معمر طاهر الشريف
من العادات التي تأصلت في نفسي و تجذّرت ، ولم تغادرني حتى زمن هذا العصر الرقمي المتلاطم ، وأبت نفسي التسليم فيها بسهولة ، أنّني كلما تواجدت في مدينة توفّر شوارعُها ، أو مكتباتُها النسخ الورقية للجرائد اليومية والأسبوعية شدّني الحنينُ إلى خشخشة أوراقها ، وصوت موسيقاها الآسر ،الذي ألفتْهُ أذناي لسنين طويلة خلت ، فلا أنتبه إلاّ و نفسي تبحث عن مكان بائع الجرائد ، وعيناي تتجه إلى الجهة التي يعرض فيها سلعته المتواضعة وتنازعني نفسي الميل إلى جهتها حتى ولو كنتُ بعيدا عنها أو أسيرُ في الاتجاه المعاكس ، و أتماهى في قول ” المجنون قيس” ، وأستعيره للتعبير عمّا أعيشه في هذه اللحظة التي استبد بي الحنين فيها إلى حياة الورق وثقافة الورق ، وزمن الورق وأستحضرُ من أبيات مؤنسته :
إذا سِرْتُ في الأرض الفضاء رأيتُني
أُصَانِعُ رحلي أن يميل حياليـــــــــــــــــــــــــــــــــــا
يمينا إذا كانت يمينا وإن تكن
شِمالا يُنازِعُني الهوى عن شِماليا
وإن لم يلحْ لي طيفُ بائع الجرائد ، أو لم تلتقط عيني حركات أوراق نسخه تلهو بها نسائم الصباح ، أدور بسيارتي العتيقة حول المكان وأدور ، وأدقق النظر وأستقصي ، و أمعن التدنيق ( 1 )، وعندما أتأكدُ من أنّ المكان خالٍ أضطرُّ إلى الركون إلى مكان قريب أنتظر مجيء صاحبي ” بائع الجرائد ” وقد تطول مدة الانتظار وقد تقصر ، ولكنّ المهم عندي أن يأتي ، و أفوز بالذي انتظرت من أجل تحصيله …..
يستقبلني صاحب الجرائد بابتسامته المعهودة قائلا : أهلا أستاذ ، قبل أن ألقي عليه تحية الصباح ، وأمد يدي إلى جرائدي المفضلة لأسرها بين أصابع يدي ، إن كان الجو هادئا ، أما إذا كانت نسائم الصباح تجوب المكان وتداعب الأشياء الخفيفة وتلهو بوضعياتها ، أنتظر يد البائع لتمتد وترفع بعض الحجارة الصغيرة الموضوعة فوق رزمة الجرائد المعدودة ، ليمكّنني من أخذ حصتي منها ….أنقدُه ثمن ما اقتنيت وأمشي ، واضعا جرائدي في يدي تارة ، وتحت إبطي تارة أخرى ، وكم أتلذذ عندما تتعاون يداي على طيها بالطريقة نفسها التي كنت أطوي مثيلاتها منذ خمسين سنة ….
و أثناء عودتي إلى مكان ركن سيارتي ، أصادف في طريقي الكثير من الجالسين في أرصفة المقاهي ، وأبواب المحال التجارية ، والباعة المتجولين ، و المارّة ، منهم من يمسك بفنجان قهوته ، أو كأس شَايهِ ، و الكثير منهم يمسّكون بهواتفهم المحمولة ، و أصابعهم لا تكفّ عن تمرير وضعيات شاشاتها هابطة صاعدة ، ويرمقون المارة بين الحين والآخر ، ليتحسسوا الزمن الهارب ، محاولة منهم للقبض على حيثيات لحظة ما ، حتى ولو كانت تافهة ….
