المجلة الثقافية الجزائرية

الرّحماني حلاّق عصا موسى

  سعيد بوخليط

يعتبر الرّحماني حميدة، أشهر حلاّق ظلّ عالقا بين تلابيب ذاكرتي غاية الآن وقد انقضت سنوات طويلة على معطيات سياق اللّحظة. السّبب بسيط، هو أوّل حلاّق صادفته خلال سنوات صباي وعشت صحبته وداخل دكّانه الأثري، وقائع حافظت باستمرار على أصالة طراوتها وكنه سياقها الأوّلي غير قابلة للاندثار؛ مهما بلغت سنوات العمر.

أستحضر في المقام الأوّل عبر سياق يوميات محلّ الحلاقة، كونه الشّخص الذي عشت تحت وقع صنيع مقصّه عملية الختان المؤلمة، في خضمّ غدر الغواية الشّهيرة التي اختبرها غالبا أفراد جيلي قبل تطوّر الأمور فيما بعد نحو الجراحة الطبّية:

”شوفْ شوفْ ياوْلْدي اْطْوِيرْ!”(ارفع ياصغيري رأسك صوب الأعلى كي تشاهد طائرا)، ثم لطمة مقصّ تأتي بعجلة على شذرة من خشفة القضيب.

بخصوص الحادثة الثّانية،فقد عانيت من آلام ضرس شديد وحينما ألححت على أمّي بضرورة القيام بشيء معيّن لوضع حدّ لهذا الألم الفظيع، وجّهتني دون تردّد صوب الحلاّق الرّحماني الذي استعان بخيط صغير متين يُلَفُّ آنذاك على غلاف قالب السُّكّر المعروف بعلامة النّمر أو الفهد، محاولا اقتلاع الضرس عنوة بواسطة الخيط العجيب لكنّه فشل مع اشتداد صراخي واختناق أنفاسي جرّاء سعيه إلى تثبيت وضعيتي فوق كرسيّ متخلخل توازنه بحكم تآكله نتيجة تواتر عوامل التّعرية، لذلك غرز الرّحماني ركبته على صدري الصّغير حتى يحكم قبضته أكثر كأنّه يحاول ذبح خروف. مع ذلك فشل، حينها التفت بانزعاج ظاهر نحو محفظة أدواته فأخرج ملقطا أسود وهو يردٍّد بتشنّج واضح ”هذا الكُلاّبْ من سيتكفّل باقتلاع ابنة العفريتة”. أوشكت على الاغماء حينما شاهدت وسمعت صدى ضربات الملقط، لكنّي تماسكت بقدرة قادر إلى أن نجح الأمر بعد عبوري الصّراط وعاينت عزرائيل ماثلا عند رأسي. لاأعرف كيف بقيت كفّي منطوية على درهم ونصف ثمن العملية الجراحية وأذناي بالكاد تلتقط بعض شذرات وصيّته بأن أمضمض ماء مغلّى بالشّاي أو الملح طيلة اليوم غاية توقّف النزيف.

اشتهر الرّحماني بصنائع عدّة: حلاقة، ختان، إزالة الأسنان والأضراس بمختلف أصنافها، تدليك العظام والمفاصل، تقدير مكمن القولون العصبي بنفس خيط سُكَّر القالب الشّهير، وسيط عقاري، طبّال ضمن فرقة أوركسترا الوردة خلال كل المناسبات الاجتماعية، وأحيانا يقوم بالدّورين في الآن ذاته مثلما حدث معي وكثير من صبايا الحيّ بحيث ينهي مطلب المقصّ، يترك الطّفل الى صراخه، ثم يأخذ طبله ويشرع في القرع.

شخص بمواهب متعدّدة يقبع داخل جحر أقرب إلى علبة كبريت لايتّسع لوجود ثلاثة أشخاص موفوري الصحّة، استطاع بمهاراته تلك أن يجعل منه قبلة لأهل الحيّ وحظي بالأفضلية لديهم.

