المجلة الثقافية الجزائرية

الذئب في الشِّعر العربي: (المُثُل والجَماليَّات)

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

-1-

في تلك البيئة التي نشأ فيها الشاعر العَرَبيxe “شاعر العَرَبي”، وتفتَّقت على مخايلها قريحته، كانت الثروة الحيوانيَّة مبثوثة في منازل الحيِّ، كما هي في رحاب الصحراء، أُفقًا وقاعًا. فما انفكَّ الإنسان يستعين بها على قضاء حوائجه، ويستفيد منها في تأمين بعض ضروريَّاته، أو يصطرع معها من أجل البقاء. ومن ذلك كلِّه نشأت علاقة وطيدة بين العَرَبيِّ والحيوان، اجتازت الأُطر المادِّيَّة إلى أبعاد روحيَّة، لا تندُّ عنها العَين عند استقراء الأشعار العَرَبيَّة القديمة. وما دام الأمر كذلك، فإنَّ جَماليَّات تصوير الحيوانxe “جماليَّات تصوير الحيوان” هي أوسع من أن يَأْطرها مبحثٌ، كهذا الذي نحن بصدده، غير أنَّه سيصطفي منها نماذج بارزة تُلقي الضوء على أنحاء من جَماليَّات تصوير الحيوانxe “جماليَّات تصوير الحيوان” في الشِّعر العَرَبي القديمxe “شِّعر العَرَبي”. 

وكان يمكن في هذا البحث أنْ تنقسم دراسة الجَماليَّات إلى فرعَين، أحدهما يعالج جانب الهيئة الخارجيَّة من الصُّورة، والآخَر يعالج الأبعاد الروحيَّة في الصُّورة، إلَّا أنَّه اتَّضح أنَّ الفصل بين هذين الجزأين سيُفسِد لوحات فنِّيـَّة متكاملة، حرص الشاعر على تعاضد جزأيها في تعبيرٍ فنِّيٍّ واحد؛ فكان- إذ تبدو صورته لأوَّل وهلة وصفًا شكليًّا- يُضمِّن أشياء غير قليلة من المعاني والرُّؤى النفسيَّة والخُلقيَّة، تلفتنا، بالطبع، إلى مُثله الروحيَّة، هو نفسه، وجَماليَّاته.

-2-

وعند استقراء صُوَر (الذِّئبxe “ذئب (ح)”) في نماذج من الشِّعر العَرَبيxe “شِّعر العَرَبي”، نلحظ أنَّ من أهم ما استأثر بعناية الشاعر: اللَّونxe “لَّون”، والحركةxe “حركة”. فاللَّون: أَطْلَس، عند (الفرزدقxe “فرزدق”)(1) و(البُحتريxe “بُحتري”)(2)، مثلًا. والأَطْلَس: الأغبر إلى سواد، والأَطْلَسxe “أَطْلَس (لَون الذِّئب)”: اللِّصُّ يُشبَّه بالذِّئبxe “ذئب (ح)”، والأَطْلَس من الذِّئابxe “ذِّئاب (ح)”: الذي تساقط شَعره، وهو أخبث ما يكون، والطِّلْسxe “طِلْس (ح)”: الذِّئبxe “ذئب (ح)” الأَمْعَط.(3) ولئن كان ذلك هو لَون الذِّئبxe “ذِئب (ح)” في الواقع، فإنَّ لاختيار ذاك الوصف دون سِواه لدَى الشاعرَين معنًى يتكشَّف من تأمُّل دلالات “الأَطْلَس” في العَرَبيَّة وظِلالها. ففي لفظ “الأَطْلَس” معنى الغموض، كما أنَّ فيه إيحاءً بالرهبة من وحشٍ خبيثٍ مخاتلٍ غادر، تعبِّر تفاصيل صورته الخارجيَّة عن طبعه وخُلقه، وتنسجم ملامحه الشَّكليَّة مع ما ينطوي عليه من غدرٍ وتربُّص. وتلك هي صورة الذِّئبxe “ذئب (ح)” عند العَرَبي، سواء أَوَظَّفها في مدحٍ أم في ذمٍّ، وهو لا يكاد يُخفي إعجابه بها في كلا الحالَين.