وعندما تلتقي عيناي بأعين هؤلاء القابعين في هذه الوضعيات الجامدة ، اكتشف أنهم يركزون نظراتهم على ما في يدي أو تحت إبطي ، وكأني بهم يحاورون داوخلهم التي رسمت لهم صورة هذا الشخص الغريب العتيق القادم من زمن الأبيض والأسود ، و الذي لا زال يسبح في وهم الماضي ، و لازال له اهتمام بهذه الأوراق التي لا تسمنُ ولا تغني من جوع في عصر التكنولوجيا الرقمية ، و الأقمار الصناعية ، ووسائل الاتصال و التواصل العصرية التي تزود صاحبها بآلاف المعلومات في ظرف ثوانٍ معدودات …
وكـأني بهذه الحوار الداخلي لبعض الأشخاص الذين أمرُّ من أمامهم يطغى ، و يتعاظم وينفلت من عقال أعماقه ، ويفرض نفسه على من يتقاسمون هذه المجالس ، ويصير حوارا جماعيا مسموعا :
يقول الأول :
أرأيت هذا المخلوق الغريب هناك ؟ ويقهقه ….إنه من بعض مخلفات عصر الأبيض و الأسود ، إنه لا زال يستعمل هذه الأوراق البالية المعتمة ، و يصدّق أخبارها ” الصابحة ” ( 2 ) و ما تنشره من معلومات قد تتجدد و تتضاعف لحظة طَبْعِهَا ، وتصبح مهملة لا قيمة لها و لا أثر …..فما بالك بالوقت الذي تقضيه هذه الجرائد لتصل إلى أيدي قارئيها …..
الثاني :
لعل المسكين لا يفقه شيئا في أمور التكنولوجيا الحديثة ، و أتحداكم إن لم نجد عنده ” هاتف حطبة ” إن حاولنا التدقيق في حاله ، يحسن استعماله فقط لاستقبال وإرسال المكالمات ، و لو كان يملك غيره من الهواتف الذكية الحديثة ، ويجيد استعماله لما احتاج إلى هذه الأوراق البالية التي يختنق أثرها ويموت حتى قبل ميلادها ….وقد يستطيع الاطلاع على كل جرائد العالم بضغطة زر واحدة ….فلماذا ينفق دنانيره على شيء محدود الفائدة والأثر كهذا …..
ولا أخفيكم سرا إن قلت لكم : فعلا لقد صدق تخمين الرجل ، أنا لا أملك الآن في جيب سترتي إلا ” هاتفا حطبة ” ( 3 ) أشحنه في الشهر ثلاث أو أربع مرات فقط ، ويكفيني رصيد الألف دينار فيه لمدة شهر أو أكثر ، لأنّني أستعمله لضروريات الأمور لا غير ، وكم من رصيد إضافي مُهْدَى من شركات الاتصال قد يصل حدود 800 دينار ، تحين مدة نهاية عرضه ، و يسحب مني دون أن أستعمله ….
الأول :
لماذا يقاوم هذا الجنس من الناس الحضارة والتقدم والحداثة ، و يميلون إلى التشبث بالقديم وعشقه وتقديسه رغم بدائيته ….
الثاني :
ربما يعود ذلك إلى أن واقعنا المعاصر لم يتخلص نهائيا من آثار الماضي البطيء الرتيب ، الذي فرض على من عاشوه اللهث والمشقة ، وبذل الجهد المضاعف لنيل أبسط الأشياء ، و أحقرها ، أو يعود إلى جهل الكثيرين ممن يعيشون معنا بتكنولوجيا الحضارة الحديثة ، و عدم تمكنهم من تقنياتها البسيطة رغم سهولتها ، أو عدم امتلاك المال المناسب لاقتناء وسائل الاتصال و التواصل المعاصرة ….
وبدأت أصوات منشطي هذا الحوار الثنائي تخفت في داخلي ، لأن خاطري يكون قد استنفذ ما توحي به نظرة الذين مررت بهم أمام المقهى ، و استطاع أن يُلِمَّ بما كانوا يفكرون فيه وهم يلاحظون الجرائد في يدي ….
مررت بكهل يسند ظهره إلى أحد جدران البنايات القديمة التي تعود إلى عهد الاستعمار الفرنسي ، حدق في وجهي بملء عينيه التائهتين ، ثم أرخاهما إلى حيث تستقر الجرائد في يمناي ، وكأني به يتعجب :
ألازالت هناك جرائد ورقية في البلد ؟
ألم تُبِد التكنولوجيا الحديثة على ما تبقى منها ؟
وهل لازال لهذه الوسائل العتيقة من قراء و عشاق ؟
ألم تُستبدل بالمحطات الفضائية التي تورد الأخبار الساخنة لحظة بلحظة ، و من كل شبر في دنيا الناس و واقع الحضارات وانتصارات و انكسارات مختلف الأجناس و الأمم ؟….
