عبدالعزيز الظاهري
على رأس شجرة سدر، وقفت بومة وإلى جوارها صديقها القط الأسود، يمازحان صديقهما الخفاش وهو متدلٍّ من غصن فوق رأسيهما.
فجأة، أدارت البومة رأسها دورة كاملة عندما لمحت شيئًا، فإذا بها ترَى بالقرب من حاوية الزبالة غرابًا يقف أمام مرآة محطمة، يحملق في وجهه، وينظر إلى نفسه بازدراء.
نظرت إليه البومة من فوقٍ لتحتٍ، فضحكت وأشارت بجناحها وقالت: انظرا إلى العجب العجاب “غرابٌ” يتسكع وقد قبض النهار جناحيه، وخيم الليل بالسواد.
اقشعر بدن الغراب والتفت سريعًا إلى مصدر الصوت، فرأى بومة تطل عليه من فوق شجرة وبجوارها قط أسود وخفاش، فرد بصوت خشن: أهلًا.
ابتسمت البومة ساخرة وقالت: أهلًا وسهلًا، وتابعت: مكانك ليس هنا يا عزيزي، فجمال الدنيا في التضاد، على كل حال دعنا من كل هذا، ما بك يا مسكين؟ أراك تعرج؟
قفز الغراب متعثرًا عددًا من الخطوات، واستند إلى جدارٍ والتصق به، ولم يجب على سؤالها.
فردت البومة جناحيها وهبطت من برجها العالي إلى الأرض وتبعها القط والخفاش، وسارت باتجاهه بخطوات متوترة، نظرت إليه عن قرب فرأت الدماء تنزف من إحدى قدميه!!
فقالت بإشفاق: من فعل بك هذا؟!
فقال بحقد وهو يتلوى ويئن من الألم: ومن غيره؟؟
قالت متعجبة: ماذا تقصد بـ”ومن غيره”؟
فرد بضجر: الإنسان أيتها الغبية، وواصل حديثه: يجب أن نفكر معًا، يجب أن نفعل شيئًا، علينا تبديد هذه المفاهيم الخاطئة عنا، لا بد لنا من تحسين صورتنا التي شوهت.
صوبت البومة عينيها الكبيرتين نحوه وقالت بدهشة: صورتنا! نفكر معًا! من تقصد؟
قال الغراب بغضب: نحن، أنا، أنت، هو، وهو “أربعتنا.”
فقالت البومة: لا أعلم عن ماذا تتحدث؟
أنا، هو، وهو (ثلاثتنا) أمورنا على خير ما يرام، طرائدنا في تكاثر، وليلنا طويل لا يشاركنا فيه خلق كثير، والتفتت إلى القط والخفاش الذي كان يرفرف فوقها بجناحيه وقالت: أليس كذلك؟! فأجابا بالإيجاب بهز رأسيهما.
قفز الغراب على قدم وسحب الأخرى واتجه إلى صخرة قريبة ووقف عليها، وجال ببصره، وألقى نظرة عليهم ثم خطب قائلًا: الكل منكم يعلم أن الخلائق تنظر إلينا نظرة شؤم، هل سألتم يومًا أنفسكم مَنْ وراء هذه التسمية؟ ولماذا؟! إن كلمة (شؤم) صيحةٌ تطايرت شظاياها فوق رؤوسنا نحن المساكين من بين الخلائق أجمع، والإنسان هو من صاح بها رغم أنه هو وحده مصدر الشؤم، فهو من يضرب ويقتل من دون رحمة، من يصرخ متبجحًا بأعلى صوته، هو من يشتم ويهين، وكل الخلائق من حوله صامتون ينظرون إليه، بعيون خائفة. لا بد لنا من قلب السحر على الساحر.
رفعت البومة عنقها وقالت بفخر: إننا نحن – معشر البوم – نُعتبرُ فألًا حسنًا في بعض ثقافات البشر، تأجج الغراب غضبًا، وصاح بأعلى صوته: أيتها القبيحة، اخرسي!!
فانفجر صديقاها ضاحكين، فالتفتت إليهما، فرأتهما يتبادلان النظر فرحين فيما بينهما.
وقعت كلمة الغراب المختصرة كصفعة حادة على وجه البومة، أسقطتها من كرسي الوقار والكرامة، فارتجفت غضبة وقالت بحقد: أيها الحقير الفظ! أدميتَني بلسانك القارص! وهجمت عليهم بمخالبها القوية، وأخذت تطعنهم بمنقارها الحاد.
فهاج الجميع وماج، واختلط حابلهم بنابلهم.
فجأة توقفت المعركة وتفرق الجمع، عندما انبعث صوتٌ ضخم، وارتفع آخر من المنازل المجاورة!


