بقلم: سفيان بن عون.
التمهيد
“إن قراءة عمل مّا، تجربة لا تقل أهمية عن السفر أو الوقوع في الحب” وحين يتحدث بورخس عن السفر والحب رابطا إيّاهما بعملية القراءة، فإن قوله يبدو جميلا و رائقا ومفرحا أيضا. ولكن الكلام يخفي وجها مناقضا تماما لما قد تذهب إليه قراءة أولى.صحيح أن في السفر متعة وبهجة و كذلك هو الشأن مع الحب، ولعلّ الأمر مع الثاني أكثر توهجا. لكن لا يجب أن ننسى أن في السفر كما في الحب أيضا مخاطر وأهوال. فالتيه والهلاك أثناء السفر ممكن، كما أن الموت أو الجنون مصير و مآل الكثير من العشاق والتاريخ حافل بالأسماء في هذا السياق. وبهذا فإن الاشتغال على عمل إبداعي ليس أمرا هينا، فعملية القراءة تتداخل في إنتاجها أطراف كثيرة بالإضافة إلى أنها في حد ذاتها عملية بناء وإعادة تركيب وتصميم. ففي الرواية مثلا هناك الذات المنتجة، ذلك أن “النص بنية دلالية تنتجها ذات” والذات كما سبق وأن أشرت إليه، هي في البداية ذات المؤلف ثم بدرجة ثانية ذات القارئ، ينضاف إلى ذلك سياقات قد تدخل في بناء هذه الدلالة كزمن الكتابة وزمن القص/الحكاية. وحتى زمن القراءة يمكن له أن يغير أو يبدل في عملية القراءة وإنتاج أو بناء المعنى.
وفي رواية ” تانيتا” للكاتب التونسي” عبد القادر اللطيفي” نجد أنفسنا في مواجهة نص محير. فالرواية بسيطة ومعقدة في نفس الوقت، كثيرة الفصول لكنها ليست ضخمة، لغتها شديدة الوضوح منسابة ولكنها متشابكة ومفخخة، رقيقة كرقة “تانيتا/تاجة” ولكنها جارحة وموجعة ومخاتلة.
1 -في العتبات:
في إحدى كتبه النقدية “أثر الواقع” أصر بارت على التمييز بصراحة بين الواقع التاريخي والواقع الأدبي، معتبرا أنه وإن بدا لنا بعض تماثل بين العالمين، فإن التمييز بينهما ضروري. وهذه واحدة من الإشكاليات التي يطرحها نص” تانيتا ” خاصة وأن الأمكنة والأحداث والوقائع فيها الكثير مما شهدته وعرفته المدينة. كما يصرّ بارت أيضا على فكرة أساسية ثانية وهي، أن “الأدب لا يعرف الضجة/الصدفة”. وتعد العتبات واحدة من مكونات النص الأساسية وعنصرا من عناصر أدبيّته التي يمكن استنطاقها وربط صلة ما بينها وبين المتن رغم أن الكثير من القراء لا يولونها الكثير من الاهتمام. ويمرون عليها مرور الكرام حتى أن بعضهم يكتفي بقراءة العنوان، وفي أقصى الحالات تنشأ بينهم وبين صورة الغلاف علاقة انبهار لا غير، ليمروا مباشرة إلى المتن دون محاولة عقد أية صلة بين النص وعتباته. ولكن “جيرار جينات” أولى المسألة عناية خاصة وأنجز قراءة دقيقة لها* والعتبات عنده هي، “كل التفاصيل الطباعية التب ترافق العمل الأدبي والنصوص المحيطة بالمتن” والتي تندرج تحت ما يسميه ب “باراتاكست” وهي”مجموع النصوص المحيطة بمتن الكتاب من جميع حواشيه وهوامش وعناوين رئيسية وأخرى فرعية وفهارس ومقدمات وغيرها من سياقات النشر المعروفة”
وقد قسم “جينات” النص المصاحب/الموازي في كتابيه “طروس” العتبات” إلى نوعيْن:
*أ- مصاحب نصي داخلي: ويحتوي المصاحب النصي الداخلي على اسم المؤلف والعنوان والعناوين الفرعية الداخلية والغلاف بكل ما فيه وكذلك الحاشية إن وجدت.
