المجلة الثقافية الجزائرية

الدفتر الأصفر

محمد حسين السماعنة. الأردن

 

يطارد ابن أبي جمال الوقت كأنه لصٌّ هارب، ويقتنصه، ثم يمتصه امتصاصا، حتى إنه لا يذكر متى كانت آخر مرة جلس فيها مع نفسه، أو شعر أنه يستطيع الحصول على ساعة فراغ، فهو كلما دعاه أحد إلى جلسة قهوة أو زيارة قريب يقول ويداه تفتشان جيوبه، وعيناه تبحثان عن شيء ما: لا وقت لدي

وباتت صورة ابن أبي جمال راسخة في أذهان أهل القرية: قدمان لا تتوقفان عن الحركة، عينان ملتصقتان بهاتف قديم، ودفتر أصفر صغير يطل من جيب قميص برتقالي، ويدان تحومان في المكان تحملان إشارات غريبة تثبتانها في أماكن متباعدة، وظل رجل يخرج في كل صباح قبل أن تستيقظ الشمس إلى تلال القرية، ويعود في المساء بعد أن تنام الأزقة، وتبتل الممرات الترابية بالندى…

وهو في ذهابه وإيابه لا يتخلى عن دفتره الصغير…

قال لي القطروز باستهزاء: “هذا ابن أبو جمال واحد مخرفن؛ بيظل يقول الليل قادم الليل قادم “.

وقال لي جاره علي الفزاع: “ابن أبو جمال فيه وشة، ما خلى شجرة أو حجر أو زاوية في القرية إلا وأعطاها اسما، تخيل أنه يحفظ مكان كل صخرة ويعرف صفاتها أكثر مما يعرف عن وجوه جيرانه، ويحفظ أرقام قطع الأراضي وأسماء مالكيها، وأرقام تسجيلها في المكتب العقاري، ومساحاتها أكثر مما يحفظ تواريخ ميلاد أمه وأبيه وإخوانه”.

وسمعت أبي يقول عنه: “ابن أبو جمال شاب غريب عجيب يفاخر بانشغاله، فإذا سأله أحد: “كيف حالك؟”

أجاب بثقة وبابتسامة عريضة: “مشغول… والحمد لله.” ثم ضحك أبي وقال: وكأن هذا الانشغال وسامٌ على الصدر…”

ولكن ما حدث هذا الصباح، هو أعجب العجب في أخبار ابن أبي جمال فبينما كان يراجع قائمة مهماته وبرنامجه اليومي، توقّف عند لفظة في عبارة نادته أمه بها بغضب:

“ولك يا مسخم يا مكشل عيش حياتك.”

وقد حدّق في عيني أمه طويلًا. ثم تكور على نفسه، وجلس القرفصاء محتضنا رأسه بكفيه، ثم تناول الدفتر من جيب قميصه، ثم أغلقه بهدوء، لكنه لم يستطع وضعه في جيبه، فأعاد فتحه، وكأنه رأى الخطر في لفظة “عيش” الواقفة على شفتي أمه التي كانت لا تزال في مكانها هادئة لا تستعجل شيئًا…

وصار يقلب صفحات الدفتر علَّه يعثر على ما يفسِّر تلك الكلمة الوحيدة التي هزته، فلم يجد سوى قوائم طويلة: مواعيد، وأسماء ملاك، وأرقام قطع أراض، وحدودٍ شمالية وجنوبية، وإشاراتٍ بالقلم الأحمر إلى أسماء.

أعاد النظر إلى اللفظة الواقفة على شفتي أمه. هجأها، ع ي ش، بدت له غريبة، كأن أحدًا دسَّها له في معجم الحياة، فتش عنها في يومه فلم يجدها، فقال يحدث نفسه: لعلها…

صمت، سجل اللفظة على دفتره

وطوى الصفحة، وانطلق مسرعًا…

لكنه كان كلما فتح الدفتر لمح الكلمة، ثم تجاوزها إلى ما بعدها، حتى ألف وجودها كما يألف المرء شجرةً على قارعة الطريق يراها كل يوم، ولا يلتفت إليها.

وخرج من البيت على عجل، وبينما كان يقلب بأصابعه القواشين، شعر بثقلٍ غريب في صدره. توقفت قدماه للمرة الأولى منذ سنين على ناصية الطريق، فسقط على الرصيف، وسقطت القواشين من بين يديه، فتفرقت على البلاط، وراحت الريح تقلبها كما تقلِّب أعوام العمر:

علي الفرادني 

سالم البيتي

سعود حلاليش…

اقترب بعض المارة يجمعونها له، كان يقول لهم وهو يمد يدا مرتجفة: رتبوها رجاء حسب حروف الهجاء، ثم يبحث عن الدفتر الأصفر، ويكتب كلمة “عِش”…

ضم القواشين إلى صدره واحدًا واحدًا، كأنها فلذات كبده، ثم احتضنها جميعًا بقوة، كأنها آخر ما تبقى له من الدنيا، تشبث بها بكلتا يديه، بينما كانت كلمة “عِش” تبتعد عنه بصمت، وتختفي خفيفةً كنسمةٍ لم يجد وقتًا ليلتقطها. حتى آخر رمق.