شعر: آدم دانيال هومه.
نهضتِ من رقادِ الطفولةِ باسقةً كعمودِ نور
كأنَّ الفجرَ كان ينتظرُ صحوكِ منذ ابتداء الخليقة
وكأنَّ شمساً تائهةً بين أروقة السماء وجدتْ في عينيكِ مرفأها الأخير.
نهضتِ، فارتجفتْ ستائرُ الليل وتناثرتْ عن كتفيكِ بقايا الأحلام
وتفتّحتْ في دروبكِ زنابقُ لم تطأها خطواتُ الربيع.
كان الصباحُ يطلُّ من إشعاع وجهكِ
وكانتِ الطيورُ تتعلّم من شفتيكِ أولى تراتيلها
وتحملُ إلى الغابات بشارةَ الضوء الذي انبثقَ من ابتسامتكِ.
حين تهمسين لي تشعلين النارَ في الكلمات
فتنهضُ الحروفُ من رماد صمتها وترتدي أجنحةً من لهب
وتحومُ حول قلبي كفراشاتٍ أضاعها الربيع ثم اهتدتْ إلى حدائقه.
حين تهمسين أسمعُ نداءً بعيداً قادماً من أعماق الأزمنة
وأرى أبوابَ المدن القديمة تُفتح أمام خطاي
وأرى ملوكَ آشور ينهضون من نقوشهم كي ينصتوا إلى رنين صوتكِ.
من بين رؤوس أناملكِ تتفتّح براعمُ الضياء
وتنسابُ أنهارٌ صغيرة من الحنان
فتغسلُ عن روحي غبارَ المنافي وتعيدُ إلى دمي خضرةَ الحقول الأولى.
أناملكِ عصافيرُ من نور كلّما مرّتْ على جرحي أورقَ
وكلّما لامستْ جبهةَ الليل استفاقتْ نجومه من سباتها الطويل.
أنتِ ابنةُ الفجر التي خبّأتْها الآلهة في صدفةٍ من ضياء
ثم أطلقتْها حين أثقلَ الحزنُ كاهلي
لتكوني لي نافذةً على السماء ووطناً لا تطاله جيوشُ الرحيل.
وفي ظلمة عينيكِ أسلكُ طريقي إلى منتجعات الآلهة
فأرى الحدائقَ المعلّقة تنهضُ من غبار القرون
وأرى بابلَ تنثرُ أساورها الذهبية على ضفائر المساء.
في ظلمة عينيكِ لا أضلُّ الطريق
فكلُّ عتمةٍ فيهما مزيجٌ من الأسرار والنجوم
وكلُّ خطوةٍ إلى أعماقهما تقودني إلى فردوسٍ لم تطأه أقدامُ البشر.
هناك… على شرفات الحلم تجلسُ عشتار تصفّف شعرَ الفجر
وتغسلُ وجهَ القمر بماء الفرات
ثم تهبكِ من سحرها وردةً ومن خلودها قبساً لا ينطفئ.
وأسمعُ صوتَ دمكِ يتأجّج فوق صدري
كخفق جناحي نسرٍ يستعدُّ لاقتحام العاصفة
وكقرع طبولٍ قديمة توقظُ فيَّ جنودَ الأحلام.
أسمعهُ في هدأة الليل نهراً من نار يتدفّقُ في عروقي
ويعيدُ ترتيبَ نبضي حتى يغدو قلبي معبداً آشورياً لا تسكنه سوى صلواتكِ.
ابتساماتكِ تضيءُ المسافة ما بين نجمة الصبح وقلبي
وتقيمُ جسراً من الياسمين فوق هاوية الوحشة
فأعبرُ إليكِ خفيفاً كنسمة الصباح
طاهراً كدمعة طفل ممتلئاً برائحة المطر.
حين تبتسمين تتهاوى أسوارُ الحزن وينكسرُ سيفُ العتمة
وتخرجُ من كهوف روحي طيورٌ ظلّتْ دهوراً تخشى فضاءها.
حين تبتسمين تتزينُ الأرضُ بأقراط الندى
وتنفضُ أشجارُ اللوز ثلوجَها البيضاء
ويستيقظُ نيسان على خفقات قلبي.
وحبكِ يزهرُ على امتداد وادي الرافدين
من منابعه الأولى حتى آخر نخلة تتوضّأ بماء الجنوب
ومن سفوح الجبال حتى السهول التي تنام بين ذراعي دجلة والفرات.
حبكِ سنبلةٌ في يد فلاحٍ سومري وترنيمةُ كاهنٍ عند بوابة أدد
وقنديلٌ حمله العابرون في ليل نينوى كيلا يبتلعهم الضياع.
