د. محمد الصفاح
مفهوم الهوية, مفردة شائعة الاستعمال في كل العلوم الاجتماعية, إذ تشير إلى علم النفس وعلم الاجتماع, وعلم السياسة وعلم الاقتصاد, والتاريخ والقانون, والجغرافيا الاجتماعية, والاقتصادية. وهي علوم, مادتها الانسان, وبمعنى أدق, إن وظيفة هذه العلوم تقوم اساسا على دراسة السلوك البشري, كل من زاويته, وذلك وفق مقاربة تقوم على منهج علمي مضبوط. ومن خلال دراسة الانسان وتحديد جنسه وميزاته, وخصائصه, وبيئته, حددت الهويات, وصنفت. والجذير بالذكر في هذا السياق ان توظيف التاريخ كان حاضرا في دراسة هويات الشعوب, وذلك من خلال دراسة كرونولوجية لعقلية هذه الشعوب, ومستوى وعيها. ومأ تتوفر عليه من مخزون ثقافي ,وارث فكري. وانطلاقا من هذه العناصراوالمعطيات,وضعت خرائط الاستعمار لغزو البلدان المقصودة, واحتلال شعوبها, على أساس أنها هويات رخوة
تفتقر إلى عناصر قوة تحميها. ومن هذا المنطلق يمكن القول ان التاريخ هو البوابة التي ولج منها الى الجغرافيا, آو الطريق المؤدي الى جغرافية العديد من الاوطان.هذا, وعقب اسر الجغرافيا, واهلها, انطلق صراع اثبات الهويات,ووجودها.اذ اقتضى الامر وضع خطط احتلالية يتم بموجبها القضاء على الهويات الاصلية, ليفسح المجال للهوية الغازية التي لا علاقة لها بالتاريخ والجغرافيا والانسان.وقد تمخض الصراع عن ظهور خطاب استعماري يتكلم بلسان ذي لغة مهينة للإنسان وثقافته وتاريخه. وكما يرى مفكرو الغرب ان لكل عصر منهجه وفلسفته وحكمته. وقد تجلت حكمته في بناء خطاب سمي بخطاب عصر الازدهار, آلا وهو زمن او عصر العولمة, وذلك على اساس انها ضرورة استراتيجية فرضها العصر لمواجهة التحديات المطروحة على الساحة الدولية. والملاحظ ان نعومة الخطاب الذي ابدى الخير كله, انما هو مكركله,سعى اهله بالتربص والخداع, وباسم اسماء اصنام لا تعبد(الشراكة الانسانية,الازدهار , ,الحرية الاقتصادية, فتح الاسواق العالمية, توسيع التجارة العالمية ونمو الناتج العالمي, اتساع مساحة الحرية, المساواة, والاندماج في نظام عالمي متطور….) الى الاستحواذ ,والسيطرة على كل شيء, وحرمان الاخر من كل شيء. وفي سياق الحديث عن الهوية, يمكن القول ان هذا الخطاب وما يتعلق به, إنما يعكس قوة شخصية الهوية, الاوهي:
1-الهوية الارية : تتوفر على خصائص وميزات لا تتوفر لأقوام غيرها. (قادتها/ شعوبها) اصحاب السلطة والراي والقرار ,والمال. آما نقيضها فيتمثل في
2-الهوية السامية: تابعة ومحكومة,هامش,خاضع للمركز.هذا,وعلى لسان أرنست رينان جرى توضيح حقيقة الهوتين, إذ الاولى,تمثل الشعوب الاسلامية,بينما الثانية تخص الشعوب الاروبية.وقد اكد في كلامه ان الصراع ضرورة وجودية بينهما, إذ كان وسيظل والى الابد بينهما, وسينتهي حتما بانتصار الحضارة الغربية ,وانتشارها, وذلك بعد هزيمة سلطة الاسلام التيوقراطية التي فيها تتمثل السامية. إذ اعتبران الاسلام لا يملك قوة الاستمرار آلا كدين, لدولة. آن رؤية رينان القائمة على قاعدة الفكر الاستشرافي, عكست وبقوة ابان القرن السادس عشر الإرهاصات العنصرية عن الاسلام واهله,خاصة,والسامية بصورة عامة. وقد نضج هذا الاتجاه ابان القرن التاسع عشر ليصبح فكرا عنصريا بامتيازيصدح صوته عاليا بالتفوق للعرق الاري,وانحطاط العرق السامي, وغيرها من الاعراق والاقوام.