المجلة الثقافية الجزائرية

المعريّ شاعر الشعراء وفيلسوف الفلاسفة

محمد خالد عمر*  

 

كنت فيما مضى أُسعد عندما أقرأ مقولة وَصَفَتْ أبا العلاء المعريّ بأنّه “شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء” لكن فيما بعد بدأت أقرأ هذه المقولة، بشيء من الشك، بالهدف من إطلاق هكذا مقولة، وأشعر بالغبن الذي وقع على الرجل، وكنت لا أجرؤ على رفض ما جاء به القدماء، إلى أن تخطّيت هذه المرحلة، ودخلت مرحلة تحطيم القيود الآبائية، ورفض ما جاء به الآباء كمسلمات، وقفت من كثير من المقولات موقف الرافض لها مهما كان التيار الحامل لها جارفاً. هنا أعدت قراءة هذه المقولة، وتفكّرت في مؤدّاها، وكم كانت دهشتي كبيرة حينما وجدت كم الحيف الذي الحقتْه هذه المقولة بالرجل، إذ أنكَرَتْ عليه مكانته كفيلسوف بين الفلاسفة، عندما جعلته فيلسوفاً للشعراء، وأنْكَرَتْ عليه شاعريته، ومرتبته الشعرية بين الشعراء عندما جعلته شاعر الفلاسفة. فالمقولة برّاقة إلى الخارج، خواء إلى الداخل، فهي في عمقها أخرجته من الشعر، وأخرجته من الفلسفة في آن معاً.
أعتقد أنّ السبب المباشر لإطلاق هذه المقولة وقبولها في الأوساط الثقافية هو الرأي النقدي الذي يصف شعر أبي العلاء أنّه حمّله أفكاره الفلسفية، فأفقده كثيراً من شاعريته. وإذا ما دُرست فلسفته قيل: إنّه شاعر في المقام الأول لامس الفلسفة في بعض أبياتٍ شعرية خَلَدَتْ في مقولاتها. ولمّا كان الاعتراض لا يكفي لدفع الضرر، وجب علينا أن نقترح بديلاً نراه منصفاً، يعيد الحق لأهله. وذلك باستبدال مقولة بخسته حقّه بمقولة رأيتها أكثر تطابقاً مع حضوره الفلسفي والشعري. وذلك بأن أعدت صياغة التركيب ليصبح على الشكل التالي: (أبو العلاء المعريّ فيلسوف الفلاسفة، وشاعر الشعراء) هذه الصيغة أطلقتها في مهرجان أبي العلاء المعري السابع عام 2004م. في معرة النعمان من على منبر جانب ضريح المعنيّ بالمقولتين.
وحتى لا يعجل علينا أحد رأينا تفنيد خطأ المقولة المحفوظة، وتبيان صحة المقولة البديل، وهذا الأمر يتطلّب منّا البحث في شاعرية الرجل وفلسفته. ولدحض الحجّة بالحجة أعددت شواهد وتحليلات، وحاولت نثرها عطراً في فضاء الثقافة العربية مستنداً إلى حضور الرجل الفلسفي والشعري، ومتكئاً على إرث الرجل وأثره. فما شاعرية الرجل؟ وما فلسفته؟

