المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

باربيكيا رواية د.عطيات أبو العينين د. صلاح معاطي

قراءة نقدية د.عزة بدر

باربيكيا

• الحب هو مفتاح السعادة

• تفاصيل رهيفة ورسائل معبرة

• أساطير الحب الحقيقية

• أن تعشق الشعر لتكتب القصة

تقترب رواية “باربيكيا” من عالم السيرة الروائية، فهي تعتمد على استلهام أحداث واقعية، الرواية تحكي قصة حياة شاب وفتاة في مقتبل العمر، يواجهان مصاعب الحياة، ويكتشفان قدرة الحب على دفع الحياة الإنسانية نحو المستقبل، وإشراقات التحقق والاكتمال. وتتفرد الرواية بأن من كتبها كاتبان تميزهما فرادة الموهبة، وتدفق السرد، وعذوبة الأسلوب، وهما في الوقت نفسه زوجان أديبان، يرويان أحداثها برهافة وعمق وهما د.عطيات أبو العينين، ود.صلاح معاطي، الرواية صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2020.

• تفاصيل رهيفة

الحب هو مفتاح الحياة، وثمرة تلك الرواية التي صورته كقيمة معنوية تغير مصائر الأفراد ويشكل حيواتهم. تعمر الرواية بتقنيات عبرت عن مشاعر أبطالها مثل استخدام تقنية الرسائل المتبادلة، والحوار والبوح من خلال التدفق في التعبير عن الذات والشعور.

فتعمر الرسائل بالتفاصيل الرهيفة، بالذكريات، بالأمكنة التي عبرت جميعا عن تيار الشعور، والعاطفة العميقة لفتاة تجاه عن تيار الشعور، والعاطفة العميقة لفتاة تجاه خطيبها فتقول د.عطيات أبو العينين على لسان بطلتها:

“حبيبي/ اليوم عيد ميلادي، أحتفل به وأنت معي، كان بالأمس جميلا، ونحن نجلس معا في “باربيكيا” يتهادى إلى سمعي صوت “فيروز” أعطني الناي وغني فيزيد حبك في قلبي، كأن الحب لا يعرف سوانا”.

لم يكن أمامي خيار آخر حتى أكون معك، أخرجت علبتي القطيفة الحمراء، التي تحوي ذكرياتنا وأيام عمرنا الماضية، وإن كان العمر يقاس بتلك اللحظات السعيدة، فمعناه أن حياتي بهذا المظروف، تفوح منه رائحة الزمن العتيق، يحوي تذاكر جميع الأماكن التي زرناها معا: حديقة الحيوان، الأورمان، سينما مترو، الأتوبيس النهري، والميرلاند، ننتقل بين المساحات الخضراء الواسعة، والألعاب المسلية من عروض الأسماك وإبهار الدولفين، والملاهي الكبيرة، أتذكر لعبة الباليرينا، وطبق الكريستال الذي كسبناه معا، ما زلت أختفظ به، بحيرة الميرلاند، والبط يلعب من حولنا، ونحن نحاول لمسه من المراكب الصغيرة، فأظنني بطة أقفز لقفزاتها، وأضحك لضحكاتها، أين نحن منها الآن، وباربيكيا يالروعته أرض السعادة، لتي نقضي فيها أروع لحظاتنا، التي تدفقت دفعة واحدة، فروت الأرض البور بعد جفافها، كل يوم له مذاق خاص”

• ورقة شجر وقلب

تتصل الرواية بأعراقها بملامح رومانسية، وتستروح ذكرى الكتاب الذين شكلوا الوجدان، بتصويرهم للعواطف الإنسانية العميقة مثل محمد عبد الحليم عبد الله فتقول الكاتبة:” عرفت ماذا يعني حبيبي، وماذا يعني البعاد، ورغم صغر المظروف فهو يحوي ساعاتنا الحلوة، أجد فيها سلوتي في بعدك عني فأسترجع أحلى الأوقات، وأشعر بأنفاسك تلفحني، “أخرجت ورقة مطوية بعناية وسط رواية “بعد الغروب” لمحمد عبد الحليم عبد الله، التي كنت تقرؤها، وجدت ورقة شجر احتفظنا بها لغرابتها، على شكل قلب مازالت غضة تحتفظ بريها وطلاوتها، وكأنه قلبي الذي ينبض بحبك، ظلت الورقة القلب ممشوقة القوام كأنها مبتسمة فرحة سعيدة كالفرحة التي شهدتها يوم احتفظنا بها بين طيات الرواية”.