ولهذه الرؤية مرجعية فكرية تتقاطع ونظرية رينان المعروفة(الارادة وترتيب الاعراق)التي يوجد في اعلاها عرق الاسياد,والجنود البيض الاريين اما العرق الصيني فهو عرق ذليل يخلو من عزة النفس, وله مهارة يدوية كبيرة,والافارقة زنوج يصلحون للفلاحة.ويتعززالتمييز بين الهويتين بوضع مفاهيم تحمل دلالات وصفية متناقضة تخص كل هوية.فالهوية الارية لها سماتها اللاصقة, من قبيل (الدول السبع الكبرى/ الدول الصناعية/دول الشمال/الدول المتحضرة/الدول المتقدمة…).بينما الهوية السامية فسماتها نقيض الاولى(الدول المتخلفة/دول الجنوب/الدول المستهلكة/الدول النامية/دول العلم الثالث….).ان مسالة تصنيف الناس وفق الاعراق قد جلبت للإنسان منذ الامس والى غاية اليوم كثيرا من السوء والمتاعب ,وذلك لأنه من الدرجة الثانية. فالأفريقي في نظرالاخر,وانطلاقا من ميزان الحكم الحضاري انما هو, كائن, يتوفر على صفات(+اسود/+متخلف/+غير مفكر/……)تجعله مجرد كائن فحسب ,لاانسانا.لكن,بما ان الاروبي,وبناء على ما يتوفر عليه من سمات(+متحضر/+اشقر/+ابيض/+مهيمن/+عاقل/+مفكر/+مبدع/+قوي/+سيد,حر) فهو انسان,قطعا.وعلى هذا الاساس يمكن القول ان المعيار العرقي كان العامل الجوهري ,واساسه في خلق الانقسام الحاد بين الناس, ترتب عنه ظهور مفهومي التفوق,والانحطاط,وقد كانا محوري مضامين الخطاب العنصري المقيت المبني اساسا على تفضيل عرق والتعصب له ضد اعراق اخرى. وقد بدا هذا الانقسام جليا وواضحا اثناء حادثة مقتل المواطن الامريكي ,جورج فلويد ,الزنجي,القتيل على يد الضابط الامريكي,الابيض,لما خنقه بركبته بعد ان طرحه ارضا بعنف شديد,ورغم توسله,واستعطافه قائلا(انني لا استطيع التنفس).ان ما صدر عن المواطن الامريكي,الابيض,تجاه الكائن البشري الاسود تغذيه رمزية بنية الصورة الذهنية الماثلة والمستقرة في اعماق وعيه,بخصوص انعدام التكافؤ بين العرق الابيض النظيف الراقي, والعرق الاسود المنحط.وللعلم,فان عدوانية هذا السلوك,يسهم وبقوة في خلق علاقات اجتماعية متوترة وغير متوازنة بين الناس,تفضي حتما الى ظهوركل انواع الجرائم,ابرزها جرائم القتل على الهوية المبنية على الكراهية والانتقام. ان وجود الاتجاه العنصري بكل مساوئه ابان حقب ما ,ولدى اقوام ما,
يمكن تبريره بعلة عدم الرشد,ومعنى ذلك,غياب الشروط الذاتية والموضوعية لبناء وعي مجموعي يمتلك الاليات القادرة على محاربة هذا الاتجاه اللاانساني. لكن, بالامس القريب,تمكن العديد من الاقوام والامم من خلال النضال ,الانتقال الى عهد جديد وقدتوشح بمنظومة قيمية تملك رؤية جديدة للعالم تعيد الاعتبار للانسان.وبهذا الفعل النبيل تغيرت المجتمعات بعد ان استقر اهلوها على يابسة صلبة, قوامها مفاهيم وقيم جديدة,ملا ضجيجها اركان العالم.اذ امسى الكل يتغنى بالانسان الجديد الذي انجب من صميم رحم عهد جديد, تعهد بتوفيرالحياة الكريمة للانسان,اذ اصبح الكل يتوق الى الدخول الى هذه الجنة الغناء لياكل من ثمارها,الا ان الافعال ,والتجارب قد اثبتت ان هذه الفاكهة لصنف مخصوص من الانسان,ومحرمة اطلاقا على صنف اخر من الانسان,وبمعنى ادق, فان هذا الفتح العظيم بمنجزاته العظيمة له ارتباط اصيل ,وقوي بالعرق الاري ولايخص باي حال من الاحوال الجنس او العرق السامي,الذي سيبقى نكرة,خارج دائرةاهتمام المنظومة القيمية(المساواة/الديمقراطية/حقوق الانسان…….)وكانه البعيرالاجرب الذي لامكان له بين القطيع,باعتباره,حمال مرض ذي عدوى معدية, تفضي عدواها حتما الى موت محقق.وعلى هذا الأساس يمكن القول ان اشكالية الهوية المرتبطة بالعرق قد خلقت صراعا ضاريا أدى الى ظهورمدرستين اثنتين:
1-مدرسة عنصرية :عملت بقوة ,ولازالت على مهاجمة الاعراق والاساءة اليها ,على اساس انها هوية منحطة ,وذلك من قبل مفكرين قدماء ,ومعاصرين ذوي الهويات الارية.ويعد رينان ابرز رواد هذا الاتجاه او المدرسة,اذ قام ورفاقه ببسط السنة السوء,تعبيرا عن كراهية وبغض العرق السامي.وقد ظلت هذه المدرسة تسهر مخلصة على اداء وظيفة الاستقطاب ,اذ انخرط فيها بعشق وصدق كثير من المتعلقة قلوبهم بروح الكراهية والتعصب والعنصرية تجاه عرق بعينه,فظلوا ولازالوا على النهج والوفاء بالعهد, لتحقيق مزيد من التالق في مجال الصراع العرقي,الذي يعتبرثابتا من ثوابت العقلية الاستعلائية,المناهضة للاخر.
2-مدرسة القيم:, في سياق الجهود التي بدلت من قبل الفكر التنويري ,اذ تمكن اهله ومفكروه من استثمار المفاهيم التقدمية الجديدة التي اسفر عنها الصراع النضالي الفكري, وذلك من خلال ترسيخها في البنية الفكرية والاجتماعية للانسان الجديد قصد العبورالى مرحلة جديدة ,الا وهي, مرحلة القيم.اذ من خلالها استطاع الانسان ان يصنع عقلا جديدا ونظيفا, يؤمن بالعلم ولأشيء غير العلم,اذ بواسطته تحرر العقل من الجمود الذي كبل ارادة الانسان,فتحقق الابداع الفكري في كل الاتجاهات,مما ادى الى تغييرحياة الانسان اذ خرج من عتمة التهميش الى انوارالسيادة والريادة ,المحصنة بسلطة العقل,و العقود,والعهود,والقوانين المنظمة لحركة الحياة,وذلك بعد ان كانت خاضعة وبالملطلق لسلطة قوانين الكنيسة القائمة على فلسفة الدجل ,والارتجال.وعلى هذا الاساس يمكن القول ان الصراع الفكري الطاحن بين النور والظلام قد انجب فكرا تنويريا اعاد قراءة العديد من المفاهيم الاجتماعية, والسياسية والاخلاقية,وصاغ رؤية جديدة للعالم والانسان والمجتمع ,وفق قيم جديدة,ادت بمجموعها الى خلق مدرسة قيمية جديدة,عمادها الانسان,وما يتعلق به.والجديربالذكرفي هذا المقام ان هذه المدرسة بما حملت من قيم,لم تكن وفية في خدماتها للانسان ككل, لكن وفاءها ظل مقتصرا على صنف مخصوص من الانسان,الا وهوالانسان الاري,في حين,تم اقصاء او الغاء العرق او الهوية السامية,على اساس انها هوية منحطة,وعليه يمكن القول, ان رؤية هذه المدرسة من الزاوية الواقعية,العملية,انما هي حزبية نخبوية,لاتجاوز الذات.ولعلها كبوة ,اوسقطة اخلاقية,الحقت الضرربمبادئ وقيم مدرسة الحركة التنويرية ,لما اخلت بقيمة وحقيقة المساواة, كحق من حقوق الانسان.ان هذا الوضع المتناقض على مستوى الفعل او الانجاز قد قسم الانسان, الى انسان, واللاانسان,وافرز علاقات متوترة ,مرجعيتها الانا العليا,المتفوقة.فالانسان من وجهة نظر الحركة التصحيحية , على مستوى الخطاب ,هو مركز الكون.اما على مستوى الممارسة فهو مقيد بالهوية.بمعنى ان الانتماء العرقي يلعب دورالتمييز والفصل بين الانسان الاسمى, والإنسان الادنى. ان الثنائية الضدية في حق الانسان المبنية على الهوية قد خلقت شرخا عميقا بين الانسان واخيه الانسان, ولعله سلوك يتعارض وروح الانسجام مع المنظومة القيمية التي صاغت رؤية جديدة للانسان.