكافئ المجد وفي الوقت عينه لا تترك طبقتها السفلى المعدمة تنام على أرصفة الشوارع. حقوق النبات والحيوان مصانة، وحقوق الإنسان مقدسة. خارجياً، تعمل الدولة على تعزيز ثقافة السلام ودعم عملياته، لاعبةً أحيانا دور الوسيط في حل النزاعات، فضلاً عن الدفع باتجاه الحوار بين الحضارات وخصوصا بين الغرب والعالم الإسلامي”.
القوة الناعمة في السياسة الخارجية :
” القوة الناعمة ” بوصفها ظاهرة برزت كأداة للسياسة الخارجية منذ زمن طويل وقبل ان يتمكن العلماء من تعريف مفهومها وتحديد مصادرها وآلياتها وقنوات تأثيرها .
ويرتبط ظهور هذه الأداة مع أنتشار وسائل الأعلام وتأثيرها في الوعي الجمعي، وهذه الوسائل معروفة حسب التسلسل التاريخي لظهورها وهي : الصحف ، والإذاعة ، والتلفزيون ، و أخيراً الأنترنيت ) .ويلاحظ أن توسع نطاق استخدام “القوة الناعمة”، كأداة في السياسة الخارجية تزامن مع فترة الحرب الباردة وخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، مع تفاقم المواجهة الإيديولوجية، بين المعسكرين الغربي والشرقي ، ، رغم أن النهج المتبع من قبل كل معسكر في هذه المواجهة الأيديولوجية كان مختلفا بعض الشيء..
كان الاتحاد السوفيتي يعمل على نشر الأيديولوجية السوفياتية، التي تتركز على ازدهار الدولة. اما الولايات المتحدة الأميركية فقد كانت تعمل في مجال الترويج للحلم الأميركي ورفاهية الأنسان . ومع انتشار تقنيات القوة الناعمة ، بدأت القوة الصلبة ، العسكرية والاقتصادية تفقد تدريجياً مكانتها الأحتكارية السابقة كأداة رئيسية في السياسة الخارجية .
الاختلاف الجوهري بين القوة الصلبة والقوة الناعمة هو كالفرق بين الاحتلال العسكري المباشر لبلد ما وبين الهيمنة على عقول وميول النخب الحاكمة فيه بوسائل الاستمالة والترغيب.
تجارب التأريخ القريب تؤكد ان استخدام ” القوة الصلبة ” كالتدخل العسكري والعقوبات الاقتصادية لم يعد مقبولاً لدى قطاع كبير من الرأي العام العالمي. .
الاتحاد السوفيتي أحتل هنغاريا عام 1956، و جبكوسلوفاكيا عام 1968 ، ولم يجن من وراء ذلك سوى زرع الكراهية له ولأيديولوجيته في العالم عموماً وفي الدول الغربية خصوصاً، كما أن الاحتلال السوفيتي لأفغانستان عام 1979 أدى الى التضحية بحياة الآلاف من ضباط وجنود الجيش السوفيتي وخسارة فادحة في الأسلحة والمعدات والأموال وإدانة المجتمع الدولي لتدخله العسكري، وفي نهاية المطاف اضطر الكرملين الى سحب قواته عام 1989 بعد الفشل الذريع الذي مني به في تحقيق أي هدف من أهداف هذا التدخل .
ويمكن القول الشيء ذاته عن التورط الأميركي في حرب فيتنام ( 1956 – 1973م ). حيث لاقت هذه الحرب معارضة قوية من الرأي العام الأميركي والعالمي، واضطرت الإدارة الأميركية في نهاية المطاف الى وضع حد لهذه الحرب المأساوية وعدم التورط مستقبلاً في النزاعات العسكرية، الا عند الضرورة القصوى وعلى نطاق ضيق ، بداعي محاربة الإرهاب حصراً في عدد من بلدان الشرق الأوسط وافريقيا ،مع تجنب الاصطدام العسكري المباشر مع الدول النووية المنافسة لها على الساحة العالمية مثل روسيا والصين.
يتضح مما تقدم أن مفاهيم ” القوة الناعمة ” متجذرة في ثقافات العالم في الماضي والحاضر، وان النخب العلمية والفكرية والثقافية في أرجاء العالم دعت – منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في الأقل وما تزال تدعو حتى يومنا هذا – الى التعايش السلمي والتفاعل الخصب بين الثقافات المختلفة والى ضرورة التخلي عن لغة القوة وتغليب ما يعرف اليوم ب” القوة الناعمة ” على ” القوة الصلبة ” في العلاقات الدولية.





