المجلة الثقافية الجزائرية

باليرينا الدموع

حنان العسيلي
وقفت أمام مرآتها تمشط شعرها،فتقوم تارةً بتصفيفهِ لسنبلاتٍ رقيقة،وتارةً أخرى تفكه وتتركه منسدلًا متطايرًا على ظهرها.
نظرت لوجهها الذي انتصر على ملامحهِ بعض الشحوب جرَّاء مداهمةِ قوى الدموع لها ليلًا..هكذا فجأةً دون سابقِ إنذارٍ!
حاولت أن تتغلب على ذلك المظهر بأن تُخفي بعضًا من ملامحها بخصلاتِ شعرها الأمامية.
ثم جلست تتأمل لوحة المفاتيح على جهاز الحاسوب الخاص بها لتبكي حروفها شيئًا جديدًا،فبلا هدفٍ وبلا إدراكٍ أخذت تُزيح عن كاهلها بعض الثقل وبعض الآلام المتراكمة.
لم تستطعْ كلماتها تلك المرةِ مواساة أوجاعها!
تذكرت موسيقى الروح،هكذا هي أسمتها، للموسيقار التركي: عُمر فاروق،تحديدًا مقطوعة”Sweet trouble” ،تركت أوراقها وأقلامها جانبًا ،وقامت لتتمايل بدموعها وكل أحزانها على أوتارِ تلك الموسيقى،وفجأة تذكرت حُلمها القديم بأن تصير يومًا ما ” باليرينا”،فاستمرت في رقصاتها وتمايلها ناظرةً للمرآةٍ تتفحص جسدها جيدًا ،وتطمئن بأنه لا توجد لديها أية زيادات في وزنها،وبأنها لازالت محتفظةّ برشاقتها،أو نحافتها على حد تعبير البعض،ولكن الرقص ليس حكرًا لصاحباتِ الجسدِ الرشيق،وإنما تتميز به كل أنثى ذات روحٍ رشيقة ..
مع كلِّ حركةٍ ورقصةٍ كانت أوجاع الكون تصطدم بثنايا روحها كاصطدامِ السحب لتنهال عبراتِها كالمطر!
ومع كلِّ حلمٍ مضى تتراقص عبراتها..
ومع كلِّ أمنيةٍ لازالت طفلةً في المهدِ ،تتأرجح عبراتِها بين السكون والطيران.
وحين يصمت صوت موسيقاها في المكان ،تشعر وكأن ثرثرة الكون تتراقص فوق أوتارِ أوجاعها وحيرتها.
فتجلس واضعةً يديها فوق أذنيها كي لا يُزعجها صوت الواقع..
ثم تعود لمرآتها تنظر لوجهها الذي بلَّلَتهُ الدموع،فتشعر بأنه قد عاد قليلًا لصفائهِ كصفاءِ السماء حين تنزع الأمطار عن كاهلها الثقل والأوجاع .