1 – أبو العلاء المعريّ شاعراً.
لأنّ الشعر مَلَكَةٌ طاغية تأخذ مريدها إلى بساتين حيّرته، والتجوال في أقسام بين أزهار الوصف، وتهطال الرثاء والإطراب بالغزل، والإنبهار بالوجدانيات حيث يحيّرني بأيّ فاكهة أبدأ. كيف لي أن أحصل على أقصى حالات الإنسانية، واستمتع بجمال القصيدة والاستظلال بفيئها، وتنسّم عطر أزهارها وتذوق حلاوة ثمارها دون الالتفات إلى اعتراضات زواره ومقارنة ثماره الشعرية بثمار “بشار، وابن الرومي، وأبي نواس، والمتنبي، وأبي تمّام، والبحتري” وترجّيح شاعريتهم وتقديمها على شاعرية المعريّ، ومن الطبيعي أن يدافع كل منّا عن آرائه. ونحن وبكل احترام لشاعرية الكبار ممن عُدّدت أسماؤهم، لم نجد القوم منصفين بحق المعريّ؛ بل إنهم ظلموه كشاعر وظلموا ذائقته الشعرية، ولم يأخذوا إحساسه، وأفكاره الآسرة، تلك التي تسبح في أمداء الإنسانية والأنفة والخيرة بعين الاعتبار، ومكانته كناقد جريء لا يأبه للنتائج عندما يرى نفسه على حق. أليس هو من أعجب بإبداعات المتنبي الشعرية، ومن أجل موقفه هذا طُرد من مجلس الشريف المرتضى في بغداد. وهو بلا شك لا يفصل الشاعر عن شعره فيعدّه رجولة وجرأة وصدقاً وإخلاصاً إلى جانب أن يكون ملكة أخّاذة وصورة فنية، وموسيقا تدغدغ سمعَك، ويطرب لبوحها جنانُك، يقول الدكتور حسين مؤنس: (إنّ الشعراء الذين عاشوا عصر أبي العلاء ذاته مثل: “المتنبي، وأبي فراس، والشريف الرضي، والصنوبري، كانوا من أعظم شعراء العربية على مر العصور لكنّ واحداً من هؤلاء لم يشعر بالواقع الذي تعيشه أمة الإسلام والعروبة في ذلك العصر كما شعر أبو العلاء بينما كل من ذكرنا قد انفصلوا تماماً عن واقع أمتهم، ولم يهمهم في شيء تعاسة الناس، وانعدام الأمان على النفس والمال والأهل والولد، وضياع الإنسان العربي وشيوع سكة الناس، وانتشار الآراء الضالة المضلّلة، فأنفقوا ملكاتهم وأشعارهم في غزليات كاذبة، ومدائح شائنة استجداء للمال؛ بل إنّ بعضهم مثل مهيار الدليمي وهو عبقرية شعرية لا شك فيها كان يقول: القصيدة العصماء في استجداء فرو خروف أو ثوب أو أكلة ثريد. هنا تعرف قيمة أبي العلاء بصدقه وإخلاصه وإحساسه المرهف بآلام البشر وإنسانيته التي تروع النفس. فهو دون شك من أعظم شعراء الإنسانية).
وهنا يمكن أن نضيف إلى ما أورده الدكتور حسين مؤنس من أنّ أبا العلاء كان حجة في اللغة وفنون الشعر، فضلاً عن أنّه يخلق في ذهن قارئه مئات الأسئلة، تغمره متعته، ويغنيه في شعره ونثره عن كثير من المعارف، فيدخله في عوالم الفلسفة بدءاً من قضية الخلق والإيمان، من بوابة الشكّ التي تفضي إلى حقل اليقين، ويجوب به عوالم الفكر، فتغريه شاعريته، ويزيده شعره معرفة في الحياة والدين والسياسة وعلم الاجتماع؛ فهو عندي الشاعر الملك، وغيره هم الوزراء، وقد لفتني من سبقني إلى ما يشبه هذا التقييم. يقول الدكتور طه حسين عن شاعريته: (لم يكن أبو العلاء فيلسوفاً فذّاً فحسب، وانما كان شاعراً وأديباً أيضاً. أما عائشة عبد الرحمن الكاتبة المحبّة لأبي العلاء المعريّ فتقول: (كان المعريّ شاعراً بكل ما في الكلمة من معنى، وأديباً وفناناً لغوياً بارعاً، فهو شاعر بمعنى متسع جداً)
فهذا الشاعر صلاح عبد الصبور في كتابه (حياتي في الشعر). يقول: (إنّ أبا العلاء عندي شاعر العرب وفيلسوفهم، وهو ثلاثة أرباع الشعر العربي والربع الباقي من قلبي يتقاسمه أبو نواس وابن الرومي والمتنبي وغيرهم). وكان الشاعر عبد المعين الملوحي في دفاعه عن أبي العلاء المعريّ يقول: (كان أبو العلاء شاعراً بالدرجة الأولى، ونحن نجد في ديوانيه سقط الزند، ولزوم ما لا يلزم شعراً راقياً وحكمة بالغة، وأحسن الأدب ما التقى فيه الشعر والفكر أطيب لقاء). يقدّم الملوحي عرضاً نقدياً مفصلاً ومفنّداً محاولاً التركيز على الشاعرية، والفنيّة التي وسمت شعره، فيحاول إسقاط المفاهيم الدراسية النقدية على شعر أبي العلاء المعريّ، فيدرس العاطفة، والرؤيا، والصورة الفنية، والأفكار، التي حاول فيها فهم العالمين المنظور والا منظور، والأسلوب الشعري والتراكيب، واللغة والصرف والبلاغة. يقول محمد رضا الشبيبي: (شاعر انفرد بخصائص فنيّة وامتاز بها على سائر الشعراء قديمهم وحديثهم، لأنه نهج مذهباً جديداً في الشعر وأسلوباً مخترعاً في الكتابة الشعرية).
أمّا خليل مردم بك كتب في مقدّمة كتاب المهرجان الالفي: (لو لم يوجد أبو العلاء أو لو وجد ومات صغيراً لبقي مكانه في ديوان الأدب العربي خالياً إلى الآن. اجتمع في أبي العلاء من الخصائص ما يعز اجتماعه في أعاظم الرجال: نبوغ فطري، وذكاء نادر وشعور رقيق، وعقل راجح وخُلُقٌ كريم وترفع عن باطل الحياة الدنيا فوهب نفسه بما فيها من هذه المزايا للعلم والادب ففاز منها بأعظم نصيب. ليس في ديوان العرب، منثوره ومنظومه على عظمته وجلال قدره ما يجزي عن أدب أبي العلاء)
أمّا طه الراوي فيقول: (نهج أبو العلاء في شعره نهجاً مبتكراً، واتخذ له موضوعات حيّة باقية فجاء شعره جامعاً بين الابتكار في الموضوع، والعمق في التفكير، والصراحة في التعبير والبراعة في التصوير. وإنّ شعراً يجمع بين هذه العناصر الحيّة لجدير بالبقاء ما بقيت اغراضه وموضوعاته ماثلة، وما بقي الفنّ الذي أبرزه حيّاً ماثلاً)
أمّا معروف الرصافي الذي لفتنا في نثرياته، كما لفتنا في شعره الجريء والتهكّمي النقدي، كان كلما أراد أن يستشهد بأبي العلاء يقول: (قال شاعر البشرية). وفي الصورة ذاتها يقول:

نعم هو شاعر البشرية وهو سيد الشعراء لأنّ شعره سما عن التكسّب به وترفعت كلمته عن أي مداهنة يقول الدكتور طه حسين عن استثنائية هذا الشاعر: (المعريّ أعجوبة دهره، لأنّه الشاعر الوحيد الذي استكبر على التكسب بالشعر).
أما الدكتور خليل شرف الدين فيذهب إلى القول: (على يد أبي العلاء خرج الشعر من دائرته القديمة الضيقة دائرة العبث والفردية، فلم يعد شعر أبي العلاء عبثاً فردياً، ولا مصبوغاً بلون القبلية القاتلة، ولا سلاحاً للقدح والذم أو المدح والارتزاق الرخيص، ليدخل مدى الكون والإنسان، فراح يسجل الحقائق، ويكشف الزيف، وأصبح الشعر وسيلة الفكر والتأمل، وبوتقة يسكب فيها الوجدان الصادق، وتعبيراً مشعاً عن حقائق الوجود والموجود ونقداً ساخراً لكل ما يشوههما)
لكنّ الدكتور طه حسين له رأي مختلف عن هذه الآراء إذ يقول: (اللزوميات فنٌ جديد في الشعر العربي، وإنّه أحدث فنّاً في الشعر لم يعرفه الناس من قبل، وهو الشعر الفلسفي). أمّا تكفينا هذه الأقوال من نقاد وشعراء مهمين لندلّل بها على ما أردنا قوله من أنّ أبا العلاء شاعر الشعراء. إذ الشعر رسالة والرسالة تكبر بكبر الغاية التي تطلبها، وقد اتفق غالبية الدارسين على أنّ أبا العلاء من أكثر الذين نجحوا في محاولة الإجابة عن الأسئلة الأكبر في هذه الحياة شعراً. والشعر عنده وخاصة بعد اعتزاله ليس عبثاً ولا مدحاً وعصبياً ولا ارتزاقاً. الشعر يدعم القيم ويرفع من شأن المنظومة الأخلاقية. فهو مثلاً لا يجيز الكذب حتى في الشعر.
أمّا عن شعر أبي العلاء المعري فهو من أهم مراكبه بل هو مركبته الأجمل والأسمى والأغرب لطرح أفكار. كان أبو العلاء يزيّن مركبته الشعرية بزينة غريبة لافتة جاذبة معجزة ففي كل بيت من الشعر عنده لا بد وأن ترى مفردة تضطر القارئ للعودة إلى المعجمات.
ونحن اليوم في طرحنا لأهمية شعر أبي العلاء وشاعريته لا نرى ذلك تقليلاً من شأن الشعراء الآخرين عندما نفضّل أحدهم لتميّز شاعرية وصنعة، فديوانه الشعري سقط الزند يمثل أهم اللفتات الفنية والشاعرية عنده، في سقط الزند معرض للفن التشكيلي، واسمحوا لي أن أعرض هذه اللوحة الفنيّة التي رسمها فنان تشكيلي لكانت من أهم الأعمال الفنية في العالم يقول المعريّ الشاعر الإنسان:
ربّ ليل كأنّه الصبح وإن كان أسود الطيلساني
ليلتي هذه عروس من الزنج عليها قلائد من جمان)
أكتفي بشاهد ثان فيه تداخل عجيب بين قلق السهر، وقلق الخوف عند من يعشش الخوف في قلبه بحيث لا يدع له مجالاً للاطمئنان ولو للحظة واحدة وهو يتمنى لو يشتريها. يقول المعري:
هرب النوم عن عيوني فيها هرب الأمن عن فؤاد الجبان)
في وصف الدرع يقول
رهنت قميصي عنده وهو فضلة من المزن يعلى ماؤها برماد)