* ب- مصاحب نصي خارجي: ويتفرع بدوره إلى جزءيْن.
١/مصاحب نصي تأليفي خاص بالمؤلف: ويحتوي على كل ما يصرح به الكاتب حول كتابه في الحوارات المكتوبة أو اللقاءات الإعلامية . وهذا النوع من المصاحبات هو تقريبا شبه غائب بالنسبة لكاتب رواية “تانيتا’ ربما باستثناء حوار أجريته معه على أمواج إحدى الإذاعات التي كنت أشرف فيها على برنامج ثقافي يعنى بالكتاب وإصداراتهم. زد على ذلك فإن القارئ لا ينتبه في أغلب الأحيان لمثل هذا النوع من المصاحبات لأنه مواز للنص وليس محايثا له.
٢/ مصاحب نصي نثري خاص بالناشر: وهو ما يكتبه الناشر عن النص وغالبا ما يكون في الصفحة الرابعة. وفي الحقيقة فإن المصاحب النصي وإن بدا مجاورا للنص قبله أو بعده أو على هامشه، فهو ذو مكانة مركزية ويساهم مساهمة فعالة في إضاءة المعتم وتوضيح ما قد يخفى ويجليه للمتلقي. “إن المصاحب النصي فضاء هام، فرغم ما يبدو عليه في الظاهر من انحسار إلا أنه أوسع مما نتوقع. فهو منطقة غير محددة، أي واقع على تخوم الداخل (النص ذاته) والخارج (الخطابات الخارجية) في حدود المتون التي تتحدث عن النص.” وبالنسبة لهذا العمل فسنركز جهدنا على محاولة فهم المصاحبات النصية الداخلية واستنطاقها باعتبارها الأكثر حضورا و وضوحا في الرواية.
المصاحب النصي الداخلي:
يتصدر اسم المؤلف غلاف الرواية في أعلى الصفحة مكتوبا بخط أسود مائل ما يجعله بارزا وواضحا. وكذلك هو الأمر بالنسبة لعنوان الرواية، والذي يأتي بلون ذهبي مباشرة تحت اسم المؤلف. وتحته تظهر صورة (هي في الحقيقة نصف صورة) امرأة ترفع يديها أمام وجهها بشكل متقاطع وكأنها تتفادى أمرا مباغتا قادما باتجاهها. فهل هو القدر وما يخفيه، هل هو شخص ما يطاردها في كل مكان، هل هو الخوف من المصير وهو ما يجعلها في وضعها ذاك؟ فاليدان تغطيان جزءا من أعلى الوجه خاصة العينين، لكن العين اليسرى تظل تطل وتبصر من تحت اليد اليسرى، وهي حتما العين المتوجسة الخائفة والمرتبكة. قد يخيفها القدر وتقلباته ولكن الواقع الاجتماعي الذي يكبل الرغبة الكامنة في الأعماق والتي تسعى البطلة جاهدة إلى تحريرها، هو حتما ما يخنقها أكثر. فهل نحن أمام قصة حب أم قصة خيانة؟!
“تانيتا” الصورة (صورة الغلاف) كل ما فيها يدل على الرقة والجمال. شعر متهدل ووجه جميل ينضح بهاء وفتنة ف “..عينيها الواسعتين لا بمكن أن تنسيا ” وتكاد الصورة تتطابق مع الوصف الذي يورده لها السارد في النص، إذ يقول عنها ” كانت فاتحة الشعر وقد تهدل على أكتافها في استرخاء.. وارتسمت على جبينها العريض خيوط دقيقة تشبه الأفق البعيد… لفتني القرطان الكبيران المعلقان في أذنيها والقلادة الفضية الموضوعة في رقبتها ” . صحيح أن التطابق ليس كليا بين الصورة والمشهد الوصفي الذي يأتي على لسان “أحمد بن علي البراهمي”. ولكن الشبه كبير. بل يمكن القول إن ما ورد على لسان السارد في وصف “تانيتا” وجمالها يتخطى في أحايين كثيرة جمال الصورة. وهذا بالتأكيد وجه من وجوه الإبداع القائم في نص “عبد القادر اللطيفي”.
