خديجة مسروق*
كان للعشرية السوداء وقعها على نفسية الإنسان الجزائري، وهي مرحلة عاشتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي, غاب فيها دور العقل وفقد الإنسان إنسانيته. طحنت فيها رحى الحرب ــ التي دارت آنذاك بين السلطة والجماعات الإسلامية ــ عشرات من الأبرياء. استلهم منها كثير من الأدباء مادتهم الإبداعية.
عبد الكريم شقروش أحد الكتاب الجزائريين الذين استحضروا وقائع هذه المرحلة الدامية وما خلفته من دمار على جميع المستويات في أدبهم. ومن خلال روايته ‘شارع الرب’ تقفى آثار الواقعية النقدية التي اعتنقها كبار الروائيين، أمثال الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة ونجيب محفوظ وجسدوها في نصوصهم الروائية.
فكيف تجلت ملامح الواقعية النقدية في رواية شارع الرب؟ وماهي الدوافع التي شجعت الكاتب عبد الكريم شقروش, أن يغوص في مشكلات المجتمع الجزائري للكشف عن كثير من الحقائق, وتعرية بعض المسكوت عنه في مرحلة الأزمة الجزائرية, والتي لم بتجرأ روائي ‘جزائري’ قبله أن يقترب منها؟
تجلى المذهب الواقعي في النصوص الروائية الكلاسيكية العربية, لا سيما الواقعية النقدية التي تهدف إلى تعرية الواقع, والكشف عن تناقضاته بكل موضوعية والواقعية النقدية كما يقول الناقد محمد عزام بأنها تبحث في خضم الواقع عن العناصر الكفيلة بتفجيره وتحويله, وترى ـ أي الواقعية النقديةـ بأن عناصر التغيير موجودة في الواقع.
إذ يتفاعل الأديب مع مشكلات عصره, ثم يقوم بكتابتها وتقديمها للقاريء وفق رؤية فنية نابعة من تجربة معاشة ‘فردية أو جماعية’.
وبعد انهيار الواقعية في العالم , ولضرورة ملحة تستدعي مواكبة التطور الفكري والمعرفي الحاصل على مستوى المشهد الأدبي العالمي, عمد الروائي العربي إلى تغيير نمط الكتابة وطرأت العديد من المتغيرات على مستوى كتابة النص الروائي الحداثي, فلا الشخصية أصبحت شخصية ولا الحدث أصبح حدثا, ولا الزمان أصبح الزمان ولا الحيز هو الحيز الذي عرف في الرواية الكلاسيكية على قول عبد الملك مرتاض.
الروائي عبد الكريم شقروش ومن باب التجريب أراد العودة إلى النمط التقليدي في الكتابة بالإعتماد على بعض عناصر الرواية الكلاسيكية في شارع الرب, كما حاول الاغتراف من معين الواقعية النقدية, لتعرية الواقع الجزائري بكل جوانبه في مرحلة من المراحل, بتقديم صورة عن التحرش الجنسي في المؤسسات التربوية, والتسيب على المستوى الأكاديمي في ما يخص التعليم والبحث العلمي والتسيير الإداري, ومختلف مظاهر الفساد (السياسي والاقتصادي والاجتماعي..) التي كانت سائدة في تلك المرحلة..
شارع الرب أول رواية للكاتب والإعلامي عبد الكريم شقروش, صدرت العام 2018. تعود أحداثها إلى حقبة التسعينيات الدامية التي عرفها الشعب الجزائري، و ‘شارع الرب’ شارع يقع بباريس قرب قناة القديس مارتان بالمقاطعة الإدارية العاشرة, عمد الكاتب على وضع هذا العنوان ذلك لأن أحداث الرواية تدور بين باريس والجزائر العاصمة. بطلتها ‘نفيسة بوقسري’ فتاة ريفية من عائلة بسيطة, استسلمت لمساوات أستاذها بالثانوية الذي وعدها بتقديم المساعدة لنجاحها في شهادة البكالوريا وكان لها ذلك فقد كان رب المركز أثناء الإمتحان والكل يمتثل لطلباته, حيث أمدها بالإجابات عن كل المواد بعد أن حصل عليها من طرف الأساتذة بالثانوية. لقاء فردي جمعهما (نفيسة وأستاذ الرياضيات, والذي يلقبه تلامذته بهتلر الرياضيات) في إحدى القاعات الموجودة بمركز الثانوية, كان كفيلا بأن يجعلها ضمن قائمة الناجحين في البكالوريا, التي تعد حلما لكل امرأة شريفة كانت أو عاهرة.. ترى كم طالبة مرت على تلك القاعة؟ وكم هتلر موجود في مؤسساتنا التربوية؟
تختار نفيسة كلية الحقوق بجامعة الجزائر العاصمة, تحلم بأن تصبح محامية, لتساعد والدها في تسوية وثائق أرضه التي ورثها عن أبيه, الذي ورثها هذا الأخير عن أجداده. فمقابل تسوية وضعية ملكيته للأرض طلب منه أحد المسؤولين دفع مبلغ من المال..