وامام معضلة الهوية واشكالية التضاد,(انسان/اللاانسان) يقف اهل الفكر ,والراي صامتين صمت اهل القبور,حيال ما يجري على ارض الواقع,فيما يعانيه العرق السامي من قهر ,وازدراء,وعنصرية,وعنف…وهي ممارسات لااخلاقية,تجرمها القوانين الحقوقية.لكن الاحساس بالتفوق اسقط هذه القوانين وغيرها, فاصبح العالم كغابة تخضع لارادة القوة.وبقراءة واعية للواقع والوقائع يدرك الانسان ان العالم يخضع لفلسفة العنف الذي اكتوى بناره اقوام كثيرة,وذلك لاسباب ترتبط بالهوية.وبتزكية من الخطاب السياسي اضحى العنف يتمدد الى مناطق عدة تعد موطنا للقيم الانسانية.الشئ الذي يؤدي الى تهديد السلم الاجتماعي .وهذا ماحذرمنه احد البرلمانيين الاروبيين,حينما اشارالى وجود اصوات لديها نزعات واتجاهات مضادة لمعاني القيم الانسانية,التي تم تحقيقها ببدل كثير من الجهد والتضحيات.وتبدو مصداقية ما ورد على لسان هذا المتكلم,ظاهرة وجلية من خلال الحرب الضروس التي شنتها العدو الاسراىيلي على قطاع غزة المحاصر,اذ استخدمت كل انواع الاسلحة الواردة من ديار الفضل والكرم التي تربى اهلوها على القيم الانسانية التي تغنوا بها سنين عددا على اساس انها انجيل الزمان والمكان,لكن يبدو ان فلسفة ذلكم الانجيل ورؤيته وثقافته لم تكن لتؤمن بكل الامكنة ما دامت ترتبط بهوية ليس بحوزتها صك غفران يشفع لها عند اهل الحل والعقد,الذين ولوا وجوههم قبل المعتدي الغاشم فاووه وناصروه,فسقطوا وسقطت قيمهم ,اذ تبين بعد ان اسفرت عن وجهها انها مجرد شعارات جوفاء لاعلاقة لها بحقيقة القيم ومعانيها الانسانية. انما هي نظام اودستوريخص فئة مخصوصة من البشر,ليست كباقي البشر.يبدو ,ولاريب,ان القيم التي غزا صيتها الافاق,قد شابها العوج,فاصبحت عاجزة ولاسباب متعددة عن اداء دورها بصدق وامانة تجاه بني البشر كافة.وعلى هذا الاساس تكون مدرسة القيم قد فشلت اخلاقيا, لما فرقت بين الانسان ,واخيه الانسان.ولتجاوز هذا الخلل الاخلاقي القائم اساسا على تفضيل العرق الاري وتمجيده,دون غيره من الأعراق,ينبغي العمل,وبشراكة انسانية ,على خلق بديل, لمدرسة القيم,يكون قادرا على تجاوزالأزمة او المحنة الأخلاقية, الانسانية ,التي خلقتها مدرسة القيم,المرتبطة بالهوية العرقية.ويتمثل هذا البديل في انشاء مدرسة انسانية ,تلعب او تقوم بدور البطل الساعي الى اسقاط وتكسير صنم العرق الذي تستقر قدسيته,وهيبته في اعماق وعي ولاوعي المتعصبين له. وذلك من خلال تحرير مفهوم الهوية من الدلالة العرقية, والعنصرية, وشحنه بدلالة انسانية,تسقط النظرة العرقية,لتعبر عن حقيقة الانسان ككائن بشري,يتمتع بهوية انسانية.ولعله امر جلل, لن يتحقق الا اذا عملت المدرسة الانسانية, وبإرادة وشراكة انسانية على اسقاط حزب الهوية العتيد,وبناء حزب الانسانية القادر على اخراج الانسان الكوني من شرنقة الهوية الضيقة التي عصفت بالعلاقات الانسانية, الى مجال انساني ارحب ينشد الاعتراف بإنسانية الانسان.اليس هذا ما ناضل من اجله عقل وفكر عصر الأنوار؟ اعلم ايها القارئ الكريم ان المدرسة الانسانية انما هي مجرد فكرة لن توجد ابدا على ارض الواقع مادام الصراع الوجودي قائما بين الهويتين, الفوز فيه للابقي ,والانقى ,وليس للاشقى.اليس كذلك عزيزي القارئ؟





