رحلة حمد بن محمد الجاسر إلى الجزائر وأثرها في توثيق العلاقات الثقافية الجزائرية السعودية
ا.د.رضوان شافو*
من يتتبع تاريخ العلاقات الثقافية بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، يجد أن جذورها تمتد إلى العصور الإسلامية الأولى، حين شكلت الرحلات الجزائرية إلى بلاد الحجاز أحد أبرز جسور التواصل الحضاري، فقد ارتبطت تلك الرحلات بطلب العلم، والهجرة في سبيله، وممارسة التجارة، فضلا عن أداء مناسك الحج، الأمر الذي أسهم في توثيق الصلات العلمية والثقافية بين المشرق والمغرب الإسلامي، وفي المقابل، نادرا ما نجد رحلات موثقة من بلاد الحجاز إلى بلاد المغرب العربي، على الرغم من أن كثيرا من المصادر التاريخية تشير إلى هجرة قبائل بني هلال وبني سليم من شبه الجزيرة العربية، ولا سيما من نجد والحجاز، واستيطانها مناطق واسعة من شمال إفريقيا.
ومن هذا المنطلق، انصرف اهتمامي إلى تتبّع نماذج الرحلات العكسية التي انطلقت من بلاد الحجاز نحو المغرب العربي، فاستوقفتني رحلة المؤرخ السعودي حمد بن محمد الجاسر إلى الجزائر سنة 1972م، والتي جاءت في سياق بحثه عن المخطوطات ونفائس الكتب، وقد عُرف حمد الجاسر بشغفه بتوثيق أسفاره، إذ كان يدوّن مشاهداته وانطباعاته في مختلف رحلاته إلى الأقطار العربية والأوروبية، وينشرها تباعا في “مجلة العرب” و “جريدة اليمامة”، قبل أن يجمعها في كتابه الموسوم «للبحث عن التراث: رحلات حمد الجاسر»، الصادر سنة 1400هـ/1980م.
وقد استهل الجاسر هذا الكتاب برحلته إلى الجزائر، التي خصّها بعنوان «جولة في المغرب العربي الحديث»، وهو اختيار يكشف المكانة التي أولاها لهذه الزيارة ضمن تجربته السفرية، إذ تكتسب هذه الرحلة أهمية خاصة بوصفها وثيقة تسجل جانبا من العلاقات الثقافية بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، وتقدّم شهادة مباشرة على ملامح الحياة الثقافية والعلمية في الجزائر خلال مطلع سبعينيات القرن العشرين، كما تعكس رؤية مثقف سعودي للجزائر ولمؤسساتها العلمية والثقافية، الأمر الذي يضفي عليها قيمة تاريخية ومعرفية تتجاوز حدود المشاهدة والانطباع، لتغدو شاهدا على أحد وجوه التواصل الفكري والثقافي بين البلدين.
لم تكن زيارة المؤرخ والمُحقق التراثي حمد بن محمد الجاسر إلى الجزائر وليدة رغبة في السياحة أو الترفيه، وإنما جاءت ثمرة تداخل دافعين رئيسيين: صحي وعلمي، فقد كان يعاني آلامًا في الظهر دفعته إلى مغادرة أجواء العمل المتواصل باحثا عن الراحة والعلاج، فكانت القاهرة محطته الأولى حيث أمضى قرابة أربعين يوما يتلقى العلاج، غير أن شغفه بالعلم والبحث لم يفارقه، إذ استثمر فترة إقامته في مطالعة كتب الرحلات المتعلقة بالحج، ليكتشف ما تختزنه من معلومات تاريخية وجغرافية واجتماعية ثرية عن الجزيرة العربية، وما يمتاز به علماء المغرب العربي من إسهامات رائدة في هذا الفن، وإذ علم أن عشرات من مؤلفاتهم لا تزال حبيسة خزائن المخطوطات في مكتبات المغرب العربي العامة والخاصة، فوجد في ذلك حافزا قويا لشد الرحال إلى بلدان المغرب العربي، ومنها الجزائر، طلبا للمصدر الأصيل واستكمالا لمشروعه العلمي، ولم يكتف حمد الجاسر بالبحث والتنقيب، بل حرص على أن يسجل مشاهداته وانطباعاته، مقتفيا أثر الرحالة المسلمين الذين جمعوا بين الرحلة والعلم، فجاءت زيارته للجزائر محطة علمية وثقافية تعكس عمق اهتمامه بالتراث العربي ورغبته الدائمة في استكشاف منابعه الأصيلة.