ورفضت نفيسة الإنقياد وراء رغبة أهلها في اختيار تخصص الطب. كيف لها أن تختار مهنة الطب وقد انحرفت هذه المهنة عن مهمتها الإنسانية. غياب الأطباء عن عملهم أوقات الدوام الرسمي مما يؤدي إلى وفاة من هم في حاجة إليهم في تلك الأوقات. فهي لم تنس حادثة وفاة الطفل الذي أصيب بحمى شديدة ونقل على وجه السرعة إلى المستشفى ليتفاجأ أهله بأن الأبواب موصدة لأنه كان يوم عيد. قالوا لهم لا تمرضوا يوم العيد..
تتفاجأ نفيسة حين تكتشف في دفتر العائلة بأن ميلادها كان بعد أربعة أشهر من زواج والديها. تقف عند حقيقة واحدة بأنها ابنة حرام. هربا ـ والداها ـ مع بعض إلى العاصمة بعد أن رفض الأهل تزويجهما, ثم عادا إلى القرية وتزوجا بعد أن تأكد قرب قدوم المولودة نفيسة.
كلها حسرة بما عرفته. ناقمة على والدتها التي استسلمت لرغبة رجل عاشرته فحملت منه ــ لتكون نفيسة ــ ثمرة حرام, وتظل الحقيقة لعنة تطاردها العمر كله. تتوجه إلى العاصمة للدراسة, وهناك بالإقامة الجامعية بالجزائر العاصمة ‘أشرف صالحي للبنات’ التي لا تغيب عنها الحشرات والضفادع بنقيقها الذي يخرس الآذان, مع درجات الحرارة التي تجعل من البقاء في الغرف أمر لا يطاق. تلتقي نفيسة بمقيمتين تتقاسم معهما الغرفة, تركتا القرية من أجل الدراسة في العاصمة. إحداهما ‘بيبا’ ظلت تتعمد إعادة السنة حتى لا تعود إلى منزل والدها بالريف, حيث زوجة أب تضايقها وترفض وجودها بين العائلة. ‘ بيبا’ لم تتفطن إدارة الإقامة الجامعية لوجودها, فهي مقيمة غير شرعية لأنها طردت من الجامعة بسبب رسوبها المتكرر لسنوات عديدة.
تقضي الليل كله ‘ بيبا’ و رفيقتها’ سيسي ‘ في ‘كباريه الياسمين’ بمقام الشهيد, يدخلان الإقامة على الساعة الرابعة صباحا وإذا كان القانون الداخلي للإقامة الجامعية ينص على غلق الأبواب الساعة السادسة مساءً لتفتح السابعة صباحا, فهذا القانون لا يطبق عليهما ‘ نحن أحباب من وضع هذا القانون ‘ 1
بعد ليلة طويلة في غرفة الإقامة لم تر فيها عينها النوم, اتجهت الطالبة نفيسة صباحا إلى الجامعة. لم تجد أي عراقيل أثناء دخولها, فلا أحد من أعوان الأمن طلب منها إظهار هويتها. تتفاجأ ‘ لم تكن الجامعة كما تخيلتها, فلا شيء يجعل منها جامعة, بل كل الأشياء تجعل منها متفرقة ‘ 2
التحقت بالمدرج الذي وجدته ممتلئا عن آخره, و لا وجود للكراسي للذي يأتي متأخرا ‘ حتى مكروفون الأستاذ المحاضر كان بتوقف من وقت لآخر, وطلبة الصفوف الأخيرة لا يمكنهم رؤية ما يخطط الأستاذ على السبورة ‘ 3 . تقترح عليها أحدى الطالبات بنقل دروس المحاضرات من عند زميلاتها ولا داعي للحضور فـ’ المقررات نفسها, وما يمليه الأساتذة على طلبتهم في هذه السنة هو ما أملوه على طلبتهم قبل خمس سنوات, وهو ما سيملوه على طلبتهم بعد خمس سنوات. لا شيء قابل للتغيير في هذا المكان’ ..4
لقد حاول الروائي عبد الكريم شقروش التنقيب في جذور الأزمة التسعينية وما خلفته من ظواهر تكشف عن الممارسات غير الأخلاقية التي تحدث في بعض المؤسسات التربوية, والتي يقوم بها بعض الأساتذة الذين تجردوا من كل القيم, و انساقوا وراء غرائزهم الحيوانية. كما تعرض إلى مظاهر الفساد في بعض المؤسسات الجامعية, التي حدثت أو يمكن لها أن تحدث في أي جامعة عربية وليست في الجزائر فقط والتجاوزات التي يقوم بها عمال هذا القطاع, بدءا ــ بالحارس إلى الأستاذ وصولا إلى أول مسؤول على رأس الجامعة ــ إضافة إلى التسيب الذي يحدث على مستوى بعض إدارات الأحياء الجامعية, حتى أصبحت هذه الأحياء بؤرا لشيوع الفاحشة و ممارسة الرذيلة. ما جعل كثير من الأولياء يرفضون مكوث بناتهم في هذه الأحياء. لذلك لم تلتحق بالجامعة الكثيرات من اللواتي يسكن المناطق البعيدة, ممن تحصلن على شهادة البكالوريا. فالمقيقة بالأحياء الجامعية كانت تعتبر عاهرة في نظر المجتمع الجزائري في وقت مضى.