أمّا ديوانه “لزوم مالا يلزم” فهو ديوان متفرّد نسيج وحده عبر تاريخ الشعر العربي من حيث طرحه وبنائه وعروضه وخروجه عن المألوف، فهو مختصر للحياة، وقانون للأخلاق والقيم، قاموس لغوي وتفسير أو قل تأويل لكل ظواهر ومظاهر الحياة التجديدية، وبرامجها التربوية في وقته، وكيف يمكن أن تكون، وأول ميزاته وأهمّها تمرّده ودعوته للتمرّد، فضلاً عن أنه سيرة ذاتية لمراحل النضج الفكري والفلسفي، وقمة من قمم الاستثناء.
أختم بمقارنة بسيطة بين أي من الشعراء فيمن سبقه من الذين كانوا يمثّلون لسان حال القبيلة، أو هو حسامها وحُداتها، وهويتها المعلنة، واستطلاعها، وبوصلتها إلى التفكير والتفكّر، بحيث كل شاعر فيهم كان يمثل وزارتي الإعلام والثقافة معاً في عرف هذه الأيام. فكم وزارة يمثل المعريّ؟ هذا المختبئ تحت عباءة البريق، وكاتب النور المنسوج من خيوط الضياء والتوهج؟ وهو لسان حال الأمة وحصن اللغة العربية الأمثل، حيث وسّع مهامه في مسؤولياته، فأصبح يمثل التربية عندما يذمّ الأخلاق الذميمة، ويمتدح القيم الرجولية العادلة، ويمثل الشؤون الدينية عندما يدعو إلى استعمال العقل، وعدم الاعتماد على النقل، ويمثل الثقافة حينما يرتقي بخطابه وسلوكه ويترجم سلوكه، ويمثل الإعلام عندما يحذر من أخطار التفرقة، ويدعو إلى وحدة الجهد والموقف في مواجهة الأخطار الخارجية. لكل ما تقدّم قلنا هو شاعر الشعراء لإبداعه، ولغته، وصوره، وإنسانيته.