صورة الغلاف محفز من محفزات القراءة ودافع للاكتشاف، وكأننا أمام تسابق بين تعبيرتين: فن الصورة/الرسم الذي يحاول تحفيز القارئ ودفعه نحو استجلاء الدواخل (لا ننسى أن الرواية تنتهي على حدث خروج البطل من حوش خريف. وعند الباب يلتقي برسام بصدد رسم تانيتا وهي عروس، فيقرّر المحامي التوقف وانتظار نهاية البورتريه.) وفن الكتابة والإبداع، الذي رسم لنا بدوره صورة “لتانيتا” أكثر دقة وسحرا بسبب براعة الكاتب وتمكنه الواضح من تقنيتي السرد والوصف. وهو ما حوّل الثابت، وأقصد ما في الغلاف، إلى متحرك حيّ يجول في خيال القارئ ويتراجع أمام عينيه كأنه يبصر مشهدا سينمائيا خلبا** فيقول منبهرا بجمالها:” كانت قد أرخت خصلات شعرها إلى الوراء وزجّجت حاجبيها فأصبحا دقيقين مثل هلالين.. ولم تنس أن تخزن في عينيها فرحة عارمة باللقاء ” . وكما هو ظاهر في الغلاف، فإن الصورة لا تقدم أكثر من الوجه والنصف العلوي” لـ “تانيتا”. وبعد ذلك “ينسدل الظلام على الضياء” على حد قول أبي نواس. ولكن النص سيكون أكثر بذخا وكرما، فيكشف الأسرار ويبني عالما من الحب والعشق والجنس ليلاحق السارد في جسد حبيبته وكيانها، ذلك “الزمن الهارب” منه و ربما أيضا ذلك العمر الذي يضيع وهذا الوقت الذي ينفذ، وكأنه بلعبة الحب والجنس يحاول إيقاف الزمن أو لنقل استرجاع الزمن الضائع. “فمن الممكن أن نضغط على السنوات في مخيلتنا فتتقارب المسافات لكن الزمن الحقيقي لا يتوقف” .ليظهر الأمر بشكل أوضح في موضع آخر حين يقول: “يا لهذا الزمن اللعين! يا لهذا العمر الراكض نحو النهايات، يا لهذا الزمن الماكر الشيطاني… وغرقت في تأمل بائس ومر” .
مصاحبان نصيان آخران يظهران في الغلاف، يؤشّر الأول إلى جنس العمل، فهو “رواية” وهذا الأمر منسجم مع مضمون الكتاب حتما. أما الثاني فهو اسم الناشر. وأما في الصفحة الرابعة (قفا الغلاف) فتظهر كلمة الناشر وهي في الأغلب كلمة دعائية، الغاية منها تحفيز القراء. وهي هنا لم تخل من أدبية عالية وإدراك لكُنْه النص وأهم ما فيه من قضايا تتصل بوجود الإنسان ومصيره فيه، والتناقضات التي يعيشها الكائن في مسيرته الوجودية. هذا الكائن الذي حين يفقد عقله/صوابه “يجني على نفسه ويصير عبدا لأوهام الأسطورة والسلطة والحب…حتى تصير الحياة شبيهة بكابوس”***.
يظهر في الصفحة الخامسة مصاحب نصي آخرإضافة إلى مصاحبات نصية أخرى، كتلك المتعلقة بتاريخ النشر والدار واسم المؤلف…الخ. لكن المصاحب النصي اللافت للانتباه، هو التصدير وهو “لباولو نيرودا” الشاعر الشيلي المعروف، والذي اختفى في ظروف غامضة زمن حكم” بينوشيه” الفاشي والعسكري. ويقول فيه: “إذا لم يكن هناك شيء سينقذنا من الموت فلينقذنا الحب من الحياة على الأقل”**** والتصدير “epigraphe ” مقولة لكاتب ما يجعلها المؤلف تتصدر نصه باعتبارها تختزل موقفا أراد أن يعبر عنه، فهي تتناسب حتما وتتماهى مع رؤية الكاتب الفلسفية والوجودية. فهل أنقذ الحب أحمد علي البراهمي فعلا من الموت؟ وهل كان ما جمعه ب “تانيتا” حقا هو العشق والهيام أم هو غرق في الجسد و تيه في الزمن و ضياع جديد؟!. II
II ـ في السرد و السارد ولعبة البحث عن الزمن المفقود:
لن أخوض في تفاصيل نظرية تتعلق بالسرد والسارد، فهذه المسائل أصبحت اليوم متداولة لدى الجميع ومعروفة لدى أغلب الدارسين. ولنكتف باعتبار السرد تلك الجمل التي تتابع أحداث القص في الحكاية، وأن السارد هو ذلك الكائن الوهمي أو المتخيل الذي يخلق العالم الروائي داخليا.
