عبدالعزيز الظاهري
قبل عامين من الان مررتُ بأيام عصيبة، أحسست فيها بضيق شديد لقد جافى عيني المنام، وحرمني لذة الطعام، ولكن بفضل من الله جاء الفرج وتخلصت من ذلك البلاء الذي تسلل الى روحي وكاد ان يقودني الى الهلاك وكان ذلك على يد أحد سكان الحي، والذي ظهر فجأة من أحد الازقة وقد كان في حالة مزرية.
اتجه الي مباشرة وانا اقف بجانب باب منزلي ، وبادرني من دون أن يلقي السلام، وقال:
من يوم عرفت هذه الدنيا وأنا محبوب من الصغير والكبير لا يمكن أن تقام رحلة أو اجتماع من دوني تراني في كل صورة محاطًا بالجميع، الكل يشكو لي همه، ويفشي لي سره وهذا ما أدهش الكثير، فأنا كما تعلم من بيتٍ لا مال ولا جمال، لكن بقاء الحال من المحال، أو كما تقول جدتي عين حاسد..
نعم صدقت جدتي إنها عين حاسد، لقد رأيتها في عيني أحد أقاربي وهو يسدي لي تلك النصيحة الملعونة التي غيرت الحال، وبسببها هجرني الأحباب والأصحاب
لقد قال لي: إلى متى وأنت تابع ويسخر منك الجميع؟
لا بد أن تكون لك شخصيتك، يجب أن يهابك الجميع..
صَمتَ قليلًا، ثم أردف: لقد أطلت في المقدمة حتى أنستني ما أريده..
نعم افتكرت..
لقد استوقفني العم سالم، وقال: أراك وحيدًا شارد الذهن ليس كما عهدتك..
وبدأ يهذي كعادته بكلام كثير لم أحفظ منه إلا اليسير..
ومنه على سبيل المثال:
قوله: يا بُني الناس أصناف أربعة، عندما دخلوا مدرسة الحياة نجح ثلاثة وسُمح لهم بدخول معترك الحياة، بينما استبعد رابعهم، وهو المجنون، لفشله في الامتحان..
والثلاثة هم:
مبدع قادر على خلق الفرص..
ومقلد يقلد المبدع ويتبع خطاه..
وخام على فطرته، ليست لديه قدرة على خلق الفرص، ولا يجيد التقليد، لكنه مكمل للمبدع والمقلد، ليس لهم عنه غنىً، لأنه يرسم البسمة ويمثل الصدق والأمانة، إنه البديل، الرفيق، والصديق الذي تحصل عليه دون عناء، وتتركه متى تشاء..
وبما أن الدنيا أرض ابتلاء، فقد يُحارب الأول، ويُذلُّ الثاني، وقد يكون الثالث محطًا للسخرية..
إنها يا بُني أرزاق وأدوار قسَّمها الرزاق الحكيم بين العباد..
فمن رضي ابتسمت له الدنيا ..
ومن سخط سيعيش حياة النكد، لأنه سيرى ما في أيدي الناس ولن يرى ما في يديه.
والآن ما هو رأيك؟
فأنت كما يقول الناس: إنك تقرأ ما بين السطور وبالكلام مفتون..
ما هو مغزى حكاية العجوز وما سبقها من كلام؟
وبمجرد أن انتهى ذلك الشاب من كلامه عادت لي الحياة..
أحسست بسعادة غمرتني ونشاط افتقدته منذ زمن بعيد..
ووقفت وأنا أكاد أطير من الفرح، ودعوته للخروج لنزهة ولوجبة طعام
أسرع وقال: لقد قبلت الدعوة، ولكن ماذا عن السؤال؟
نظرت إليه وقلت: عندما يشيخ المرء يتعطل كل شيء فيه ولا يبقى إلا اللسان
ما قاله ذلك العجوز هو كلام مجرد كلام!