2 – أبو العلاء المعريّ فيلسوف الفلاسفة

يتميّز الفيلسوف بأسئلته لنفسه، وقدرته على تحديد غاياته، وميدان تفكيره، فمن يفكّر ويتفكّر في الغايات الكبرى، ويحاول أن يضع لها بعض المعالجات، ويكشف أغوار النفس البشرية، والأخطاء التي عليها الآخرون، ويبين موقفه منها وفلسفته تجاهها، والبحث عن الحقيقة بمساريها الداخلي والخارجي سيكون فيلسوفاً بالضرورة.
مسار البحث الداخلي: هو بحث عن الحقيقة في النفس بعد أن يكون اطمأنّ الباحث بوعي على ما حوله ومن حوله، وذلك بهضم علوم من سبقه، وهذه النتيجة تخلق حالة المصالحة مع الذات. يقول ربنا: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات:21)
مسار البحث الخارجي: هو البحث عن الحقيقة من دراسة في مسيرة الإنسان منذ أن وجد على ظهر الأرض فيما هو مكتوب ومنشور في ملكوت الله، وقراءة المقدّمات التي اعتمدها الإنسان والنتائج التي حصدها. يقول ربُّنا جلّ جلاله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت:20).
من البحث الداخلي والخارجي يمكن الوصل إلى الحقيقة إذا تفاعل الباحث مع ما يبحث يقول جلّ وعز (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53). وقد وعى أبو العلاء المعريّ هذه المعادلة وراح يبحث عن الحقيقة في داخله بعد أن وعى علوم من سبقه، وما هو منشور في الآفاق، وقد أضاف إلى هذا البحث الواعي تطبيق ما وعى على سلوكه ونهجه فكان عالماً عاملاً، وكان دائماً يدعو إلى مثل هذا التطبيق وينادي به، وهذا التطبيق والتطابق يدلّ على الإنسان المسلم مسلّم معرفياً صادق في إيمانه منسجم مع نفسه متصالح معها يرفض حالة التناقض بين ما هو عليه من فكر وبين سلوكه الذي اختطه لذاته.
لا شك أنّ دراسة أيّ آثر فلسفي لشخصية بعينها ستركّز على طريق ذلك الفيلسوف الدلالية. وأول ما يلفت الدارس سؤال: هل هذا الفيلسوف اختط طريقاً فلسفياً خاصاً به، أم التقى مع غيره من الفلاسفة، أم إنّه جمع الفلسفة إلى الصلاح والإصلاح ففلسف الحكمة، وجمع بينها وبين الإصلاح، وغدا الفيلسوف حكيماً والحكيم فيلسوفاً. حتى إنّ بعض الدارسين رفع قدر بعض الفلاسفة إلى مرتبة النبوة؛ انطلاقاً من أنّ النبوة تحتوي فلسفة الحكمة، والفلسفة والحكمة جزء من النبوّة. لذلك أعطى الدارسون المتأخرون للفلاسفة السابقين كثير من صفات النبوّة؛ وهذا من الناحية الفلسفية لا يضير، فالنبي من التنبؤ، ومن قرأ أحداث وتجارب الماضي، والواقع الحاضر، يمكنه التنبؤ بالواقع المستقبلي. أمّا ثوابت النبوّة والرسائل السماوية، فقد تتعارض مع بعض ثوابت وحدود ما تسعى إليه الفلسفة حسب معطياتها العقلية. لذلك مرّت على المسلمين عصور كانت الفلسفة فيها تمثل الكفر في الدين.
وأراد بعض الدارسين أن يكون للجغرافيا أثر في هذا التقسيم، فقسّموا الحصص الإرثية لكل أمة من الأمم. وسنوردها ونحن قلقون حول هذا التقسيم الذي يقول: (كانت النبوّة من نصيب الأمة العربية، والفلسفة من نصيب اليونان، والحكمة من نصيب آسيا). هذا الكلام لا نراه قطعياً، وإنما يمكن إطلاقه على سبيل الكثرة. نعم برزت النبوة بكل تاريخها وتجلياته وتعاليمها المعلنة الباقية حسب معرفتنا في تاريخ الأديان في أرضنا العربية، فإبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وموسى وأخوه، عيسى، ومحمد عليهم السلام كلهم جميعاً عرب، وعاشوا في الأرض العربية. أما الفلسفة فبرزت عند اليونان، فكان سقراط وأفلاطون وأرسطو، وكثير من الأسماء من أيامهم إلى السنوات الأخيرة، وعندما بدأ التلاقح بين الشرق والغرب، غرّبت أفكار النبوة على يدي أسماء كثيرة تنقل أخبارها، وأفكارها، وشرّقت الفلسفة الممنهجة على يد المترجمين في العصر العباسي بتوجيه من الخليفة المأمون، وبتنفيذ من بعض الأسماء زاد المترجمون وأنقصوا في ترجمة الفلسفة، أو على الأقل وضعوا رأيهم فيما ترجموه.
لا باس أن أبدأ هذه الفقرة بما أورده هنري لاوست في مقال له نشر ضمن اعمال المهرجان الألفي لابي العلاء المعري حيث يقول: (شخصية المعري هي من تلك الشخصيات العبقرية الكبرى المتعددة المزايا والصفات التي يصعب على الباحثين عنها وإن لم يستحل – أن يدركوها إدراكاً كلياً، وأن يحددوها تحديداً شاملاً. وكذلك فلسفته، إنها متفنّنة النواحي متباينة الأطراف متناقضة المرامي فقلما تردد الناس في مذهب كترددهم فيها وقلّما العلماء، على تنوّع طبقاتهم في غابر الزمان وحاضره كاختلافهم فيها)