وعلى الرغم من تحذير أحد معارفه من السفر إلى الجزائر وما قد يلاقيه فيها من مشقة، أظهر حمد الجاسر ثقة كبيرة في قدرته على تحمل أعباء السفر، مؤكدا أن الصبر وحسن الإعداد كانا نهجه الدائم في مواجهة المتاعب، وعندما اصطدم بإشكالية الحصول على تأشيرة الدخول الى الجزائر، لم يكن اعتراضه نابعا من عدم رغبته في زيارة الجزائر، وإنما من حرصه على عدم تأجيل رحلته أو الإخلال بجدولها الزمني، إذ كانت وجهته العلمية الأساسية تتمثل في الوصول إلى المغرب للاطلاع على خزائن المخطوطات وكتب الرحلات، ومن ثم جاءت عبارته: «ولا أريد زيارة الجزائر» تعبيرا فرضته ملابسات الموقف الإداري وضيق الوقت، لا موقفا من الجزائر أو أهلها.
على أي حال، وبعد أن استكمل حمد الجاسر إجراءات السفر والحصول على التأشيرة، غادر إلى الجزائر على متن الخطوط الجوية الجزائرية، في رحلة مرّت بمحطتي توقف في طرابلس وتونس، قبل أن تحط رحاله في الجزائر العاصمة، وهناك أقام في أحد فنادق المدينة، بتنسيق ومساندة من الملحق الثقافي السعودي في سفارة المملكة العربية السعودية بالجزائر، الأستاذ محمد بن عبد السلام.
مع بداية أول أيامه في الجزائر، ومن خلال انطباعاته ومشاهدته وهو يتجول بشوارع الجزائر العاصمة، لاحظت بأنه كان ينظر إلى المدينة بعين المؤرخ المتأمل الذي يقرأ في تفاصيل المكان صفحات من التاريخ، فقد أدهشه ذلك الحراك الاجتماعي الذي رآه في شوارعها، حيث المقاهي الصغيرة تضج بالحياة، والشباب يملؤون فضاءاتها في مشهد يشي بحيوية مدينة استعادت أنفاسها بعد سنوات طويلة من الاحتلال الفرنسي، ومع ذلك فقد خالجه شعور بالغربة وهو يرى بعض ملامح المدينة تحمل طابعا أوروبيا، حتى أحس كأنه يتجول في إحدى المدن الأوروبية، فكانت عبارته «غريب الوجه واليد واللسان» تعبيرا عميقا عن أثر الحقبة الاستعمارية التي تركت بصماتها على العمران والمشهد الحضري، غير أن هذه الغربة لم تحجب عنه مظاهر النهوض الوطني التي بدأت تتشكل في الجزائر المستقلة؛ فقد لاحظ انتقال أسماء الشوارع والميادين من الرموز الفرنسية إلى أسماء الشهداء والعلماء الجزائريين، ورأى في ذلك محاولة واعية لاستعادة الذاكرة الوطنية وتأكيد الانتماء الحضاري للشعب الجزائري، لقد أدرك الجاسر أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال للأرض، بل كان مشروعا استهدف الثقافة والرموز والهوية، ولذلك أشار إلى أن إزالة آثاره العميقة تحتاج إلى جهود كبيرة ومتواصلة.

ومن أبرز الملامح الثقافية التي سجلها حمد الجاسر في رحلته زيارته للمكتبة الوطنية الجزائرية، وهي زيارة كشفت له عن ثراء رصيدها من المخطوطات، ولا سيما مخطوطات الرحلات، الأمر الذي انسجم مع شغفه بالمصادر الأصيلة وحرصه الدائم على الإفادة منها في بحوثه التاريخية والجغرافية، كما شهدت هذه الزيارة لقاءه بالمجاهد والمؤرخ محمد قنانش، الذي كان يتولى آنذاك رئاسة قسم الأبحاث بالمكتبة، فغدا هذا اللقاء إحدى أبرز المحطات العلمية والإنسانية في رحلته، فقد وجد فيه عالما دمث الخلق، متشبعا بأخلاق العلماء، استقبله بحفاوة وأطلعه على جانب من الجهود التي كانت تبذلها المكتبة في حفظ التراث المخطوط وصيانته والتعريف به، ولم يقف هذا اللقاء عند حدود حسن الاستقبال، بل تحول إلى حوار علمي ثري، عرّفه خلاله قنانش بمعرض المخطوطات الذي أُقيم ضمن فعاليات أسبوع الكتاب، وعرض عليه عددا من نفائس المخطوطات، وفي مقدمتها مخطوطة «الأنس الجليل»، التي استوقفت الجاسر لما اشتملت عليه من زيادات علمية قيّمة لم ترد في النسخ المطبوعة، كما تبادل الباحثان الحديث حول مخطوطات الرحلات ورحلات الحج، في مشهد يعكس روح التعاون العلمي بين الباحثين العرب، ويبرز الدور الريادي الذي اضطلعت به المكتبة الوطنية الجزائرية في صون التراث العربي والإسلامي، وإتاحته للباحثين، وتعزيز الدراسات العلمية القائمة على مصادره الأصيلة.