كرسيان تراثيان تقادم عهدهما مع ذلك أظهرا صمودا نادرا. مرآة من الزّمن الغابر رمِّمَت أجزاؤها المهشّمة كيفما اتُّفق بشريط لاصق. قارورة عطر بلاستيكية تتوسّطها صورة شابّة جميلة آسيوية الملامح تبتسم دائما في وجه الزّبائن ابتسامة عريضة مفعمة بشبق لذيذ شبيهة في شكلها العام بأيقونة الملكة كيلوباترة كما جسّدتها صوفيا لورين، بجانب كتلة من القذارة والبشاعة المقزّزتين عندما تنحدر بعينيك قليلا نحو وعاء صدئ يبعث على الغثيان، امتلأ حد التُّخمة بعيّنات من الأضراس كدليل للجميع عن مدى براعته بهذا الخصوص، أضراس وأنياب تظنّ بعضها لآكلي البشر متكلّسة تشبه مستحثات أرضية.

يفهم الرّحماني في كلّ شيء ويستدعي بثقة عمياء مختلف الموضوعات من السّياسة إلى الكرة مرورا بالكلاسيكيات العربية والعيطة البدوية، مثلما تفصح عن ذلك إحالات صور أثّثت جدران محلّه بصور: محمد الخامس، الحسن الثاني، عبد الكريم الخطابي، الباشا الكلاوي، جمال عبد الناصر، هوشي منه، ماوتسي تونغ، أحمد بن بلة، عبد الحليم حافظ، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، فريد الأطرش، جاك بريل، بروس لي، محمد علي، بيلي، العربي بن مبارك، مارادونا.

كما تراكمت فوق منضدة مجلات أغلبها ممزّق، سادت عناوينها بقوّة خلال تلك الحقبة : مجلّة العربي الكويتية،الوطن العربي الباريسية،الموعد اللّبنانية،الصّقر الرياضي…، شكّلت مؤنسا لاغنى عنه ولايملّ خلال انتظار الدّور لاسيما إذا صام الرّحماني عن الكلام لسبب معيّن،سيكشفه حتما بعد انقضاء فترة طويلة،مادام صمته حالة استثنائية وغير معتادة وقد امتلك بشكل عام قدرة على الحكي بكيفية مستفيضة ومتواصلة تشدّ الأسماع ث تزداد الموهبة توهجا لحظات انتشائه بأقداح من النّبيذ ليالي السّبت والأحد على أشرطة العيطة وانقياده العفوي بسرد حميمي لجوانب من خبايا حياته وعمق انكساراته في هذه الحياة رغم ظاهر مرحه الدائم.

قامة طويلة ونحيفة، ارتدى جلاّبتين خفيفتين صيفا وشتاء، والطّربوش الأحمر المغربي لايفارق جمجمته الصغيرة مع شارب كثّ للغاية زاد من امتداده الرّمزي حاجبان غليظان يضفيان هالة خاصّة على بريق عينيه الحادّ والمخيف لاسيما لحظة تركيزه أثناء ترويض الأضراس أو الختان.

أذكر حينما أبديت تمرّدا حيال إغواء تمويهه كي أرفع عيني نحو السّماء للاحتفال بزيارة الطّائر الشّهير من باب التّخدير النفسي والموضعي حتّى أغفل ويقتطع الجزئية المعلومة،أعاد تشكيل ملامحه وبدت عيناه جاحظتان على غير المتوقّع فامتثلت للمصير المحتوم دون مقاومة.

شدّد الرّحماني باستمرار على ضرورة الاهتمام بقصّ الشَّعر غاية منتهاه، ثمّ الاتيان والاجهاز عليه تماما بتحويل الرأس إلى صلعة جرداء مع بواكير قيظ مراكش، بغية تجنّب غزوات القمل المزدهرة آنذاك ومعاركه الضارية، هكذا خصّصت النساء أوقاتا من يومياتهنّ بهدف فلي فروة شعر أطفالهنّ خلال جلسات قد تأخذ وقتا طويلا حسب عدد الأطفال ومستوى الاجتياح وغزارة الشّعر.

 غالبا مايكون الشّباب والكبار مصدر العدوى، فقد مثّلت سنوات الثّمانينيات موضة الشّعر الكثيف والملولب مقياسا للوسامة، لذلك أعلن الرّحماني رغم باطنه البوهيمي رفضه المبدئي لجماعة الهيبيين(الحركة الهيبية) وأتباع بوب مارلي لأنّهم أكبر دعاة التّسامح المطلق مع الشَّعْر خلال القرن العشرين مما يهدّد ضمنيا جدوى ووجود مهنة الحلاقة التي تعتبر هوية أولى ومبرّرا لمختلف الموارد الأخرى التي تدبّر بها الرّحماني حياته.