المجلة الثقافية الجزائرية

المثقف.. فكرة صغرى

علي الشدوي* 

المثقفون نادرون عند الفرنسي باندا، كثيرون عند الإيطالي جرامشي، بين هذا وذاك عند الفلسطيني إدوارد سعيد، فضلا على ذلك يمكن أن نلحظ فكرة المقدّس خلف تصور باندا «المسيح مثلا»، وفكرة الدنيوي خلف تصور جرامشي «رجل الإعلان مثلا»، والتفكير النقدي خلف تصور إدوارد سعيد «إدوارد سعيد نفسه».

ليس في نيتي أن أبلور معنى للمثقف. فقط هناك فكرة صغيرة تدور في ذهني أود أن أشرك القارئ فيها، أو بالأحرى أفكر فيها بصوت مسموع ليسمعني القارئ.

تبدأ هذه الفكرة الصغرى بأن إحدى مهمات المثقف تتعلق بأعمق من مجرد المعرفة ومن نشرها بين الناس، وأعمق من مجرد التنوير، ويبدو لي أن المهمة الأولى للمثقف تخص تشكيل الإنسان الداخلي، تلك التي يسميها فاتسلاف هافل «العيش في الحقيقة»، بحيث لا تنطفئ في داخله جذوة كرامته الإنسانية وحريته وحقوقه وواجباته كإنسان يعيش في مجتمع.

رعاية هذا الداخل الإنساني ودعم الأفكار التقدمية لكي تبقى جذوتها مشتعلة داخل الإنسان مهمة المثقف العربي الراهنة؛ لأن الأفكار التقدمية تكاد تكون غائبة عن الأجيال العربية الجديدة لعوامل شتى، أهما غرق هذه الأجيال في «العيش في الزيف»، الذي ينشره الاجتماعي والثقافي على وسائل التواصل الاجتماعي.

يتطلب «العيش في الحقيقة» بدلا من «العيش في الزيف» أن يكون التفكير النقدي إحدى مهمات المثقف الأساسية، يتطلب هذا التفكير أن يحلل المثقف الثقافة التي تدفع حتى الأفراد الأكثر انضباطًا إلى أن يفقدوا التوازن فيظلمون الآخرين أو يحتقرونهم، أو يعتبرونهم أقل قيمة، لا أهمية لآرائهم، وغير قادرين على أن يقودوا أنفسهم، ولا أن يكوّنوا المعنى لحياتهم.

هناك مساحة لعمل المثقف، يساعدنا عبدالله البردوني على معرفتها «فظيع جهل ما يجري، وأفظع منه أن تدري»، هذه المسافة بين الجهل بما يجري، وبين معرفة ما يجري هي المساحة المتاحة أمام المثقف وتفكيره النقدي، وهي مساحة وعي المثقف الفردي من جهة، ومن جهة أخرى مساحة وعي المثقف بالموضوعات التي يناقشها ويتأملها. يقبع تفكير المثقف النقدي في هذه المساحة بين «ما يجري» وبين «أن تدري»، فالواجب لا يهاب قول الحقيقة، والصراحة واجبة على الإنسان حين تهبط الجلالة إلى الجهالة.

من الراجح أننا لن نفهم غياب مفاهيم معينة من دون أن نفهم أصولها الثقافية والاجتماعية، وإذا ما فهم أحد أن الاستبداد مثلا موجود في الفرد وحده فهو فهم غير دقيق، صحيح أن هناك من يشرح الاستبداد على أساس خبرة الفرد وحده، وهو فيما أرى أنه منظور ضيق؛ لأن المدخل المناسب لدراسة الاستبداد ليس دراسة الفرد المستبد نفسه، بل الوضع الثقافي والاجتماعي الذي يظهر فيه هذا النوع من المستبدين.

الاستبداد ليس أسلوبًا شخصيًا، بل أسلوب حياة الجماعة الاجتماعية، بدءًا من الأسرة مرورًا بالمدرسة والجامعة ومكان العمل إلخ . وإحدى أهم وظائف المثقف هي تحليل ثقافة الجماعة.

