بقلم د.عطيات أبو العينين
التفت حول نفسها، دفنت رأسها بين ذراعيها، تركت السنون بصماتها علي وجهها ورقبتها وكفيها المعروقتين، أما عيناها فربما اضيقتا بفعل السنين وبفعل النظارة السميكة التي تثبتها عليهما. ويبدو أنها ترتديها منذ سنوات طوال للهالات التي تركتها علي أرنبة أنفها وبين عينيها.. حذرني الجميع من الاقتراب منها وإلا ستنفجر كأنها قنبلة موقوتة. أخذت أسترق النظر إليها عن بعد.. أخيرا رفعت رأسها بعد أن ظلت منكفئة أكثر من ساعة علي مكتبها لدرجة أني ظننتها والمكتب سواء، أو أن المكتب قد تحورإلى محارة تكورت داخله.
ذات يوم جاءت على متأنقة غير عادتها.. رحنا ننظر إليها، ثم إلى بعضنا بعضا في دهشة واستغراب، إلا أنني لمحت في عينيها نظرة تجمعت فيها كل لحظات الأسي والحزن في حياتها الماضية والمقبلة معا. مما زاد من دهشتنا .
عندما دقت الساعة الثانية قامت علي الفور تجمع حاجياتها وتنصرف.. لم تتكلم، لم تبح بشيء.. كتومة كعادتها.. تتحرك بحساب، تتنفس بحساب حتى خيل إلي أنها تعرف عدد اللقيمات التي تزدردها، وعدد الأنفاس التي تتنفسها.. هذه هي عادتها ولم نحاول أن نقتحم حياتها ونعرف ما يدور فيها.
في صباح اليوم التالي دخلت إلي مكتبي وكالعادة كانت هي أول من حضر ووقع في كشف الحضور. وجدت قطعتي شيكولاته علي مكتبي وعندما سألت أجابت في تحفظ:
– خطوبة ابني
حسام ..
– ربنا يتمم بخير
رحنا جميعا نهنئها، ولا أدري لم شعرت أنها لم تكن سعيدة.. كنت اختلس إليها النظرات محاولة سبر أغوار بحرها الخضم ، وكلما حاولت الغوص لا أجد إلا ظلمة القاع فأظل علي الشاطئ. عرفت من زميلاتي أتها ليست المرة الأولي التي يرتبط فيها حسام ابنها وفي كل مرة تبوء الزيجة بالفشل .لدهشتنا وجدناها بعد أيام قلائل تدخل علينا بوجه مشرق وقد بدت أصغر من سنها، وعلمنا بعد ذلك أن هذه الزيجة أيضا قد باءت بالفشل. اقتربت منها وكلي عزم وتصميم علي تحطيم هذا الحصن الحصين الذي تختفي وراءه هذه المرأة، اكتشفت أنني لم أكن وحدي التي تسترق النظر إليها فقد كانت تسترق النظر إلي هي الأخري.. طلبت مني أن تأتي لزيارتنا بالمنزل كانت مفاجأة لي أن تطلبني لابنها “حسام”..
لا تقل عني أني مجنونة لكي أقبل زواجا بهذه الطريقة العجيبة، فأنا لم أر حساما هذا وما رأيته من أمه لا يبشر بخير، فكان شغفي لاقتحام حياة هذه المرأة وحصنها العتيد وراء قبولي الزواج من “”. وتزوجنا.. ولكنني بعد وقت قصير اكتشفت أنني داخل القوقعة، بل ومحاطة بقواقع أخرى أشد غموضا من قوقعتي.. كانت حياتي معهما أصعب من أن أقودها وحدي.. لم يكن لي فيها حق القيادة.. بل الانقياد.. لم يكن زوجي لي.. استطعت أن أفهم ذلك منذ أول ليلة.. فليلة عرسي قضيتها في المستشفي علي أثر نوبة قلبية حادة أصابتها وظللنا بجوارها.
عرفت أنها فقدت زوجها في سن مبكرة فكان حسام بالنسبة لها الابن والحبيب والزوج ومن الصعب بل من المستحيل أن تتركه لامرأة أخري.. حاولت أن أكون لها الابنة البارة ولكنها كانت تشعر دائما أنني خصمتها اللدودة. منذ زواجنا المرض يشتد عليها. الأزمات تعصف بها.. حالتها الصحية تزداد سوءا.. وشعرت بالاختناق لم أعد أحتمل أكثر من ذلك.. لا يوجد سوى حل واحد.. وتركت البيت في هدوء.
لم تعترض هي ولم تحاول أن تصلح بيننا.. بل علمت أنها عوفيت واستردت صحتها بعد أن استعادت ابنها الوحيد من جديد. تعسا لهذا الابن كم كان يتمني أن يتخلص من هذا القيد, كم حلم بالحرية، ويالها من حرية، فمعناها الموت لأمه. ومن يتمنى لأمه الموت من أجل حبها له. يشعر بوخز ضميره. فيعود منكسرا.
وفي الليلة التي راوده فيها هذا التفكيرالبغيض لم ينم.. أصر أن ينتظر موعد الدواء
دخل غرفتها.. حاول مداعبتها رفع صوته:
– أمي.. أما زلت نائمة؟
لم يأته الجواب.. رفع عنها الغطاء وجدها متقوقعة في فراشها وقد أحكمت الغطاء الصدفي عليها دون حراك. بكاها كثيرا.. مرت أيام وشهور.. حاول أن يفعل كل ما تمناه من قبل . يمكنه الآن أن يبدأ من جديد ..
فالفرصة سانحة الآن لكنه لم يستطع ..
قررأن يقوم في اليوم التالي ويذهب إلي زوجته ويردها مرة أخري إلي عصمته.. كان سعيدا بهذا القرار.
دخل إلي صومعتها، اندس في فراشها، تقوقع في مكانها، أحكم عليه الغطاء الصدفي، ولم يبد أي حراك ..
***