في “تانيتا” تنطلق أحداث الرواية حين يغادر السارد – وهو سارد شخصية – مقر عمله ليهاجمه شخص غريب، ويسأله إن كانت زوجته تعمل عنده في الشركة. أما الزمن فلا نعلم عنه مبدئيا شيئا، سوى أنه زمن انطلاق القصة. ولكن استرجاعات تأتي على لسان السارد تخبرنا أن حدثا ما قد وقع قبل أسبوع من الآن (آن السرد) “كنت أهم بصعود السيارة عندما تقدم مني الشخص الذي خشيت منذ أكثر من أسبوع أنه يترصدني” . فلحظة البداية هي تلك اللحظة بعينها، وصيغة السرد فيها جاءت في الماضي “كنت أهم” هذا يعني أن السارد، هذا “الصامت الناطق” على حد قول “عبد الفتاح كليطو”*** يتمركز في موقع ما ليسرد لنا وقائع قصته وتفاصيلها كما سيتولّى أيضا نقل قصص غيره. فهل سيلتقي هذا الماضي مع الحاضر أم أن كل الوقائع ستدور في الزمن الماضي فتكون الحكاية كلها غارقة في ذلك الزمن؟ وربّما ترتد إلى ماهو أبعد من الماضي القريب، فتغوص في أعماق الذاكرة وتقوم في ثنايا التاريخ والحكايات البعيدة وحتى الخرافات و الأساطير؟!
يستمر السرد معتمدا صيغ الماضي “حشرت، جلست، فكرت..” إلى حين ظهور مؤشر زمني واضح يجعلنا نعلم أن الأحداث تقع في وضح النهار “كان حوارا غريبا وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد الظهر” . وعن طريق الاسترجاع، يرسم السارد تدريجيا صورة للمرأة التي يسأل عنها ذلك الرجل****** وعن طريق الاسترجاع أيضا يقدم السارد نفسه للقارئ فيرتد الزمن إلى تاريخ بعيد “منذ عشرين سنة” وهو زمن انضمامه لهذا العمل بهذه الشركة. وعبر استرجاع سردي آخر نعلم أنه مصاب بحالة من الملل والفتور، وبأنه لم تعد به رغبة في العمل ولا حتى في الجلوس إلى مكتبه. أكثر من هذا، إن حالة عدم الرضى تغطى كل تفاصيل حياته. فيقول معبرا عن حالة الفتور التي أصابته “عليّ الإقرار بأنني في السنتين الأخيرتين بدأت أشعر بالملل والإرهاق” يخبرنا السرد أيضا، أنه يعيش في الفيلا وحيدا بعد سفر زوجته وأبنائه إلى كندا. إنّ الماضي هو ما يغلب على زمن السرد، فهو الذي يحتوي حاضر الأحداث، والاسترجاع ميزة من ميزات عملية السرد. فبناء الأحداث قائم على التذكر، والحكاية في الكثير من وقائعها وأحداثها تدور في ضمير البطل وفي أعماق وعيه. وهو من يأتي بها ليروي لنا تفاصيلها، فهل نحن أمام رواية “تيار الوعي”؟.
