وليد الأسطل.
في شمبانيا، حين يحين القِطَاف
تُديرُ الكرومُ عناقيدَها للريحِ،
ويصعدُ من مَارْن صوتُ العرَبَاتِ
كأنَّ أيلول يُساقُ إلى الذَّبح.
العنبُ أسودُ،
والطباشيرُ أبيضُ،
وبينهما تنامُ شمبانيا
كحبةِ عنبٍ
بينَ إصبعين.
كروم مارن،
خضرة يعضُّها أيلولُ
بأسنانٍ من ذهب،
بعد أن يطلق شعرَهُ البنفسجيَّ
على السفوح.
الكرمةُ لا تشرحُ نفسَها.
تتدلى فقط،
ممتلئةً إلى الحدِّ
الذي يجعلُ الصمتَ فضيحة.
هذا هو أيلول الذي أعرفه:
سلالٌ سوداءُ
تحتَ شجرٍ قليلِ الظل،
والعنبُ يلمعُ
كأنَّ الليلَ نضجَ على الأغصان.
حَبّاتُ العنبِ تلمعُ بين الأصابعِ
كأنّ لها سرَّ برقٍ أسودَ لا يُرى،
وتسقطُ في السلالِ
ممالكُ صغيرةٌ من شمسِ آبْ.
هنا لا تُقطفُ الثمرةُ وحدها:
يُقطفُ النهارُ من فوقِ الورق،
يُقطفُ ظلُّ الغيمة،
ويُقطفُ العطرُ الذي خبّأتهُ الحقولُ
طوالَ عامٍ تحتَ التراب.
آلافَ الأيدي أتت
لتنتزعَ من الصيفِ قلبَه.
القاطفونَ المنحنونَ بين الصفوف،
كهنةُ طقسٍ أقدمَ من الآلهة،
تحتَ أقدامِهم الطباشيرُ الأبيض،
وفوقَ رؤوسِهم
سماءٌ شاسعةٌ بلونِ الحديد.
يا لهذا العنبِ
حين تجرحهُ المقصّاتُ
فيقطرُ من موضعِ الجرحِ
فجرٌ بنفسجي!
يا لهذه الكروم
وقد فرغتْ من أسرارِها،
تنتصبُ عاريةً في المساء
كأجسادِ نساءٍ
غادرها العرسُ ولم يغادرها العطر.
وحين يهبطُ الليلُ على شمبانيا
تشتعلُ القرى في السفوح،
ويصعدُ من الأقبيةِ نفسٌ دافئٌ
كأنّ الأرضَ نفسها
بدأت تحلمُ بصوتٍ مرتفع.
هناك، في القبوِ المعتم،
ينامُ العنبُ بعدَ موتهِ الأول؛
لا شمسَ تصلُ إليه،
لا ريحَ،
لا أغنيةَ للقطّافين.
فقط الزمن.
زمنٌ بطيءٌ،
أسودُ،
رطبٌ،
يعملُ في الصمتِ
كعاشقٍ لا يملُّ جسد حبيبته.
وأنا، في قلبِ أيلول،
لا أطلبُ من الخمرِ رحمةً.
أريدها كما يكونُ العاشقُ
حين يبلغُ آخرَ الليل:
صافيةً،
متهورةً،
قادرةً على فتحِ بابٍ
لا أملكُ الشجاعةَ لفتحهِ وحدي.
صُبُّوا.
فليكنْ في الكأسِ شيءٌ
من ذلكَ القِطَافِ الوحشيّ،
من يدِ الرجلِ التي قطعتْ،
من حبّةٍ انفجرتْ،
من ورقةٍ ارتعشتْ،
من تلٍّ أبيضَ ظلَّ واقفًا
حتى بعد أن انتهى كلُّ شيء.
لا أريدُ خمرًا تُنسِي،
أريدُ خمرًا
تجعلُ العالمَ أكثرَ حدّة،
والمرأةَ أكثرَ عريًا،
والليلَ أعمق،
والقلبَ أقلَّ قدرةً
على الكذب.
فأنا ابنُ الخمرِ في لياليَّ،
ولي في النبيذِ غرامٌ
لا يرضى بالقليل؛
أريدُهُ كثيفا،
حادًّا،
مُرًّا بما يكفي
كي يوقظَ الموتى في القلب.
أريد خمرا تشعرني أنني داخل المشهد،
أنني عنقودٌ تأخر قِطَافُه،
موسمٌ كاملٌ،
وقارورةٌ تنتظرُ شفتين.
من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”.