وقد يصفونه بأنَّه “أَغْبَس”. حتى قيل: كلُّ ذئبٍxe “ذئب (ح)” أَغْبَس. والغَبَس والغُبْسَة: لون الرماد، وهو بياض في كُدْرة، وهو الغُبرة. وقيل: الأَغْبَس من الذِّئابxe “ذئاب (ح)” الخفيف الحريص، وأصله من اللَّون. (4) قال (لَبيدxe “لَبيد بن ربيعة”)(5):

لـِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَوَاسِبُ لا يُمَنُّ طَعَامُها

وما قيل في “الأَطْلَسxe “أَطْلَس (لون الذِّئب)”” يقال في “الأَغْبسxe “أَغْبس (لون الذِّئب)””. ويمكن أنْ نَلمح في هذين اللَّفظَين كذلك إيحاءً صوتيًّا خاصًّا، يكمل الصُّورة التي أحبَّ الشاعر أن يضفيها على هذا الحيوان.

-3-

أمَّا الحركةxe “حركة”، فـ(الذِّئبxe “ذئب (ح)”) موصوف بالخِفَّة والمخاتلة. وقد افتنَّ الشُّعراء في تصوير حركته تلك، التي أدَّاهم الإعجاب بها إلى أنْ يصفوا بها (الخيلxe “خيل (ح)”). فقال (امرؤ القيسxe “امرؤ القيس”)(6)، مثلًا، في بيته المشهور، يصف فَرَسَهxe “فَرَس (ح)”:

لَهُ أَيْطَلَا ظَبْيٍxe “ظَبْي (ح)” وسَاقَا نَعَامَةٍxe “نَعَامَة (ح)” وإِرْخَاءُ سِرْحَانٍxe “سِرْحَان (ح)” وتَقْرِيْبُ تَتْفُلِxe “تَتْفُل (ح)”

والسِّرحانxe “سِرحان (ح)”: الذِّئبxe “ذئب (ح)” هاهنا. وإرخاؤه: شِدَّة عَدْوِه، قيل هو فوق التَّقْريب، وقيل: هو مأخوذٌ من الرِّيح الرُّخاء، وهي السريعة في لِيْن. (7)

[للحديث بقيَّة].

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) (1983)، ديوان الفرزدق،xe “فرزدق” بعناية: إيليا الحاوي، (بيروتxe “بيروت”: دار الكتاب اللبناني، مكتبة المدرسة)، 2: 590. 

(2) (2007)، حماسة البُحتري، تحقيق: محمَّد إبراهيم حور وأحمد محمَّد عبيد، (أبو ظبي: المجمع الثقافي)xe “ديوان البُحتري (ك)”، 743. 

(3) يُنظَر: ابن منظورxe “منظور ابن”، لسان العَرَبxe “لسان العَرَب (ك)”، (طلس). والذِّئب الأمعطxe “ذئب أمعط (ح)”: قليل الشَّعر، وقيل: الطويل. (يُنظَر: م.ن، (معط)). وما زالت الكلمة مستعملة في دارجة (الجزيرة العَرَبيَّةxe “جزيرة العَربيَّة”). 

(4) يُنظَر: م.ن، (غبس).

(5) (1958)، ديوان امرئ القيس، تحقيق: محمَّد أبي الفضل إبراهيم، (القاهرة: دار المعارف)، 308. 

(6) (1962)، شرح ديوان لَبيدxe “لَبيد بن ربيعة” بن ربيعة العامري، تحقيق: إحسان عبَّاس،xe “إحسان عبَّاس” (الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء)xe “

ديوان امرئ القيس (ك)”، 21.

(7) يُنظَر: ابن منظورxe “منظور ابن”، لسان العَرَبxe “لسان العَرَب (ك)”، (سرح)، (رخا).

*(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة المَلِك سعود)