قد يؤكد ذلك حديث السارد عن نفسه وعن قوة ذاكرته، والتي يعتمدها في بناء تفاصيل حكايته “ذاكرتي حادة وهي غالبا ما تسعفني بالتفاصيل” . تتقدم الأحداث في أغلب الرواية بشكل خطي، فالفعل يتبع الفعل والحدث يتولد عن الحدث بشكل سلس. فالقارئ يكاد لا يشعر باهتزازات في العملية السردية، فكأنه يسبح مستمتعا في مياه هادئة. ولكن ثمة تيار ما يسحبه إلى الأعماق، وذلك بسبب حركة الجذب الموجودة في القصة . أيضا بسبب لغة تمتاز بالوضوح والسلاسة، لا تربك القارئ ولا تفسد عليه المعنى. يتقدم فعل الحكي ليتعرف السارد/البطل على “تانيتا” هذه الفاتنة التي ستغير مسار حياته وتلقي به في أتون الحيرة والشك، وتغرقه في الحب والجنس “وفي هراش عنيف” ولكنها أيضا ستسقطه في الخوف والرهبة، الخوف من الحاضر والرهبة من المستقبل ومن الوجود برمته. وإن كان السرد إلى حد الآن في أغلب وجوهه سردا خطيا متتابعا، فإننا لا نعدم الاسترجاع والارتداد إلى الوراء انطلاقا من آن السرد الذي يتموضع هو بدوره زمنيا في الماضي (زمن السرد=الماضي >>> ترتد فيه الأحداث في كثير من الأحيان إلى ماضي الماضي) مثال ذلك حين تسرد “تانيتا” على مسامع السارد كيفية حصولها على العمل في الشركة. وحين يتوجه السارد إلى العمل في يوم عطلته الأسبوعية، فإن السّرد لا يغيّر خطته مطلقا ويستمرّ على نفس الوتيرة. لقد أربك حضور “تانيتا” شعور السارد بالزمن فأصبح لا يفرق بين أيام العمل وأيام العطل. إن شيئا ما بدأ بتحرك، وإحساس البطل بالزمن بدأ يتغير، فهل ستتغير معه خطة السرد؟! هل نحن أمام بداية التيه والضياع، ما سيدفع المحامي أحمد البراهمي إلى التوقف والتساؤل والتأمل في الزمن وسيولته وعلاقته بالكائن وبالذات اللذين تتناهشهما الأيام؟ يقول: “نحن لا نختار متى نحل بهذا الكون ولا متى نرحل عنه ولا متى نلتقي ولا متى نحب أو لا نحب ” فيدرك مأساته ومأساة الإنسان الذي تتلاعب به الأزمنة. إن قصة العشق هذه تخترق مياها راكدة وتحرك في النفس أسئلة وجودية حارقة وتوقف المحامي/السارد على مأساته ومأساة الإنسان عموما، فيردّد في أعماقه بمرارة: “يا لهذا العمر الراكض نحو النهايات ويا لهذا الزمن الماكر والشيطاني” . يستمر السرد في خطيته وتتتدافع الأحداث لتأتي مروية على لسانه دافعا بالحركة الدرامية نحو الذروة مستعملا سردا مختزلا. فبعد عدة أسابيع بدأت أشعر أن اللعبة لم تعد نوعا من الهزل” . إن حكايته مع “تانيتا” ليست مسألة عشق محرّم أو خيانة زوجية أو وفاء أو إخلاص. فهذه المعايير الأخلاقية لا معنى لها الآن في أتون هذا الجحيم المستعر من العشق. ولكن هو البحث عن المعنى الذي يحرك هذه الذات التي أعلنت منذ بداية الرواية عن شكواها من الرتابة والفتور. ف”المسألة لا تتعلق بأي وفاء زوجي خاص بقدر ما يتعلق بالزمن و بمعنى وجودنا في هذه الحياة” . تتعقّد الأحداث وتتشابك بعد ذلك، لتبلغ ذروتها حين يتفطن الزوج إلى علاقة المحامي بتاجة فيهاجمه في بيته..