حبكِ صلصالُ البلاد المقدّس منه صنعتُ قلبي
وكتبتُ فوق ألواحه أولى شرائع العشق
ثم ختمتُها باسمكِ وأودعتُها في خزائن الأبد.
أنا النسرُ المهجور في عشّه منذ ابتداء الخليقة
أحصي مواسم الغياب وأنتظرُ ريحاً تحملُ إليَّ رائحةَ جناحيكِ.
أنا النسرُ الذي أضناه التحليق فوق خرائب السنين
وكلّما لمحَ سراباً حسبه وطناً
وكلّما عانقَ غيمةً انهمرتْ من بين جناحيه دموعاً ورماداً.
وحدكِ أعدتِ إلى جناحيَّ ذاكرةَ السماء
وإلى مخالبي قوةَ التشبث بالصخور
وإلى عينيَّ بريقَ الأعالي.
قلتِ لي: انهضْ! فالفضاءُ الذي خُلقتَ له ما زال ينتظرك
والقممُ التي عرفتْ خطاك لم تنسَ ظلالك
والريحُ التي حملتْ صرختك ما زالتْ تردّدها في أودية الزمان.
وأنتِ التي انبثقتِ من نشيج دمي
كما تنبثقُ الوردةُ من جرح التراب
وكما يولدُ النهر من دمعة جبل
وكما تنهضُ الأغنيةُ من صدر نايٍ جريح.
انبثقتِ من كلِّ آهٍ كتمتُها
ومن كلِّ حلمٍ ذبحته سكاكينُ الأيام
ومن كلِّ نافذة أغلقتها رياحُ الغربة في وجه الصباح.
فصرتِ لي أرضاً وماءً… خبزاً ونبيذاً
وترنيمةَ أمٍّ تجمعُ أطفالها تحت جناحي الدعاء.
حبكِ قفصُ النار على شاطئ الفجر
أدخلُه مختاراً ولا أبتغي خلاصاً
فالنارُ التي تسكنه لا تحرقني بل تصهرُ عن روحي صدأ السنين.
أيُّها القفصُ المضيء أغلقْ أبوابك عليَّ
ودعني أسيراً بين قضبان اللهب
فما عادت الحريةُ تعني لي شيئاً إذا لم تكن طريقاً إليها.
دعوني أحترقُ في جحيم عينيها
فربما كان الاحتراقُ في محراب الحب وجهاً آخر للخلود
وربما كان الرمادُ بذرةَ نور تبحثُ عن سماء.
ورودُ شفتيكِ تتفتّحُ كمواويل نايٍ جريح
فيتضوعُ العطرُ في جنبات السماء
وتترنّحُ النجوم كأنها شربتْ من خمرة أنفاسكِ.
شفتاكِ بوابتان من ياقوت
إذا انفرجتا عن ابتسامة دخلَ الربيعُ إلى مدائن قلبي
وتزيّنتْ شرفاتها بأكاليل البنفسج.
وإذا نطقتا اسمي شعرتُ بأنني وُلدتُ من جديد
وأنَّ كلَّ ما مضى لم يكن سوى طريقٍ طويل إلى تلك اللحظة.
أما إذا صمتنا
فإنَّ الصمتَ بينهما أبلغُ من ألف قصيدة
وفي ارتعاشة الشفتين حكاياتُ عشقٍ تعجزُ عنها ألواحُ بابل كلّها.
يا امرأةً نسجتْ من ضوء القمر رداءها
وغسلتْ جدائلها بماء المجرة
ثم هبطتْ إلى الأرض لتعلّمني كيف يكون الحبُّ صلاة.
يا امرأةً إذا مشتْ تمايلَ خلفها الضوء وتزاحمتِ الفصولُ عند قدميها
فهذا الربيعُ يقدّمُ لها أزهاره
وذاك الخريفُ ينثرُ ذهبَ أوراقه فوق دربها.
إذا مررتِ بأرضٍ قفراء انفجرتْ فيها الينابيع
وإذا لامسَ ظلُّكِ جداراً حزيناً تسلّقتْه الورود.
لكأنَّ الخليقةَ لم تكتملْ في يومها السادس
فظلَّ في صدر السماء سرٌّ أخير
حتى جئتِ أنتِ فاكتملَ الجمال واطمأنَّ الله إلى صنعه.
أنا الذي أمضى حياته يجمعُ فتاتَ الضوء من نوافذ العابرين
حتى أتيتِ فأشرقتْ في روحي شمسٌ كاملة.