• أساطير الحب الحقيقية

   وتتعلق بطلة الرواية “توتي” بنماذج الحب العميقة الحقيقية التي تمثل رمزا للوفاء والإخلاص، ومواجهة الصعاب فتذكر القصة التي جمعت بين الأمير “أغاخان” وفاتنته الفرنسية بائعة الورد”إيفيت لابيدوس”حيث جمعت بينهما الصدفة في أواخر الثلاثينات، في حفل ملكي بمصر، بعد فوز “لا بيدوس” بلقب ملكة جمال فرنسا عام 1938، وأحبها وتزوجها الأمير” أغاخان” رغم أنها كانت تصغره بثلاثين عاما، وقد عانت قصة الحب من التقاليد الاجتماعي، وتذكر الكاتبة تفاصيل القصة زنجاحهما بقوة الحب في الزواج، بعد عام من لقائهما، وفضلا الإقامة في أسوانفي قصر شيده الأغاخان لزوجته حتى وافته المنية، ومع شروق شمس كل يوم جديد تأتي البيجوم”أم حبيبة”لتضع زهرة حمراء في كأس من الفضة على قبره.

وهنا تقول “توتي” بطلة الرواية” إن كانت “إيفيت لابيدوس” أو البيجوم أم حبيبة مالكة قلب “أغاخان” “فأنا البيجوم مالكة قلبك”.

وتستلهم” توتي” قصة هذا الحب ونموذجه في التغلب على العقبات التي تواجه المحبين، فتقول”فهناك الكثير من المعوقات التي مازالت تقف حجرات عثرة في طريقنا، لكننا لن نستسلم لها، فإذا كان المنطق العقلي يضع الكثير من المستحيلات أمام فصة حبنا، فالحب يفرض منطقه العجيب، كما حدث بين “البيجوم وأغاخان”.

• صانع المعجزات

ويأتي تصوير مشهد لقاء “تحسين” العامل بمقهى “باربيكيا” بابنته “ريم” بعد فرقة وغياب مؤكدا عللا معجزات الحب واللقيا، فيقول الكاتب د.صلاح معاطي مصورا هذا المشهد على لسان بطله ” يقف “تحسين” في وسط “باربيكيا” يفتح الباب لتظهر “ريم” بصحبة”عطيات” فتاة صغيرة سمراء، دقيقة ملامحها تشبه والدها إلى حد بعيد، تدخل قلقة متوترة، “تحسين” ينظر إليها بين الشك واليقين، يبحث في ثنايا وجهها عما يؤكد لها أنها بالفعل ابنته “ريم” تنفرج ملامحه شيئا فشيئا، يبدو عليه التأثر، كل منهما يقترب من الآخر، وقد تعلقت عيونهما ببعضهما، يتعانقان وهما يجهشان،أ نظر إليهما أنا و”توتي” في تأثر ونحن نقاوم البكاء، ثم نتحرك بعيدا حتى نترك الرجل وابنته داخل باربيكيا” ثم يأتي سرد الكاتبة مدعما هذا المشهد ومعلقا عليه في أكثر رسائلهماالنصية توحدا وتفاعلا فتقول:

“حبيبي/ أكتب لك في العاشرة موعدنا المعتاد، لا تتصور مدى السعادة التي أشعر بها بعد أن أعدنا “ريم” إلى أبيها، وكأن حبنا مارد أسطوري بيده مفتاح الحياة يحقق به المعجزات”.

• الإلهام والإبداع

ويبرز الحب كقيمة ةدافع للإبداع في كلمات بطل الرواية”صلاح” “الحب مع ألمه وعذابه فيه توهج، ذلك التوهج الملهم الذي يؤجج المشاعر فيفجر الإبداع”.

وعندما صارجته البطلة “توتي”بما تعانيه من حيرة في اتخاذ قرارها بخصوص الارتباط به، فهو يجسد مشاعر حزنه وألمه من حيرتها تجاهه فيقول:” لم أدر بنفسي فنمت، كنت أظن أن الشمس لن تشرق بعد اليوم، والناس سيلجأون إلى الكهوف، ومعالم الحضارة ستختفي من على وجه الأرض”. وحتى الشخصيات الهامشية التي التقي بها بطل الرواية “صلاح” فقد أوصاها بالارتباط عن حب، كما نصح زميلته”عزة” التي توفى خطيبها الذي تحبه، فكادت تستسلم لعرض “فواز” بالزواج، ولما استيأست من الفوز بمشاعر “صلاح” الذي يحب خطيبته “توتي” قبلت الزواج من “فواز” فحال لونها وذهب جمالها، وتنتهي حياتها بالذبول والأفول، وكأن الكاتب على مقولة ماركيز “الناس لا يشيخون إلا عندما يتوقفون عن الحب”.

• عشق الشعر

وكما كان الحب دافعا للإلهام والإبداع في حياة “صلاح” فقد كان حب الفنون وعشقها دافعا مؤثرا في كتاباته، فهو يحكي عن تأثير يحيى حقي في حياته الأدية، فهو أول من أرسل له قصة لتنشر في جريدة “الأهرام” وهو الذي قال له:” حتى تكتب القصة جيدا، يجب أن تعشق الشعر الجاهلي، والقرآن الكريم سوف يحسن لغتك” فيقول “صلاح”:”فتوجهت إلى سور الأزبكية لشراء دواوين الشعر الجاهلي.