بداية من الفصل التاسع يشهد السرد تسلل حكاية ثانية تتداخل مع حكاية” تانيتا ” التي ستعقد معها من حيث النظام علاقة تداول. يتولى المحامي الدفاع عن عم سعيد حارس الشركة في قضية يمكن أن نطلق عليها قضية استرجاع شرف. ويتولى السارد “الصامت المتكلم” سرد الحكاية بنفسه. ونعلم على لسانه أن بداية حكاية عم “سعيد” تعود إلى ما قبل” الثورة”2011 بسنين، ليمتدّ بنا السرد زمنيا إلى عقود بعيدة وإلى تاريخ نزوله من الريف إلى المدينة. وتبدأ أزمة عم سعيد حين يسرق بعض اللصوص تحفا نادرة من متحف موجود في “حوش خريف” لعل أهمها تلك التي ترجع إلى التاريخ القرطاجني القديم. ومن بينها تبرز قلادة فضية تمثل الإلهة الفينيقية “تانيت” أو” تانيتا” (إلهة الجمال والحب والخصب عند الفينيقين) ولم يجد الحاج عبد الباسط المسؤول عن حوش خريف بدا من أن يتهم الحارس/عم سعيد بتهمة السرقة. ويغلب على السرد حين يقدم تفاصيل هذه الحكاية أيضا الخطية والتتابع وصيغ الماضي. والسارد الأصلي، ولا أحد غيره، هو المتحكم في تفاصيل قصة عم سعيد أيضا. وحتى حين يتشابك مصير عم سعيد ب “تانيتا” وزوجها لما يكتشف أنّ “تاجة” تزين عنقها بذلك العقد المسروق، فإن السارد/البطل/المحامي هو من يروي تفاصيل الحكاية. وسيظل ناهضا بهذه الوظيفة حتى يتمكن هو نفسه من حل هذا الإشكال بين العم سعيد والحاج عبد الباسط وتاجة. وينجح في تحقيق ذاك فعلا، خاصة بعد وفاة ذلك الزوج البائس الذي قتله عشقه لتاجة. وفي كنش صغير يعثر السارد على بعض تفاصيل حكاية الزوج مع “تانيتا” فيروي لنا بعض تفاصيلها. ولكنّه يقرر أخيرا أن يترك للزوج ولو مساحة قصيرة كي يروي هو بنفسه تفاصيل مأساته مع تانيتا، الزوجة الإلهة. وفي الحقيقة فإن هذه من المرات القليلة التي يتخلى فيها السارد الأصلي عن فعل السرد لسارد فرعي. وهو ما من شأنه أن يعدد الأصوات داخل النص ويكسر رتابة الصوت الواحد المنفرد بكل تفاصيل الحكي (شيء من دمقرطة الحكي) ولكن الأمر لا يدوم مطولا، إذ سرعان ما يسترجع السارد الأصلي خيوط النسيج. فالحكاية في الأصل هي حكايته واللعبة لعبته وليس من اليسير عليه أن يفرّط في حكايته ولا في نسيجه السردي كي لا تتفتت الحبكة وتتشابك الحكايا. إذ بكفيه تشابك وتعقد حكايته مع تانيتا، وصراعه مع نفسه ومع قيمه ومع الزمن الّذي بدأ يضغط بعنف.
وفجأة يقطع السرد مع آن السرد ليمتد إلى الماضي السحيق (480 ق م) ليسرد سارد ما حكاية “أميلكار” وهزيمته في معركة” صقلية” زمن قرطاج القديمة. إنّ انكسار القائد أميلكار أمام اليونان لم يكن بسبب ضعفه أو نقص شجاعته أو مقدرته الحربية، فقد كان مقاتلا شرسا هاجم العدو في عقر داره. لكنّ الهزيمة كانت بسبب الخيانة، خيانة زوجته “أريشات” له مع أحد ضباطه الذين تبين فيما بعد أنه ليس إلا جاسوسا نشأ في أحضان قرطاج ونام في فراش “أريشات” زوجة قائده ولكن ولاءه كان دائما للإغريق. تظهر في هذه القصة القلادة نفسها التي نجدها في عنق “تانيتا” وقد وشح بها “أميلكار” عنق زوجته الخائنة في موكب عرس مهيب في أحد المعابد القرطاجنية القديمة وبحضور الكهنة والأمراء وحكام قرطاج آنذاك. فهل يكرر التاريخ نفسه؟ لكن لمن سيهب الأدوار اليوم؟!
-تانيتا/أريشات.
-الزوج/أميلكار
-السارد/الضابط الخائن.