و ما الفائدة من قراءتها الآن ، وهل يرتجى نفع من تتبع الأخبار أصلا ؟
الأمم الحية تصنع الأحداث ونحن نتتبع أخبارها ، الأمم القوية تدك معاقل الضعفاء وتبيدهم ونحن ننمي شحناتنا السلبية المدمرة في أعماق نفوسنا ونندد بالتأفف و ضرب الأخماس بالأسداس ، تتحجر دموع حرننا وأسفنا و شفقتنا في مآقينا ونحن نشهد صرخة أصحاب الأرض وهم يحملون ما يستطيعون حمله في رحلة الإبعاد والتشريد و المغادرة ، وعندما تعجز ضمائرنا عن تتبع مشاهد هذا الرعب الذي تتصارع فيه الأجساد و الأفكار ، وتتقاطر أحداثه دما وجراحا وقتلا وفتكا ، تتجه أيدينا إلى أجهزة التحكم دون تفكير وبحركة آلية لنغير المشهد البشع لنهرب إلى الأمام وننسى ، و نذهب رأسا إلى المشاهد التي تتصارع فيها الأرجل على الجلد المنفوخ ، وتتبدد فيها الأموال كتبَدُّدِ دقيق الهباء في يوم عاصف ….
و كـأنني به يختم انطباعه الذي جرّه إليه منظر الجريدة في يدي برضاه عن نفسه قائلا :
ها أنا ذا بين الجموع حرا طليقا ، لا تستفزني أخبار ، و لا تقلقني مشاهد ، أمنع الشحنات السلبية المدمرة من التغلغل إلى قارورات نفسي المترهلة بتتبع حيثيات واقعي الكئيب ، وأراقب ما وقعت عليه عيناي للتسلية والترفيه عن النفس فقط ، و ليس من باب تتبع العورات وكشفها ……
عدت إلى مركبتي ، ونفسي مثقلة بهذه النظرات الشزرة التي مزقت حجب دفاعاتي الخارجية ، وتسللت إلى أعماقي ،و استوطنت هناك ، ومن يدري لعلها مثيرات مجانية حركت مكامن نفسي وأدغالها لإدراك الواقع الذي أعيش فيه الآن ، لأنخرط فيه مستسلما ، أو أرفضه هاربا إلى الأمام أو إلى الوراء ، ولعله يستفزني وأتشجع لأرسم ملمحا دقيقا عنه يفيدني لأقبل منه الذي يفيد ، و أتحاشى هناته ، و أخطاءه وخطاياه ….
عندما استقر بي المقام في كرسي سيارتي العتيقة ، وبحركة آلية امتدت يدي إلى الدرج المقابل ، و تناولت نظارتي ، وبدأت أتصفح العناوين الرئيسية في الصفحة الأولى الملونة ، وأختار العناوين المهمة التي يمكن متابعة تفاصيلها في الصفحات الداخلية ذات اللونين الأبيض و الأسود ، وفعلا وجدت جُلَّ ما فيها من أخبار ووقائع ” صابح ” تناولته القنوات الفضائية ووسائط التواصل الاجتماعي حين حدوثه ، الجديد في هذه الجرائد الورقية هو الصفحات الثقافية ، و الفكرية والأدبية فقد لا يكون السبق فيه لوسائط التواصل الاجتماعي و القنوات الفضائية ، بل قلما نجدها هناك …..وقد أقنعت نفسي مرارا عندما أقودها إلى هذه المحطات العتيقة في بعض شوارع المدن وأزقتها للبحث عن باعة الصحف ، أنني أبحث عن لذة هذا المنتوج الورقي ، و أحِنُّ إلى ذكراه ، من باب الوفاء والاعتراف بالجميل ، لا من باب الاستزادة من الفائدة ….
