حسين زين الدين الإدريسي
لطالما وقف الإنسان المحافظ على دينه، وعرفه، وثقافته، كالشجر الصلب المعاند للعواصف وشتى التحديات التي تحاول كسره وإسقاط هيبته، إلى أن يتلقى الضربة القاضية التي تسلب فيه القوة الجسدية، لكن روح المقاومة تبقى ثابتة شامخة لا تتزعزع ولا تضعف، الإنسان المحافظ في مقاومة دائمة مع مغريات التغيير، والسير مع التيار الأغلب، ومن القضايا المعاصرة التي تستحق الانتباه والمعرفة، وتهدد حدود المحافظة: قضية “العولمة”.
وقبل الخوض في لب الموضوع، لابد من تقديم لمحة خاطفة تشمل التعريف لمصطلح “العولمة”، الذي أثار جدلاً واسعاً بين المثقفين والمهتمين، من يرى فيه تقدماً حضارياً عظيماً ينير البشرية، ومن يراه خطراً محضاً على الخصوصيات، وعلى الاستقلالية. إن هذا المصطلح مع شيوعه في القاعات الأكاديمية، إلا أنه قليل الاستعمال في حياة الشارع، وينبغي التشهير به حتى تعم معرفته جميع الطبقات المعرفية.
“العولمة” في اللغة: مصدر على وزن (فوعلة) مشتق من العالم، بمعنى: جمع النشاطات الإنسانية على نطاق عالمي، وترجع التسمية إلى القاموس الإنجليزي، الذي أطلق عليها كلمة “Globalization” لأول مرة، ويعرفها “إسماعيل صبري” بأنها: التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك، دون اعتقاد يذكر للحدود السياسية ذات السيادة، أو انتماء إلى وطن معين أو دولة محددة! ولديها أكثر من تعريف، لست في صدد حشرها، وألتزم الاختصار قدر الإمكان؛ حتى لا يتشعب الموضوع.
التعريفات كلها تحوم حول فكرة واحدة، وهي: تحويل العالم إلى ما يشبه قرية واحدة، أو بيتاً واحداً، كتعبير عن اختراق الفواصل الفكرية وغيرها، بين الأمم والشعوب، ويعود أصل هذه الظاهرة لقديم الزمان، منذ قرون سحيقة، إلا أن ظهورها الأكبر بدأ مع 1991 بعد سقوط “الاتحاد السوفيتي”، وقد ذكر “جلال أمين” في كتابه “العولمة” ما مضمونه، أنها موجودة منذ القدم لوجود بعض مظاهرها: كازدياد العلاقات المتبادلة بين الدول، أو في انتشار المعلومات، أو في تأثير أمة ما على غيرها من الأمم، لكن وجودها الفعلي يرتبط بتقدم التكنولوجيا، والاتصال، والتجارة، واختراع البوصلة، والأقمار الصناعية.
فالعولمة اكتساح معلوماتي، وصناعي، وفكري على الصعيد العالمي، وهذا الاكتساح هو الذي تحول لمصدر قلق في نهاية المطاف؛ حيث أصبح الإنسان المحافظ على تراثه وثقافته، ينظر إليه كأنه بدائي _لأنه عكس التيار المسيطر_ أو_ بالأحرى_ لم يقلد الثقافة الغربية، ولم يخض مع الخائضين، هذه الظاهرة أصبحت خطراً كبيراً، وتهديداً للمجموعات المحافظة، وللعامة من الناس، الذين لا يتمتعون بنسبة ما _ولو قليلة_ من المعرفة والوعي، خاصة مع تقدم الثروة الرقمية التي غزت الكوكب، وأصبحت الاتصالات في يد الجميع، بما في ذلك الأطفال الصغار، وازدهار الصناعة والابتكار في تلك المجالات لدرجة تفوق التصور، والنتيجة كارثية، إذ تحول الإنسان المعاصر إلى كائن يركض وراء إدمان لا يشبع، وتم تسميم وعيه؛ بما يعرض على الشاشات، الذي غالباً ما يكون للترويج لأفكار تخالف الفطرة، ومخلة بالحياء والمروءة بطرق أفلام ممتعة، أو مقاطع صغيرة لتزجية الوقت، كما هو الملاحظ في تطبيقات مثل “تيك توك” و”فيسبوك” و”إنستغرام”.
لا شك أنه مع ما يحمله عالم “السوشيال ميديا” من المؤانسة والإفادة، وما له من دور اقتصادي بارز، إلا أنه أشبه ما يكون بمنجم ذهب يضم نفايات نتنة، ولا أعني -بالطبع- التقليل من الصناعة والتطور؛ إذ ليس بمقدور أحد إنكار فضل الثروة الرقمية، فكم أفادت، وسهلت الكثير في الأبحاث العلمية، والحياة على العموم، لكنها سلاح ذو حدين يفتك بالمستخدم إذا لم يحسن الاستخدام بشكل متميز وبناء.