وأنا الذي كان يسألُ كلَّ نجمةٍ عنكِ
وكلَّ قافلة تمرُّ بصحراء القلب
وكلَّ طائرٍ مهاجر يعبرُ سماء وحدتي.
كنتُ أبحثُ عنكِ في وجوه النساء وفي مرايا البحيرات
في كتب الأساطير وفي الأغاني التي تركها
العشّاق على أرصفة الرحيل.
ولم أكن أعلمُ أنكِ كنتِ تنامين في أعماق دمي
وتكبرين هناك بهدوء شجرة
حتى حانت ساعةُ الربيع فأزهرتِ في قلبي.
فخذي يدي ولنمضِ معاً إلى حيث لا تصلُ أقدامُ الزمن
إلى جزيرةٍ لا يعرفُ الحزنُ اسمها
ولا تحفظُ الريحُ طريقَ الرحيل إليها.
خذي يدي ولنكتبْ على الرمل عهدَ المحبة
فإنْ محته الأمواج كتبناه فوق النجوم
وإن حجبتْه الغيوم نقشناه في قلب الشمس.
سأحبكِ حتى تتعبَ الجهات من حمل خطانا.
وحتى ينسى الليل كيف يُسدِل أستاره
وحتى تجفَّ بحارُ الأرض ولا يجفَّ في دمي نبعُ هواكِ.
سأحبكِ ما دام في نينوى حجرٌ يذكرُ أجنحةَ الثيران
وما دام في بابل طيفُ عاشقةٍ تنتظرُ حبيبها عند بوابة عشتار.
سأحبكِ ما دام دجلةُ يروي للنخيل حكاياته
وما دام الفراتُ يحملُ إلى البحر رسائلَ العشاق.
وإذا انطفأتْ مصابيحُ السماء سأقتطعُ من قلبي قبساً
وأعلّقه فوق دربكِ كي لا تتعثري بحجارة الظلام.
وإذا هبّتْ رياحُ الخريف عليكِ سأصنعُ من أضلعي سياجاً
ومن ذراعيَّ غصنين يظللانكِ
ومن دمي موقداً يردُّ عنكِ صقيعَ الغياب.
أنتِ البدءُ حين تتبعثرُ البدايات
وأنتِ خاتمةُ الدعاء حين يعجزُ المؤمنون عن الكلام.
أنتِ القصيدةُ التي ظلَّ قلبي يبحثُ عن قافيتها
وأنتِ النغمةُ التي انتظرها نايُ روحي منذ أول أنين.
فلا تسألي لِمَ أحببتكِ
فهل يُسألُ النهرُ لماذا يحبُّ البحر؟
وهل تُسألُ السنابلُ لماذا تعشقُ الشمس؟
وهل تسألُ الأرضُ عن سرِّ افتتانها بالمطر؟
أحببتكِ لأنكِ أنتِ
ولأنني حين أراكِ أرى نفسي كما تمنيتُ أن أكون
نقياً من الخوف… مضيئاً كطفلٍ يانع
وحراً كنسرٍ استعاد سماءه.
وها أنذا أقفُ على شاطئ الفجر تحيطُ بي نيرانُ حبكِ
ولا أملكُ غير قلبي أقدّمه قربانا لعينيكِ.
فخذيه وازرعيه في أرضكِ واسقيه من صوتكِ
لعلَّه يصيرُ شجرةً تستريحُ تحت أغصانها طيورُ الحنين.
وإذا جاء المساءُ وتعبتِ من طول المسير
ضُمّيني إلى صدركِ
ودعي رأسي ينامُ فوق خفقاتكِ
فليس لي بعد عينيكِ بيت ولا بعد قلبكِ وطن.
هناك… سأسمعُ صوت دمكِ يتأجّج فوق صدري
وسأرى من بين أناملكِ براعمَ الضياء تتفتّحُ من جديد.
وهناك… ستضيءُ ابتسامتكِ المسافةَ كلَّها
ما بين نجمة الصبح وقلبي
ويزهرُ حبكِ على امتداد وادي الرافدين
وتتفتّحُ ورودُ شفتيكِ كمواويل نايٍ جريح
حتى يتضوعَ العطرُ في جنبات السماء.
وحين يسألني الأبدُ مَن هذه التي حوّلتْ رمادكَ إلى نجوم؟
سأشيرُ إليكِ وأقول: هذه حبيبتي
هذه التي نهضتْ من رقاد الطفولة باسقةً كعمود نور
فأيقظتْ في دمي الخليقة كلها
وأعادتْ إلى النسر المهجور عشَّه
وجناحيه
وسماءه.