عندما تعبتْ عيناي من قراءة المواضيع التي اخترت تتبع تفاصيلها ، حاولت الاسترخاء ، وتركت سطور الجريدة وحدقت في الأفق القريب من خلال زجاج السيارة الأمامي ، تركتُ عينيّ تحدق في صورة أفقها القريب و جذبتني مخيلتي تريد الغوص في دهاليز الماضي المعتم وتحاول إزالة بعض غباره و أتربته ، وما تغشّاه من زبد الأيام والليالي و توقد لي شمعة خافتة في ظلامها الحالك ، لتضيء بعضا من أجزاء الطريق في صفحة ذاكرتي المعتمة ، لتتبع الأثر الذي عشناه وتلذذنا بحلوه ، واستفدنا كثيرا من مرارة حنظله ، و لسع أشواك قتاده ( 4 )……
تذكرت جيل العمالقة الذين تتلمذنا على كتبهم الثقافية والفكرية والأدبية و العلمية ، وكانت هذه الكتب في مجملها هي نتاج ما نشر في الصحافة الورقية لتلك الأيام ….
تذكرت عباس محمود العقاد وطه حسين و أحمد حسن الزيات ومصطفى صادق الرافعي ، ومصطفى محمود ، و العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ….
تذكرت كتاب “ساعات بين الكتب ” وكتاب ” الفصول ” لعباس محمود العقاد .
وكتاب ” خصام ونقد ” و كتاب ” حديث الأربعاء ” وكتاب ” فصول في النقد والأدب ” وكتاب من لغو الصيف ” لطه حسين .
وكتاب ” من وحي الرسالة ” لأحمد حسن الزيات .
وكتاب ” وحي القلم ” لمصطفى صادق الرافعي .
وكتاب ” عيون البصائر ” لمحمد البشير الإبراهيمي .
و تذكرت الكثير من كتب مصطفى محمود التي أسرتني أفكارها ، و أسلوبها ، وقوة تحليلها ، وهدوء مناقشاتها معا ، مثلها مثل برنامجه التلفزيوني ” العلم والإيمان ” الذي يبهرك بالبساطة والهدوء ، و العمق ، وقوة العرض ، و فوائد العلوم العصرية الجديدة ، و براعة الاستنتاج معا ….
اقرؤوا معي بعض ما ورد في كتابه السؤال الحائر :
” سألت نفسي عن أسعد لحظة عشتها ؟؟؟
ومر بخاطري شريطٌ طويلٌ من المشاهد …لحظة رأيت أول قصة تُنشر لي ، ولحظة تخرجي من كلية الطب ، ولحظة حصلت على جائزة الدولة في الأدب ….ونشوة سفري الأول …والخروج إلى العالم الكبير متجولا في ربوع غابات إفريقيا العذراء ، وطائرا إلى ألمانيا وإيطاليا و النمسا وسويسرا وانجلترا وفرنسا وأمريكا …و لحظة قبضت ألف جنيه ….استعرضت كل هذه المشاهد وقلت في سري …لا ….ليست هذه …
بل هي لحظة أخرى ذات مساء منذ عشرين عاما اختلط فيها الفرح بالدمع والشكر والبهجة والحبور حينما سجدتُ لله ، فشعرت أن كل شيء في بدني يسجد …قلبي يسجد …عظامي تسجد ….أحشائي تسجد ….عقلي يسجد ضميري يسجد …روحي تسجد …
لحظَتَها أحسستُ وأنا أسجدُ أنِّي أعودُ إلى وطني الحقيقي الذي جئتُ منه وأدركتُ هويتي وانتسابي وعرفتُ من أنا …
نعم …لحظَتَها فقط تحررتُ ….حينما بلغتُ غاية العبودية لله وفكَكْتُ عن يدي القيود التي تقيِّدُني بالدنيا وآلهتها المزيفة …المال و المجد والشهرة و الجاه والسلطة واللذة و الغلبة والقوة …وشعرتُ أنّي لم أعُد محتاجا لأحد ولا لشيء ، لأنّي أصبحت في كنف ملك الملوك الذي يملك كل شيء …” السؤال الحائر ص 4 , 5
تذكرت ما قرأناه في سبعينيات و ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين عن المعارك الفكرية و الأدبية و السياسية التي كان مسرحها الواسع كبريات الصحف و المجلات الورقية ذائعة الصيت في الوطن العربي ….
و منذ أن عرف العرب فن الصِحافة أواسط القرن التاسع عشر ، تمكّنوا من إنشاء الصحف وتطويرها حتى أصبح دورها لا يقل أهمية عن دور مثيلاتها في الغرب الأوروبي الأمريكي ، و أصبحت المواضيع التي تناقَشُ فيها تستجيب لتطلعات المواطن العربي في كل الأقطار العربية حتى التي ترزح منها تحت وطأة الاستعمار الهمجي الأوربي الحديث ….