ما الثورة المعلوماتية، والاتصالية، سوى تمظهر من تمظهرات “العولمة”، وملحوظ أثرهما في تغيير المجتمعات المتمسكة بقيمها وأعرافها وتقاليدها، وخطرهما كبير، خاصة في هذه الفترة بالتحديد، فترة اكتساح الثقافة الغربية وطغيان الصوت المادي الفارغ على المنصات الإلكترونية، المجتمعات المحافظة في مواجهة شرسة لهذا التيار الجارف الساحر، الذي يحمل غزواً فكرياً، عن طريق عرض “ريلزات” في مواقع التواصل، ظاهرها الكوميديا والثقافة، لكنها تحمل ترويجاً مدسوساً للثقافة الغربية، وتحقير ما سواها من الثقافات المحترمة والجميلة، أضف إلى ذلك سخرية في الدين، وتحسين القبيح، وتقبيح الحسن، ومن الملحوظ انحلال الأخلاق، وانطفاء العادات الجميلة التي تحرسها العزلة في السالف قبل غزو الاتصالات، ففي الوقت السابق يقل صدى التافهين، ويشعرون بنسبة ما من الغربة، فقد لا يتوفر لهم جمهور مصفق للسخافة، وفي عصر “العولمة الاتصالية” قد خلا لهم الجو ليمارسوا ما شاؤوا أمام العالم، مستقطبين ملايين المتابعات واللايكات، ويعد ذلك من السلبيات الصارخة على وجه التحضر العصري المسموم، تحضر يتصدر فيه الأغبياء والتافهون المشهد. إن أعلى المشاهدات والمتابعات، تجدها من نصيب المغنيين وعارضي الأزياء والحسابات الرياضية، في حين ترى حسابات العلماء والأدباء والمحترمين خاوية، كأنها بيوت مهجورة، بلا زوار، وبلا تفاعل؛ الأمر الذي يعبر عن سيادة التافهين وثقافتهم في عصر الاتصالات!
وهذه حلول متواضعة للحفاظ على الوعي والقيم في عصر “الاتصال العولمي”:
1- استخدام الجهاز بذكاء: وذلك بتنظيم الوقت وفقاً للأولويات المهمة، وعدم وضع الجوال على رأسها، إلا لضرورة ملحة؛ فالإكثار من استخدام الجوال يؤدي إلى إدمان يضيع الوقت فيما لا فائدة فيه، ويفوت على المسلم العبادة التي خلقه الله من أجلها {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} واستخدامه لمرضاة ربه، بمتابعة الدروس العلمية عليه، وما يعود إليه بالنفع في الدنيا والآخرة.
2- تجاهل المحتوى الهابط: وذلك بعدم التفاعل؛ فمنصات التواصل تحكمها “الخوارزميات” وهي تكتشف اهتمامات المستخدم من خلال ما يتابعه بكثرة؛ لذلك من المهم عرض المحتويات الرفيعة فقط، لضمان نظافة الشاشة من الأوساخ البصرية والفكرية.
3- متابعة الحسابات المفيدة: كالحسابات التي تقدم معلومات عامة قيمة، عن الدين، والسياسة، والاقتصاد، والتاريخ.
4- بناء حس نقدي: بأن لا يصدق المستخدم كل ما يطرح أمامه، والتساؤل والتحري في المنشورات، ولا يأخذ الأخبار إلا من المواقع الرسمية، كما يحذر من عمليات التزييف التي شاعت وكثرت مع وجود “الذكاء الاصطناعي” الذي يفتعل صوراً كاذبة ومقاطع مفبركة كما لو أنها حقيقة، بمقدوره تقليد نبرة الشخصيات المشهورة من العلماء والرؤساء لإلقاء خطاب مثير للفتنة، ويلعب بعواطف الناس.
5- بناء فاصل يقي من ضرر العولمة المعلوماتية: ويتمثل ذلك في الاهتمام بالحياة الطبيعية ومحاولة النجاح فيها، بدلاً من السعي الحثيث وراء عالم افتراضي طلباً لشهرة صورية ومكانة شكلية، والعودة إلى أحضان الكتب! إن القراءة أفضل فاصل وبديل؛ لما لها من الفضل في تغذية العقل، ورفع مستوى الوعي، والثقافة، والحس النقدي، وتقدم تصوراً صحيحاً للعالم والناس، هي بوصلة نحو النور المعرفي الذي يكمن فيه الخلاص، والكتاب خير رفيق، كما قال “أبو الطيب المتنبي”: وخير جليس في الزمان كتاب، وقد ورد في الأمثال الطارقية مثل جميل يعبر عن أهمية الكتب ودورها في تنوير العقل ومعرفة الأخبار، وهو: “إسلان أقّاننتن أظّمان” ويعني أن الحكمة تكمن في طيات الكتب، بناء على الترجمة المعنوية. مطالعة الكتب خيار مناسب لانتشال المجتمعات من جهل المنصات الإلكترونية، ومعرفة التعامل مع عالم “العولمة” بصورة لائقة، والتكيف الجميل مع القضايا والتيارات الطارئة، واكتساب حصانة فكرية تحمي المجتمعات.
هذا وإن العولمة الاتصالية (التي من ضمنها منصات التواصل الاجتماعي) شأنها كشأن الأفكار التي لا تحمل ضررا بحد ذاتها، وإنما يحدد الأمر طريقة استخدامنا لها، إما عن طريق الخير أو الشر، على النحو الصحيح أو الفاسد!
المصادر والمراجع:
1- العولمة، جلال أمين.
2- العولمة وأثرها على الهوية الثقافية، عبد الوهاب المسيري، أنموذجا، مذكرة تم تقديمها لنيل شهادة الماستر في الفلسفة، في جامعة قاصدي مرباح في ورقلة، بتاريخ: 30/06/2019.
3- العولمة وأثرها على الأنشطة التسويقية في المؤسسة الاقتصادية الجزائرية، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماستر في العلوم التجارية، في جامعة قسنطينة بالجزائر، سنة 2014.