ويقول “صلاح” في موضع آخر:معبرا عن محبته لأستاذه “يحيي حقي”: مع يحيى حقي شعرت أنني أمام شخص آخر، أعرفه منذ زمن بعيد، ربما قبل أن أولد”.

• حب العمل وتحقيق الذات

ومن القيم الأساسية التي تبرزها الرواية، العمل كقيمة والسعي له لتحقيق الذات، فيصف الكاتب تفاصيل عمله، وبداياته معتما على نفسه في توفير نفقات الدراسة والزواج وفي بساطة آسرة يقص علينا تفاصيل غمله، وكذلك “توتي” التي تسعى هي أيضا للبحث عن عمل وتطوير ذاتها فأصبح “صلاح” مذيعا وكذلك هي وصدر عمله الأول” انقذوا هذا الكوكب” واتجاهه لكتابة القصة العلمية أو قصص الخيال العلمي، التي شجعه “نهاد شريف” على المضي قدما في كتابته.

كما يصف “صلاح” تأثره بقصة لنهاد شريف، بعنوان “رقم 4 يأمركم” ويذكر مقابلته له وحديثهما عن قصص الخيال العلمي، عندما قال له نهاد شريف : تخيل أنك تعيش عام 3000 فهل ستجد المشاكل نفسها، التي يعاني منها البشر الآن، وإذا انتقلت إلى كوكب آخر، ماذا سيكون شكل الحياة؟ هل ستجد كائنات يشبهوننا؟ هل ستتعامل معهم؟ وغيرها من الأسئلة .

• الرسائل وحيوية السرد

أضافت الرسائل بعدا حيويا للسرد، وتضمنت حكايا أخرى ثانوية حققت عمقا لأبعاد الشخصيات الرئيسية للرواية، وعلاقتها بالآخرين، كما كشفت الرسائل المتبادلة عن عناصر الاهتمام بتمية الذات وتطوير المهارات الشخصية، وتطلع البطل والبطلة إلى مستقبل أفضل، وعالم من المشاعر الراقية.

لكن بدت بعض الرسائل كأنها إفضاء للذات أكثر منها تفاعلا وتبادل لوجهات النظر بين الحبيبين، وكأن كل طرف يسرد منفردا فمثلا تقول “توتي” في رسالتها إلى خطيبها” عدت إلى المدينة وأنا منهكة القوى، قدماي قد تورمتا، صداع شديد يدق رأسي بعد اللف والدوران، نمت طريحة الفراش، ويبدو أنني لن أذهب غدا إلى الشرق للتأمين أو الكلية أو الخدمة العامة، فالحمى تنتشر في جسدي، لا تتصور الدوامة التي أشعر بها، أفكر أن أرحل إلى “بورسعيد” وأترك كل شيء، تعبت ولا أجد نتيجة لما أفعله، ترى ما الحل؟ ص215.

وتأتي الرسالة من الخطب لتحكي عن عالمه هو ولم يجب عن أسئلتها أو يخفف من معاناتها حيث كان من المفترض أن تكون درجة التفاعل وتبادل المشاركة أكثر عمقا في هذه النوعية من الرسائل.

أضافت الرسائل أيضا حيوية تغيير الأمكنة والانتقال بالقاريء من مكان لآخر بما يحمله من أحداث وشخصيات فهناك مشاهد من مركز التدريب الذي يؤدي فيه البطل خدمته، ومشاهد من المدينة الجامعية التي تقيم فيها “توتي” ومرة لآداء الخدمة العامة كمشرفة اجتماعية، وهناك سفرات بحثية إلى بعض القرى مثل قرية “قلما” بمحافظة القليوبية، والإسكندرية، وأسوان.

كما أصبح “باربيكيا” مكانا مفعما بالدفء والمشاعر والمحبة، والذي يتم وصفه في مفتتح الرواية وصفا شاعريا:

” باربيكيا يا حكايات العشق الأزلية، وستائر الحب المخملية، يا مكاننا الأثير المطل على مجرى النهر العظيم، القابع بجوار مبنى ماسبيرو العريق، نهرع غليك عيونا ترنو، وقلوبا تهفو، وأقداما تنهب الأرض نهبا شةقا للحظة لقاء، وأيد منداة بعرق الخجل، ووهج المغامرة، تتلامس في حياء وجرأة، تلكؤ ولهفة، إحجام وإقدام. هي لحظة تستيقظ فيها كل المشاعر النائمة وتنام فيها كل الأحاسيس البغيضة، تنساب ناعمة لا تراها بعينيك بل تحسها بمشاعرك المتوثبة، فيحتويك خدر لذيذ، يشمل خلاياك وأنسجتك وأوصالك، ويصبح الكلام همسا، والصمت حوارا، والعيون شخوصا والأيدي أفئدة”.

رواية “باربيكيا” خلدت قصة حب اكتشف بطلاها عمق الصدق، والإيمان بالحب كطاقة تغيير وبناء، ومن خلاله واكتشاف عوالم أخرى ملهمة تدفع قدما نحو الإبداع والابتكار.

***