بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك
إعجابي الراسخ بالشعر العربي، ولا سيما شعراء الجاهلية بما يحمله من صرامة في البناء، ورصانة الجرس وجزالة المفردة؛ لا يحول بين اعجابي بالاشعار العامية في عصرنا الراهن، وقد يسألني سائل هنا: كيف تجمع بين الاعجاب بالشعر العربي الجاهلي وقوة وجزالة كلماته مع الاشعار المكتوبة بالدارجة؟ كيف يجتمع تقدير القصيدة العمودية ذات البناء المحكم، مع الإعجاب بنصوص عامية تبدو للوهلة الأولى خارجة على هذا النظام؟!
ولمثل هذا السائل اقول: نعم يظل اعجابي في كلا الحالتين واحدا، لأن الذي يكتب بالعامية هو أقرب للتعبير عن مشاعره بسهولة كاملة، إذ تتيح له العامية استدعاء الكلمات المعبرة بقدر اكبر مما لو اعتمد الكتابة والنظم بأوزان الشعر العربي وقوافيه، وهو من ثم يكون أقرب إلى نبض القلب في ترجمة غضبه أو سخريته أو مدحه أو هجائه أو أيا كان تعبيره، دون وساطة عروضية أو رقابة قافية،.. من هذه القصائد التي وقفت عليها مؤخرا واعجبتني، والتي احب أن يشاركني فيها القارئ الكريم وجوه المتعة، لأنها تتحدث عن واقعنا المعاصر في لغة ساخرة ممتعة وموجعة في آن واحد، والتي استطاع فيها شاعرنا _واسمه “عادل الهواري”_من تحويل المأساة أو المآسي المعاصرة والراهنة (وما أكثرها في منطقتنا العربية) إلى صورة ساخرة تبدو في الانطباع الأول خفيفة، لكنها مع ذلك تترك أثرًا ثقيلًا في الوعي ، إذ تمكن الشاعر من تقديم مشاهد ساخرة تتجاور فيها مفردات الفقر مع مفردات السلطة والقهر، ويختلط فيها الدم بالاحتفال، وتتحول القيم داخلها إلى شعارات رنانة جوفاء في هذا الوجود.. القصيدة تقول:
غني وارقص للزياده
اوعى تحلم بالسياده
لو نابك جنهين زياده
وطى راسك ياحماده
ليه تشيل هم الغلابه
انت عايش جوه غابه
يرموك جيفة للديابه
السكوت فيه السعاده
شفت ماتوا كام شهيد
والشباب بقيود حديد
دماءهم سالت والدنيا عيد
والقاتل منحوه شهاده
دى النطاعه بقت شعار
والفساد ماتقولش عار
ناس غجر جالهم سعار
ده الفقير واكل الزباله
حتى لبسوا من الوكاله
واللى جاهروا بالعماله
اترقوا ومسكوا القياده
ولعل أخطر ما في هذه القصيدة الممتعة والموجعة،أنها لا تسخر من واقعٍ مختلّ بقدر ما تفضح واقعًا صارت فيه الفوضى هي القاعدة لنظام اجتماعي يفقد فيه الضعيف الحماية، ويتحول فيه الصمت إلى استراتيجية بقاء، بينما يُترك السؤال الأخلاقي والإنساني يصرخ في هذا الكون في فراغٍ لا يسمعه أحد!
أما صاحب هذه الأبيات، فمعرفتي به محدودة إلى حد يقترب من العدم، وهو أمر لا يزعجني بقدر ما يثير تأملًا أعمق حول العلاقة بين النص وكاتبه؛ إذ تبدو القصيدة هنا وكأنها تجاوزت صاحبها لتعيش حياة مستقلة، لا تحتاج إلى سيرة أو تاريخ، بقدر ما تحتاج إلى قارئ يمتلك شجاعة الاعتراف، بأن وجه المتعة في النص هو ذاته ما يؤلمه ويوجعه في الواقع..على أية حال ما أعرفه عن “عادل الهواري” هو صديق على صفحتي في موقع فيسبوك، وهو مصري الجنسية، ولم تنجح محاولاتي العديدة في معرفة المزيد عنه، لكن فرضت أبياته هذه فيما اتصور علي اولا، وعلى كل من قرأها كمية من المشاعر المتباينة واعجابا كبيرا.