وقد أدرك زعماء الإصلاح في الجزائر الدور المهم و الريادي الذي تضطلع به الصحافة في الاستجابة لتطلعات الأمّة ، ووصف أدوائها شبه المستعصية ومناقشتها و التعريف بها والتحذير من خطورتها فراحوا يصدرون الجريدة تلو الأخرى ، وكلما ضيَّق الاستدمار الفرنسي الخناق على صحيفة ما ، إلا استبدلت في وقت وجيز بعنوان آخر ، و كانت توزع حتى في الأقطار المجاورة ….ورائدة هذه الصحف الإصلاحية جريدة ” البصائر ” لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، وهي من الجرائد القليلة التي تَوَاصَلَ إصدارُها حتى بعد وفاة رائد الإصلاح في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس ، حيث كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يُدَبِّجُ افتتاحيات أعدادها ، وقد جُمعت كلُّ هذه الافتتاحيات في كتابه الضخم و العظيم ” عيون البصائر ”
و أدرك زعماء الإصلاح ورواد النهضة في الوطن العربي و الإسلامي دور الصحافة فأولوها الأهمية المطلوبة والمكانة التي تستحق ، فأتتْ ثمارُها يانعة ، وباكورة هذه الثّمار الحلوة تتمثل في نشر الوعي الحقيقي بين الناس ، و تبصيرهم بحقيقة أمتهم وشعوبهم ، و قدسية الحرية في حياة الإنسان ، و حقّ أوطانهم عليهم ، وواجبهم نحو هذه الأوطان ….
فكان لهذه الجريدة التي أحملها الآن في يدي ، وينظر إليها هذا الجيل نظرة احتقار وازدراء دور المنقذ الحقيقي ثقافيا ودينيا واجتماعيا وحضاريا ، و هي التي أَسستْ اللّبنة الأولى في صرح المقاومة الجبارة التي انتهت باستقلال جميع الأوطان العربية و الإسلامية من رِبْقة المحتل الغاصب ….
ما أعظم تاريخ هذا الورق الأبيض الذي وُشِّح بسواد المداد ، فبيّض واقعنا الذي نعيشه الآن والذي لا ندرك أهميته و لا حجم التضحيات التي قُدِّمت من أجله ، بفضل ما كابده أجدادُنا ومفكرونا وأئمتنا وعلماؤنا ، وسائر من قدّر قيمة العلم والمعرفة ووسائل نشرهما …..وصبروا على واقع أيّامه المرّة ….
عدت إلى واقعي الرقمي البارد ، و أنا أدرك إدراك اليقين أن كل من يسترق إليّ النظر من خلال زجاج السيارة ، وصُحُفِي المفضلةُ بين يدي وفي حِجري سيقول و العجب يملأ مداركه : من أي كوكب أتى هذا المخلوق ؟؟ !!!
و استولى على وعي وإدراكي قول أبي ماضي في رباعية من رباعيات قصيدته المطولة ” الطلاسم ” وبدأت ارددها على مسمعي :
وطريقي ما طريقي ؟ أطويل أم قصيرْ ؟
هل أنا أصعدُ أم أهبطُ فيه وأغورْ؟
أأنا السائرُ في الدرب أم الدربُ يسيرْ ؟
أم كلانا واقفٌ و الدهرُ يجري ؟ لست أدري !!!
08 / 04 / 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) التدنيق: التدنيق في لسان العرب يعني إدامة النظر إلى الشيء وإمعانه، وهو كناية عن الاستقصاء والمبالغة في النظر…ومنها كلمة ” إيدنّق ” في اللهجة السطائفية الجزائرية وهي كلمة عربية فصحى .
( 2 ) كلمة ” صابح ” : تطلق على بقايا طعام الليلة الماضية .
( 3 ) الهاتف الحطبة في الدلالة الاجتماعية هو الذي يصلح فقط للإرسال و الاستقبال . ولا يتوفر على خيارات كثيرة .
( 4 ) القَتَاد : المعروف في اللهجة الجزائرية بـــــ: ” لكداد ” يشتهر بمقاومته للجفاف وشوكه الطويل الحاد .