فهل يتنبأ السارد بمصيره و مصير حبيبته؟! وهل ستتحدد المآلات و يكون المصير واحدا؟!
لقد جاءت الحكاية على لسان سارد مجهول بعد أن نقلها لنا البطل/أحمد البراهمي من كنش الزوج المغدور، فهل هو من كتبها أم إنه نقلها من كتب التاريخ عن سارد/مؤرخ مجهول؟ لا شيء في الحقيقة يوضح ذلك، فقط يعلق السارد الشخصية معلنا عن عثوره على هذه التفاصيل في كنش الزوج وقد عقب عليها بتعليق محزن قائلا: “يا للنساء الوفِيّات! “ثم مضيفا: “ما أشبه اليوم بالبارحة” .
ينتقل السارد بعد ذلك من التاريخ وحروفه وطلاسمه ليغوص في أعماق نفسه، فينقللنا حلمه (ها نحن أمام زمن جديد هو زمن الحلم الذي يتميز بالضرورة بالتداخل واللامنطق.) ولكنْ رغم ذلك لا يفقد السرد نسق خطيته. في هذا الحلم يهيمن على السارد شعور بالفرح عكس تانيتا التي يغمرها الحزن رغم سحر المكان. يطفو حزنها حين ترى الوعل يطل من أعلى الجبل على هوة سحيقة، وهذا الوعل ليس في الحقيقة إلا الزوج الذي سيلقي بنفسه في هاوية الموت. وهو ما سيحدث فعلا. يؤثر الحدث على المحامي فيغرق في السكر والخمر. وكي يبرّئ نفسه مما وقع يردد في أعماقه هذه الكلمات: “أنا فقط أحببت زوجته هي امرأة رائعة” . إنها الذات تبحث لنفسها عن مخرج لتنجو مما وقعت فيه، فهل تنجو بعد أن أضاعت رصانتها وحكمتها؟ “أوليس الحب صنوا لغياب الحكمة ” كما يقول؟ تشرع نظرة السارد تجاه “تانيتا ” في التبدل شيئا فشيئا، إذ يشعر أنها بدأت تسخر منه كما سخرت من قبل من زوجها. وحين يلقاها بعد شهر من انتحار زوجها بداية فصل الربيع، تتجلى له الحقيقة ويدرك أزمته بوضوح. فهذه المرأة لم تكن أبدا الحل الأمثل أو البديل المناسب لما هو فيه من توتر وملل ومن تأزم علاقته بالزمن، فيردّد في أعماقه: “تانيتا لم تكن البديل الحقيقي للزمن” وفي لاحقة سردية يرتد السرد والسارد إلى الماضي لتسترجع ذاكرته لهوه في حديقة البيت مع أطفاله بخرطوم الماء، مشيدا بالسعادة العارمة التي كانت تغطي أيامه في ذلك الزمن. وكأنْ لا بديل عن الحاضر القاتم إلا ما في الماضي من فرح و بهاء. هي إذا لحظات الحنين إلى سعادة البدايات، فهل نحن أمام شخصية ماضوية لا تجد سعادتها إلا في الاسترجاع والحنين والتذكر، ولا تفكر مطلقا في المستقبل معتبرة إياه أمرا منغلقا محاصرا بالموت كما يعلن عن ذلك حين يقول: “بما أنني رجل غير متدين، فإنني أرى الأشياء مسطحة وليس ثمة من بديل للحياة غير الموت” . فهل ما في الحاضر السردي (ماض من حيث الزمن) هو ما أربك السارد وجعله على هذا الحال، أم هو الاضطراب وارتباك المشاعر وبداية انغلاق الأفق؟! فها هي “تانيتا” التي اعتقد أنها إكسير الحياة والإلهة التي سيجدّد حبها كيانه ووجوده لتحمله إلى مشارف الخلود كالإله “بعل” ها هي تتبدل وتتغير شيئا فشيئا، لتتحول إلى عنكبوت يلف خيوطه حول عنقه ليسحقه ويكسره بشدة. وأكثر من هذا كي تبتلعه.