شخصية المثقف التاريخية محصلة علاقاته الحية والحيوية مع بيئته الاجتماعية التي يسعى إلى تغييرها، وهذه البيئة التي يسعى إلى تغييرها تمثل بالنسبة للمثقف نفسه ممارسة النقد الذاتي المستمر.

أن يكون المثقف حرًا في التفكير والتعبير لا يعني فقط غياب العائق لحرية التفكير والتعبير، ولا يعني أن يفكر فيما يشاء، ويعبر عما يشاء، وإنما يعني أن هناك بابًا مفتوحًا أمامه لنقد الذات أولا، ونقد البيئة الاجتماعية والثقافية ثانيًا، وهكذا يولد المثقف الحديث من هذه الفرصة، بحيث لا تنحصر شخصيته في كونه منتميًا إلى ثقافة، بل في نقد هذه الثقافة التي ينتمي إليها.

سيحرص المثقف على أن ينحي حبه لوطنه ولثقافته جانبًا، وسيحرص على مراقبة كي لا يتسلل من دون أن يشعر إلى ما يراه حقًا وصائبًا ومن مصلحة وطنه وثقافته. المثقف محايد عاطفيًا، ويتبنى الأفكار التي تعلو فوق ما يفرضه التعصب، وإن فعل فقد استسلم بخزي لعواطفه الشخصية.

لم يعد المثقف الناطق باسم الآخرين الضعفاء كما كان في القرن الماضي؛ لأن الآخرين الذين نظر إليهم مثقف القرن الماضي على أنهم ضعفاء، هم في الحقيقة ليسوا ضعفاء، فهم يقاومون بما يملكون من وسائل، والذي يعرف مفهوم جورج سكوت «المقاومة بالحيلة» سيعرف أنه مفهوم يخص الضعفاء، ويستند إلى فكرة فوكو، التي مفادها أن المقاومة توجد حيث توجد القوة، وأن القوة موجودة في كل مكان، وأنها تُتداول ولا تتركز في يد أحد؛ لذلك يمكن تجاوز الفكرة التقليدية التي تذهب إلى أن الناس العاديين ضعفاء، فضلا عن ذلك فإن من يعرف مفهوم آصف بيات «فن الحضور» سيعرف أن ما من قوة مسيطرة تكون قوتها غير محدودة، فعلى الدوام هناك في التاريخ الإنساني شيء ما يقبع بعيدًا عن متناول القوة.

يمكن أن يسهم المثقف في التفكير في مسألة أخرى، وهي كيف يفكر الناس في مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية وغيرها، وفي أهداف الناس الأساسية من الحياة، وفي مقاصدهم من العيش في مجتمع، مثلا ليس دقيقًا أن مؤسسات المجتمع التعليمية تتفضل على المواطنين حين تدرسهم وتعلمهم وترسلهم إلى الخارج ليتعلموا. لا تتصدق مؤسسات المجتمع التعليمية على المتعلمين، ولا تعطيهم ما يمكن أن تحرمهم منه، بل تعطيهم ما هو من حقوقهم الأساسية، فالمجتمع يسير بالحقوق والواجبات.

هناك حقوق على هذه المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية هي خدمة المواطنين. هناك واجبات على المواطنين تجاه هذه المؤسسات. ليس الأمر من باب خدمتني مؤسسة من مؤسسات الدولة التعليمية، لذلك فعلي أن أرد خدمتها. هي أعطت المواطن حقه في التعليم، ويترتب على ذلك أن يؤدي المواطن واجبه.

يمكن للمثقف أن يهدئ من إحباط الناس وغضبهم على مؤسسات مجتمعهم بأن يبين عقلانية المؤسسات الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتلاءم مع مقولة هيجل الذائعة «حين ننظر إلى العالم بعقلانية، فإنه يرد علينا بنظرة عقلانية»، بطبيعة الحال نحن نعرف كيف فهم التقدميون هذه العبارة، وكيف فهمها الرجعيون، ومع ذلك فالهدف من إيرادها هو أن يحاول المثقف أن يرسم حدود إمكان عيش المواطن في ظل ظروف ملائمة، ومن دون أن يتبع ذلك منّة، بل يتبع ذلك حقوق مواطن وواجباته.

*صفحة الكاتب على الفيسبوك