خديجة مسروق*
تعد الرواية بوصفها إبداعا فنيا متطورا، وسيلة لإدراك الواقع وتمثله، ترصد تغيراته وتكشف عن ثغراته.
رواية “الجولة الأولى من مؤتمر الرياح” للروائي محمود عبد الغني ‘دار الآن ناشرون وموزعون 2023’ تتعرض لإشكالية العلاقة بين الشرق والغرب. تنطلق من الواقع لرصد التحولات الاجتماعية والثقافية التي تطرأ على المجتمع العربي في العصر الحديث.
بالنسبة للعنوان، يحمل دلالة رمزية تفتح شهية القارئ للولوج إلى متن الرواية، للاطلاع على أحداثها ومعرفة موضوعها. العنوان استعاره الروائي من قصيدة لشاعر يدعى جاكيم كاردوزو تحمل عنوان مؤتمر الرياح، التي كان قد ضمنها جورج أمادو في روايته عودة البحّار. والرياح هي دلالة على التغيير. يقول عبد الغني، الرياح حين تأتي تأخذ معها كل شيء.
قارئ الرواية يجد نفسه أمام موسوعة علمية ومعرفية، تميزت بالتضمينات الكثيرة لأقوال و أسماء لكتاب وروائيين وفلاسفة عالميين. تعكس ثقافة الروائي الواسعة .
الجولة الأولى من مؤتمر الرياح رواية حدث بامتياز. ركز فيها عبد الغني على الحدث الروائي. الذي يتمثل في حادثة مقتل الشاب حسن، صياد السمك الإنسان البسيط، الذي يكابد شقاء الحياة من أجل دراهم معدودة. اتخذ من مدينة الحسيْمة المغربية فضاء تجري فيه الأحداث. الحسيْمة تمثل بؤرة للفساد الأخلاقي والسياسي والإداري والاجتماعي.
تصور الرواية التغيرات التي حدثت بمدينة الحُسيْمة، التي قد عُرف سكانها رغم بساطتهم بالانضباط والاتحاد والمؤازرة فيما بينهم. لكنها مع وفود كثير من الدخلاء عليها ظهرت بها سلوكات جديدة، منها انتشار المخدرات والشذوذ والسرقة. هبت عليها رياح ليست تشبه الرياح المعتادة فأتت بالسيء. يمكن القول إن المنطقة قاب قوسين أو أدنى من الخطر.
الحسيمة المطلة على البحر، لا تتوفر على أبسط المرافق الضرورية. المستشفى الوحيد الموجود بها يفتقر للأدوات الطبية وللأدوية، وللممرضين، وللأطباء الذين يغادرون المستشفى الحكومي قبل انتهاء الدوام، متوجهين إلى عملهم بالعيادات الخاصة التي تدفع لهم أجورا عالية. رغم كل ذلك البؤس واليأس، فإن أهل الحسيمة تربطهم علاقة وثيقة بمدينتهم.
الحسيمة يمارس أهلها مهنة صيد الأسماك. يفجعون ذات صباح، من صباحات ابريل على مقتل أحد الصيادين الشباب. حين رمى شرطي صندوق سمك حسن داخل حاوية الأزبال، ولما حاول التقاطه التهمته آلة الطحن. هبّ الصيادون متظاهرين احتجاجا على ما وقع لصديقهم. حسن الشاب الحالم أخذه الموت المفاجئ من حلمه. ودخل الصيادون في دوامة الخوف من المصير المجهول، فالموت قد يأخذ في كل مرّة واحدا منهم، في غياب العدالة، التي يجب أن تسوي بين المواطن العسكري والمواطن المدني.
الغياب المطلق للقانون. الشرطي قتل حسن، وأخذ الأمن ناصر، أحد المنددين بعملية القتل. صيادو السمك بالحسيمة تهددهم قطط و كلاب الميناء، وحراس الميناء لا يمارسون عملهم كما ينبغي. يتعرض الصيادون للسرقة. تذكر الرواية لما سرقت عربة أسماك أحدهم، ولم يحقق الأمن في عملية السرقة. بل يتعرضون لأكثر من ذلك، للقتل الفظيع ‘الصيادون البسطاء ماتوا من أجل لا شيء، ولم يتركوا شيئا’ ص 116. يضم الروائي صوته لصوت المتظاهرين. يعلن في آخر الرواية بأنه تمنى لو استطاع إنقاذ حسن من الموت، لو قدم شيئا يمكن أن يغير ما حدث، يقول ‘ إن حسن أخونا جميعا، ومن أجله سُمع صوت بكائنا، ورآنا الناس ونحن نبكي، ونحن نسمع دموعنا التي ترفض أن تكف. ربما لو نظرت أكثر، سترى أني كنت أركض لحظة موته، لو كنت شجاعا بما يكفي لرأيتني أضع بندقية صيد تحت ذقني وأطلق رصاصة بدون رحمة أو تردد ‘ ص 196..

الثقافة جملة من المتغيرات الفكرية والعلمية، وهي فعل مكتسب نتيجة لعملية التأثير والتأثر. حيث يتأثر المرء بما يحدث حوله في العالم من تحولات، على المستوى الثقافي والحضاري. هذا التأثير يساهم في إعادة رسم جغرافيا جديدة للخارطة الفكرية للمجتمعات الهشة والضعيفة، التي لا تستطيع الصمود طويلا أمام الرياح المتحضرة كما يسميها عبد الغني، والتي يراها تترك آثارا سيئة على المجتمع غير المتحضر.