سأبدأ بأهم دارس لأبي العلاء المعري في العصر الحديث: أعني الدكتور طه حسين الذي يقول في ختام أطروحته للدكتوراه التي قدّمها إلى الجامعة المصرية عام 1914م: (إنّ المسلمين لم يعهدوا بينهم في قديمهم وحديثهم فيلسوفا مثله، فقد جمع بين الفلسفة العلمية والعملية، ثم بينهما وبين العلم واللغة. وأبو العلاء هو الفيلسوف الفذ الذي التزم ما ألزم به نفسه في سيرته ولفظه، فحرّم الحيوان، والتزم النبات، وأبى الزواج والنسل، وأراد اعتزال الناس. ثم يصف طه حسين الفلسفة العلائية في ثلاثة فصول: الأول: تخيّل الإنسان العالم خُلق من أجله. ثانياً: من حق الإنسان أن يستمتع باللذات. ثالثاً: عالم لم يخلق نفسه ولم يُخلق عبثاً، وإنما خلقه الإله) .
علماً أننا في مرّات مهمّة يمكننا أن نعدّ طه حسين الذي أحب أبا العلاء من هذه الفئة، ودرس مؤلفاته ووقف عندها، وكتب عنها أكثر من كتاب. “فمرة يعيش معه فيزوره في كتاب “مع أبي العلاء في سجنه”. ومرّة سابقة معه في “ذكراه”. وثالثة في تجديد ذكراه. ورابعة يشارك رئيساً للجنة أنتجت كتاب “تعريف القدماء بأبي العلاء”. إذن أوقف طه حسين سنوات من عمره قارئاً وكاتباً عن شخصية الرجل ومؤلفاته وتوقّف عند شكّه ويقينه إيمانه وقلقه فلسفته وشعره ودينه، ووقف عند كلّ مفصل من مفاصل حياته، ونتاجه الشعري والنثري. ففي موقف نراه يقول عن مرتبة أبي العلاء: (أبو العلاء فذّ يُعَدُّ من هذه القلّة الضئيلة التي يمتاز بها الأدب العالمي الرفيع على اختلاف العصور، فإذا فخر الأدب اليوناني القديم بأبيقور. وإذا فخر الأدب اللاتيني القديم بلوكريس، وفخرت الحضارة الأوروبية الحديثة بأُدبائها وفلاسفتها المتشائمين، فمن حق الأدب العربي أن يفخر بأبي العلاء، فليس أبو العلاء أقلّ من أحدٍ من هؤلاء الممتازين خطراً، ولا أهون منهم شأناً، ولعله يمتاز منهم بفنون من الأدب والعلم التي لم يظفروا بها، ولم يشاركوا فيها. فقد كان أبو العلاء فيلسوفاً عميق الفلسفة، صادق النظر في أمور الحياة والأحياء.)
لقد كانت لأبي العلاء في مجال الفكر والفلسفة جولة، وحاول فكّ لغز الحياة، وحاصر نفسه وقيّد شهواته، وقلق من عدم تطابق المعقول مع المرئي والمسموع والمفهوم والمعاش. فدرس الرجل قضايا الكون والإنسان والحياة والموت والسعادة والتعاسة والحب والبغض والتفاؤل والتشاؤم دراسة عقلية ترتكز على مفاهيم عقلية ترتكز على مفاهيم علمية ثابتة مستقرة، ورأى في بعض الأحيان في الفناء خلاصاً. فقال:
(الأرض للطوفان مشتاقة ​​لعلها من درن تُغْسلُ)
ولم يُعنَ في تفسير المعرفة تفسيراً عقلياً وتحليلها تحليلاً منطقياً والبرهنة عليها، فهو لم يصنف كتاباً بأسلوب تقريري لحلِّ مشكلات الإنسان متناسقَ الترتيب شمولي المنهج، على الرغم من أنه عالج بعض المظاهر بحيرةٍ وترددٍ… فقصّر عن اللحاق بركب الفلاسفة.
نستنبط موقفه من الفلسفة من تعريف الفلسفة نفسها، الذي يقول: إنّ الفلسفة هي البحث عن الحكمة، أو هي حب الحكمة. ومن يسابق أبي العلاء بحب الحكمة والبحث عنها! وقد رأينا أنّ أبا العلاء فيلسوف حقق تلك المرتبة بذاته، فكان صاحب مذهب فلسفي خاص يمكن أن نطلق عليه المذهب العلائي حيث طرح إشكاليات نحن حتى اليوم ما نزال مختلفين في الوقوف على حقيقتها، مختلفين به وعليه، وهو الذي بفلسفته عرف ربّه فعبده عبادة العابد لا عبادة العبيد. ومن أهم عناصر فلسفته ترجيحه العقل وتنصيبه إماما، وكيف لا يكون العقل الإمام وهو الهادي لنا ولولاه ما عقلنا الخير من الشر، ولا عرفنا الحق من الأحق! يقول أحمد أمين: أبو العلاء فرق بين عقليين مطبوع ومسموع. وقد أدان العقل المكوّن وأدان التبعية العمياء، ودعا إلى إعمال عقل السامع، والتابع، فقد احترام الكبار في النقل وأعجب بالمبدعين، فكان يسمي ديوان المتنبي معجز أحمد، وأدان التابعيين، ورفض التطرّف في اتباعه.
أخلص إلى أنّ المعريّ فيلسوف أدرك رسالته في الحياة وعرف نفسه، واختار منهجه المتفرّد، وحقّق مرتبة تخصّه وحده، كانت وسيلته الكلمة شعراً ونثرا وكان في النثر والشرع فيلسوف الحال والمقال، طرح فلسفته العلائية، حتى إنّني أكاد أجرؤ فأقول: إنّه شكّل مذهباً دينياً فلسفياً خاصاً به يمكن أن ندعوه “المذهب العلائي”
رحم الله أبا العلاء موئل كل فارس، وموطن كل لائذ،