وحين ينفتح السارد على المستقبل، فإنه ينفتح على الخوف والرهبة فيطلّ أحمد البراهمي على تباشير الإثم والفضيحة. يحدث ذلك عندما تخبره “تانياتا” بأنها حامل منه، فتتزاحم في مخيلته الأفكار السوداء.. “وجعلت أتخيل الفضيحة التي ستلحق بي وكيف يستقبل الناس الخبر في مدينتي” . يطلب البطل/السارد من “تانيتا” أن تتخلى عن الجنين، لكنها ترفض وتقرر أن تبقي فيها ولها شيئا منه. وبعد أن ينجح في فض النزاع بينها وبين عم سعيد والحاج عبد الباسط، تشتد الخصومة بين العاشقين وتتلبس صورة “تانيتا” بصورة الزوجة أمينة. ويذبل الحب وتخمد ناره شيئا فشيئا، لتتحول “تاجة” إلى طوق جديد. وتظهر تباشير الفشل في مواجهة الزمن والتغلب عليه فيردد في أعماقه: “هل فات الأوان؟ هل كان يجب أن تعيش في أزمنة أخرى حتى تحصل على ما تريد و تقع على ما تحب ” . والنتيجة انغلاق الرواية والسارد واقف إلى جوار الرسام وهو يرسم صورة “تانيتا” عروس المدينة. يؤبد الرسم “تانيتا” في ثوب زفافها وفي عنفوان شبابها وفي أبهى حلتها كأنها “تانيتا” جديدة. لقد خلدت القلادة الفينيقية “تانيتا” قرطاج أما الرسام فإنه يثبت تانيتا المدينة بعد “2011” أما هو/السارد فيقف ثابتا في مكانه في انتظار النهاية (ولعله ينتظر بعثا جديدا.) فهل في ذلك إشارة ضمنية إلى أن الفن وحده هو ما يمكن أن يمنح الإنسان القدرة على إدراك يمنح الإنسان القدرة على إدراك ذاته وتحقيق شيء من التوازن وتحصيل معنى الوجود؟ فهاهي “تانيتا الرائعة تستريح داخل اللوحة إلى الأبد” . فهل ارتاح السارد بسرد وقائع حكايته بعد أن منح المدينة/قابس “تانيتا” جديدة تسكن أعماق اللوحة الفنية في آخر الرواية؟ وهل استطاعت الذات الساردة ومن ورائها الذات المنتجة للنص/المؤلف أن تجد الإجابة عن توتر علاقة الكائن بالزمن، لا في المرأة و إنما في الإبداع و الفن؟
الخاتمة:
جاء السرد في رواية “تانيتا” متتابعا واقعا من حيث صيغه في الماضي. أراد السارد أن يبحث عن معنى لوجوده فآمن بالحب وقرر في سبيله التضحية بكل شيء، هو الحب زمن الثورة. فهل كان حبا ثوريا؟ وإن كان كذلك فلِمَ تخلى السارد عن حبه؟ هل لأنه اكتشف الخديعة؟! وهل نحن فعلا أمام زمن الحب والثورة أم نحن أمام زمن الخديعة والفضيحة و الموت؟!
ينجب هذا الحب ابنا غير شرعي يربك السارد ويجعله يغرق في أتون الرهبة والخوف. ثم إن ذاتا تعصف بها قصة عشق مثل هذه، ألم يكن من الممكن أن تظهر ارتباكها في طرائق حكيها بصياغة سرد أكثر ارتباكا واهتزازا، ليتماشى مع اهتزاز دواخلها وحيرتها أمام ما تواجه من أسئلة ومن صراعات وأزمات متتالية؟! ثم ألا يمكن أن يكون غياب السرد السابق راجعا إلى إيمان واضح منذ البداية، بانغلاق أفق هذه المغامرة، لذلك جاء السرد في مجمله خطيا آنيا خاليا في أغلب الأحيان من التلاعب بالزمن؟ فمن تلاعب بمن؟! هل تلاعب السارد بالزمن أم تلاعب الزمن بالسارد، أم أن “تانيتا” الخالدة في رواية “عبد القادر اللطيفي “قد تلاعبت بالاثنين معا؟
سفيان بن عون.
تونس في جويلية 2025
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