ومن الجوانب التي استوقفتني في هذه الرحلة أيضا ما كشف عنه حمد الجاسر من عمق صلته بالشيخ البشير الإبراهيمي، أحد أعلام الإصلاح في الجزائر، ورئيس جمعة العلماء المسلمين الجزائريين خلفاً للشيخ عبد الحميد ابن باديس، وهي صلة تجلت بوضوح عندما لفت انتباهه أحد شوارع العاصمة الجزائرية الذي يحمل اسم هذا العالم الجليل، ومن خلال سرده لهذه الواقعة يتبين أن علاقتهما لم تكن مجرد معرفة شخصية عابرة، بل ارتقت إلى مستوى التواصل العلمي والثقافي الذي أسهم في توثيق الصلات بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، فقد جمع الرجلين الانتماء إلى رحاب العلم والأدب، وعضويتهما في مجمع اللغة العربية، الأمر الذي أرسى بينهما علاقة قامت على التقدير المتبادل والاحترام العميق، وعززها الاشتراك في خدمة اللغة العربية وصيانة تراثها، ويستعيد الجاسر في رحلته ذكرى زيارة الشيخ البشير الإبراهيمي له في الرياض، وما أحاطها به من مظاهر الحفاوة والتكريم، ليقدم صورة ناصعة للعلاقات الأخوية التي ربطت علماء البلدين، تلك العلاقات التي تأسست على المحبة الصادقة، والاحترام المتبادل، والتعاون في خدمة الثقافة العربية والإسلامية، ولم يكن استحضار الجاسر لاسم الشيخ البشير الإبراهيمي عند مروره بذلك الشارع مجرد استدعاء لذكرى شخصية، بل حمل دلالة رمزية عميقة؛ إذ رأى في تخليد اسمه في أحد معالم العاصمة الجزائرية تعبيرا عن المكانة الرفيعة التي يحتلها في الذاكرة الوطنية والثقافية، وشاهدا على إسهام العلماء في بناء جسور التقارب بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، وترسيخ أواصر الحوار العلمي والثقافي بين الشعبين.
وفي سياق متصل، تكشف رحلة حمد الجاسر إلى الجزائر عن الأثر البالغ لابتعاث الأساتذة والمثقفين السعوديين للتدريس فيها، بوصفه أحد أبرز روافد التواصل العلمي والثقافي بين البلدين، فقد أشار الجاسر إلى لقائه بالأستاذين ابن عبد السلام ومحمد المعتاز، وهما من خريجي دار التوحيد ومن خيرة رجالات التعليم، كما ذكر الأستاذ أحمد بن عبد الرحمن الغنيم، الذي أوفدته وزارة المعارف السعودية للعمل في الجزائر، مستحضرا ما جمعه بهم من صلات علمية سابقة، وما يكنّه لهم من تقدير واحترام، وتكتسب هذه الإشارات دلالة خاصة إذا ما استُحضرت الظروف التي أعقبت استقلال الجزائر، حين اتجهت الدولة إلى استقطاب الكفاءات التعليمية من مختلف الأقطار العربية، ولا سيما من مصر والعراق وفلسطين والمملكة العربية السعودية، للإسهام في ترسيخ التعليم العربي وتلبية احتياجات المؤسسات التربوية الناشئة، وفي هذا الإطار، لم يقتصر دور الأساتذة السعوديين على أداء رسالتهم التعليمية داخل قاعات الدرس، بل امتد ليغدو رسالة ثقافية وإنسانية أسهمت في توثيق أواصر الأخوة والتعاون بين الشعبين، حتى غدوا سفراء لثقافتهم، يجسدون قيم العلم والتواصل، ويعززون جسور التعارف بين النخب الفكرية والعلمية في الجزائر والمملكة العربية السعودية، كما يعكس حديث حمد الجاسر عن حفاوة استقبالهم وكرم ضيافتهم عمق العلاقات الأخوية التي نشأت بينهم وبين المجتمع الجزائري، ويبرز المكانة التي حظي بها المعلم العربي في مرحلة بناء الدولة الوطنية.