المراجع المعتمدة

1. الدكتور حسين مؤنس. تاريخ موجز للفكر العربي. القاهرة دار الرشاد ط1 1996م. صفحة 265
2. عائشة عبد الرحمن، الحياة الإنسانية عند أبي العلاء مطبعة المعارف، القاهرة 1941م ص 65
3. عبد الصبور صلاح، الأعمال الكاملة، دار العودة، بيروت /1977/ ط 3
4. محمد رضا الشبيبي لزوم ما لا يلزم في الأدب العربي. ضمن مهرجان الألفي لأبي العلاء المعري صفحة 347
5. المهرجان الألفي لأبي العلاء المعريّ. دار صادر. بيروت لبنان ط1 عام 1946م المقدمة خليل مردم بك.
6. خليل شرف الدين. أبو العلاء مبصر بين عميان. دار الهلال. بيروت. عام 1995م صفحة 31 -32
7. حسين طه. تجديد ذكرى أبي العلاء المعري.ط6.دار المعارف. 1963م.صفحة 210-211
8. المعريّ. سقط الزند. دار صادر. بيروت. لبنان. 1957م صفحة 94
9. طه حسين، مع أبي العلاء المعريّ في سجنه. القاهرة: دار المعارف،1963م. صفحة 101
10. المعريّ. ديوان اللزوميات. دار طلاس. دمشق 1988م. ط1. شرح نديم عدي. ج3 صفحة 1242

 

*كاتب. سورية.