من اسراتيجيات الاحتلال الغربي للعرب، نشر الثقافة الغربية داخل المجتمع العربي، بصورة غير مباشرة، وذلك بهدف السيطرة على تلك الشعوب المغلوب على أمرها.
في إطار استراتيجية الغرب للسيطرة على الفكر العربي، هناك ما يعرف بالغزو الثقافي. يستحضر عبد الغني بعض أسماء لكتاب غربيين، كانوا يتخذون من بلدان المغرب العربي محطات للاستجمام وللراحة النفسية والصحية، ولكن الهدف كان أبعد من ذلك. يسأل فيقول ‘لماذا تأتون إلى هذا البلد؟.. ما الذي تريدون فعله بنا؟ ‘. كارل ماركس جاء للجزائر لأنه كان يعاني من الربو، وجاءها ألبير كامي الذي كان مصابا بالسل وأقام فيها جاك دريدا وغيرهم. مثل هؤلاء كان ينصحهم الأطباء بتغيير أماكن إقامتهم، فيختارون المنطقة العربية.
ألبيركامي تقول الرواية رغم أنه عاش في الجزائر، لكنه لم يحبها ‘ كامي يكره مدينة وهران، في السطر الأول من روايته يعلن فيه أن هذه الجائحة بدأت في وهران في تلك السنة 1941.. لكن كامي رغم كرهه لوهران ظل يمارس فيها أعماله الإنسانية ‘ ص 37. في بحثه عن خلفية الفرنسيين في تركيزهم على منطقة المغرب العربي.
يخصص عبد الغني حديثه عن فيسلوف فرنسي حداثي يدعى برنارهنري ليفي، الذي يتردد على طنجة المغربية كل عام. ويسميه بـ عراب الحروب. لأنه لاحظ أنه كلما وطئت قدماه أرضا إلا واشتعلت فيها الحروب. ويذكر، كان في العراق، ثم انتقل إلى مصر، ثم تونس، ثم ليبيا، وهاهو اليوم بالمغرب. التي يرى أنه لن يغادرها حتى يترك بها حربا ضروسا .
الحرب تحتاج إلى تخطيط، وإلى أفكار. والاحتلال الغربي قبل أن تطأ أقدام عساكره البلاد العربية، كان قد درس ثقافتها وعاداتها واطلع على عقيدها وأفكار أهلها على اختلافهم.
نجد المصور، الرسام فابيو في الرواية جسد صورة المستشرق الذي جاء للحسيْمة المغربية، حين سمع بقتل صياد السمك، ليأخذ صورا عن المشاهد السيئة بالحسيمة. حيث كان لا يعنيه جمال المنطقة الساحر، ماكان يعنيه التقاط هذه الصور التي تترجم سلوك وطريقة تفكير أهل المنطقة. والصور التي يأخذها يقوم بإعادة رسمها على هواه، يقول ‘أنا منحت للناس وجوها وملامح، حاولت أن أجسدهم قلبا وقالبا.. فأنا أملك طريقة خاصة في النظر إلى أزمات العالم الثالث ‘ ص 191.
المستشرقون الذين أرادوا أن يؤرخوا للحضارة الشرقية لم يكونوا أمناء في كتابتهم للتاريخ. يذكر عبد الغني بشأن ذلك بأن ‘التاريخ صفحات مزيفة خطتها أقلام مؤرخين ظلوا يبحثون عن أسايب ملتوية لكتابة التاريخ ‘ ص 27.
رواية الجولة الأولى من مؤتمر الرياح تميزت بتعدد الأصوات السردية، تقوم فيها مجموعة من الشخصيات بعملية السرد، والتي تشبه العملية التوثيقية. الراوي يحتل موقع الرؤية من الخارج، لا يملك المعرفة الكاملة لمجريات الأحداث، يتدخل ليروي ما سيحدث دون يقين، الأمر الذي يجعل الروائي يتدخل هو الآخر، حيث يقول ‘كنت أتدخل للمشاركة في السرد، أقدم شيئا.. عما يحكيه الراوي حين تساورني شكوك حول ما يرويه’ ص 196. وهنا يضع حدودا فاصلة بينه و بين الراوي، وفي نفس الوقت يرفض أن يتجاوز الراوي ما أملاه عليه.
الراوي لا يتدحث من تلقاء نفسه، بل بإذن من الروائي، فشخصيات النص مثل الدمى تتحرك في يد صاحب النص. أما بالنسبة لعبد الغني فهو يقر بأنه منحها حرية السرد المطلق، مع احتفاظه بدوره رقيبا عليها ان انزلقت في أداء وظيفتها في سرد الأحداث، إذا اختارت حبكة غير الحبكة التي نسجها هو.
تشظي السرد من آليات الكتابة الروائية الحداثية. الرواية طبعتها الحبكة الحداثية القائمة على تشظي السرد أو التشذر السردي، الذي يشتت الموضوع، ويعقد الفكرة، ويشوش ذهن القاريء، ليتخلص النص من السطحية التي عُرفت بها النصوص التقليدية. ماجعل الجولة الأولى من مؤتمر الرياح تشكل تجربة مهمة في ميدان الكتابة الروائية، تتسم بالتنوع السردي والدلالة المعنوية العميقة.
الرواية تكشف عن بعض مظاهر سوء التسيير، وعن مواقع الفساد السياسي والإداري والاجتماعي وخلفياته، التي يوعزها عبد الغني إلى فعل خارجي مدبر يهدف إلى ضرب المجتمع المغربي في العمق.
*كاتبة جزائرية