بالإضافة إلى ذلك فقد كشفت قراءة حمد الجاسر لحركة الصحف والأدب في الجزائر عن نظرة واعية ومتابعة دقيقة لمسار الثقافة الجزائرية، فقد رأى أن هذا البلد قد انفرد بتجربة أدبية متميزة تمثلت في وجود أدبين متجاورين؛ أحدهما باللغة العربية والآخر باللغة الفرنسية، ورغم اختلاف منابع التكوين ووسائل التعبير بينهما، فقد جمعتهما روح وطنية واحدة، وانشغالا مشتركا بقضية الإنسان الجزائري وبحثه عن هويته في ظل تجربة استعمارية قاسية، وقد أبرز الجاسر الدور الريادي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في بعث الأدب العربي وصيانة مقومات الشخصية الوطنية من خلال نشر التعليم وإحياء اللغة العربية وتشجيع الشعر والنثر، مؤكدا أن هذه الحركة الإصلاحية كانت منطلقا لأدب حمل هموم الأمة ومهّد للوعي الثوري، وفي ذات السياق أدرك حمد الجاسر أن الثورة التحريرية الجزائرية لم تكن حدثا سياسيا وعسكريا فحسب، بل كانت منبعا غزيرا للإبداع الأدبي، حيث تحولت القصيدة والقصة إلى سجل للبطولات والتضحيات، وصارت الكلمة شاهدة على نضال شعب بأكمله، ولم يغفل الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، فرأى فيه تعبيرا عن مأساة تاريخية معقدة، إذ وجد الكاتب الوطني نفسه مضطرا إلى استعمال لغة المستعمر ليخاطب بها العالم ويكشف معاناة شعبه، فبرزت أسماء أدبية استطاعت أن تجعل من اللغة الفرنسية أداة للدفاع عن الهوية والقضية الجزائرية مثل مولود فرعون، وكاتب ياسين، ومحمد ديب.
وبالإشارة إلى أهمية الصحافة والمجلات الثقافية بالجزائر فقد اعتبرها حمد الجاسر فضاءات حاضنة للحركة الأدبية، وترسيخ الهوية الوطنية، فمن خلال حديثه عن المجلات والجرائد الجزائرية، يتضح أنه لم ينظر إلى الصحافة باعتبارها مجرد وسيلة إعلامية، بل باعتبارها مؤسسة ثقافية أسهمت في احتضان الأقلام الشابة وتعريف المجتمع بالإنتاج الأدبي، خاصة بعد الاستقلال، وقد لفت انتباهه تنوع المنابر الصحفية والثقافية التي نشطت في الجزائر، مثل مجلة “آمال” التي كانت تنشر أعمال الشباب من قصة وشعر، و”جريدة الشعب”، و “جريدة المجاهد”، ومجلتي “الثقافة” و”الأصالة”، وهي مؤشرات رأى فيها دليلا على حيوية المشهد الثقافي الجزائري وحرص الدولة والمؤسسات الثقافية على رعاية الإبداع، كما أشار إلى أن دور النشر الفرنسية ظلت الأكثر نشاطا، تليها دور النشر اللبنانية، وهو ما يعكس – في نظره – استمرار تأثير اللغة الفرنسية في المجال الثقافي الجزائري إلى جانب تنامي حضور العربية.
ما يمكن قوله في الأخير هو أن رحلة حمد بن محمد الجاسر إلى الجزائر قد كشفت عن صورة ثقافية ثرية تجاوزت حدود الوصف، لتغدو وثيقة تاريخية ترصد ملامح الحياة الفكرية والعلمية في الجزائر بعد الاستقلال. فقد أبرزت دور المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها المكتبة الوطنية الجزائرية، وعمق الصلات التي جمعت الجاسر بالعلماء والمثقفين الجزائريين، بما يجسد التواصل الثقافي بين المشرق والمغرب العربيين، كما سلطت الضوء على إسهام الأساتذة السعوديين في دعم الحركة التعليمية والثقافية، وعلى حيوية المشهد الثقافي الجزائري وتنوع منابره، فضلا عن خصوصية التجربة الأدبية الجزائرية التي جمعت بين الأدب العربي والفرنسي في إطار هوية وطنية واحدة وانشغال مشترك بقضايا الإنسان الجزائري.
*باحث جزائري اكاديمي