امتطى جسد نفيسة خمسة ذكور. أول علاقة ــ مشبوهة ــ لها كانت مع ابن قريتها ‘ حسين ‘ . والده ‘ سي قدور ‘ كان ثريا ثراءً فاحشا. لم يبخل عليها حسين بما جادت به خزينة والده, كما لم تبخل عليه هي بجسدها. خططت للزواج منه لتكسر شوكة ابيه الذي ازداد علوا و بخلا على ابناء قريته من الفقراء, غير أنه هاجر إلى فرنسا وتركها وثانيها مع .أستاذها الذي كان دنيئا معها. فالإلتحاق بالجامعة كلفها الاستلام لدناءة ‘هتلر الرياضيات’
بالعاصمة تتعرف على شاب يدعى ‘جمال’ شرطي يعمل بالعاصمة. كانت تلتقي به في منزل صديقه, حملت منه، وعدها بالزواج في أسرع وقت لتصحيح خطئه إلا أن يد الإرهاب كانت أسرع, يلفظ أنفاسه عقب تفجير انتحاري في إحدى شوارع العاصمة. يقع الخبر على رأس نفيسة كالصاعقة.
عرضت عليها إحدى رفيقات السوء بأن تجمعها بـصديق لها اسمه ‘ كريم’ وهو شاب من عائلة ثرية مقيمة بالخارج. متحصل على الإقامة الفرنسية, كان يقضي كل وقته في النوادي الليلية يصحو لحظة ويغيب عن الوعي الليل كله بفعل تأثير الخمر والمخدرات المدمن عليهما. بالغت نفيسة في إعطائه كل أنواع المدوخات في أحدى الليالي لتلفق له تهمة أخلاقية متعلقة بشرفها ــ الذي باعته منذ زمن ــ مدعية بأن الجنين الذي تحمله في بطنها ابنه من صلبه. ليتزوجها بعد ذلك و يصحح خطأ يعتقد أنه ارتكبه.
تتوقف نفيسة عن الدراسة, تصل أخبارها القرية التي كانت صاعقة حطمت كيان عائلتها و قضت على والديها.
تطلب منها ‘وردة’ أم زوجها كريم بأن تضع مولودها في فرنسا, ليحصل على الجنسية الفرنسية. وردة لا تريد حفيدها أن يكون حراقا, يمتطي قوارب الموت لينتقل إلى أوربا سرا. يعلم الله كم حصدت قوارب الموت من أرواح الجزائريين. أعداد كبيرة من الشباب الفارين من لعنة الفقر والبطالة فلحقتهم لعنة الموت, أو غضب السلطات فماتت أحلامهم على بلاط السجون الباردة. ‘نحن في وطن يقتل الأحلام من دون رحمة ‘ 5.
بريق العاصمة الجزائر الذي أبهر نفيسة ولم تقو على مقاومته فاعمى بصيرتها وحول حياتها إلى جحيم, تحط رحالها هذه المرة في بلاد الجن والملائكة وبالضبط في شارع الرب بباريس, باريس كانت ترتدي وشاحا مخمليا تستقبل به عشاقها. ‘كم أنت جميلة يا باريس وما أبشع من لا يقر بجمالك’.
بمباركة الطبيب الفرنسي دانيال صديق وردة أم كريم, الذي أشرف على ولادة نفيسة وسمى ابنتها مريم, حتى ترعاها السماء كمريم العذراء التي ‘أهدتهم ابن الرب’. تحمل المولودة لقب كريم ولد الخير الذي يعتقد أنه والدها و فرح كريم وكل عائلته بقدوم ابنتهم مريم ..
وبتهديد من صديقتها ‘ بيبا ‘ التي كانت عازمة على كشف أوراقها أمام الجميع, إن لم تقدم لها مبلغا من المال تؤجر به شقة تسكنها بعد أن طردت من الحي الجامعي وعلى متن الباخرة تلتتقط أذنها ـ نفيسة ـ إعلان المضيفة التي دعت الركاب لحضور حفل تكريم ملكة جمال الجزائر, ماشاع عن ها الحفل التلاعب المكشوف الذي حدث في تغيير اسم الفائزة, وباعتذار المنشط الذي أعلن على وقوع خطأ في قرار اللجنة. فملكة جمال الجزائر خياطة من أصول أوكرانية.
بعد أن استلمت بيبا المبلغ المالي من نفيسة افترقتا, وفي الطريق تلقى بيبا حتفها على إثر تفجيرين قامت بهما جماعة ارهابية. لينقل جثمانها إلى مسقط رأسها بالقرية وتستقبل استقبال الشهداء وإمام المسجد يردد ‘الذين قتلوا بهذه التفجيرات يحتسبون عند الله شهداء’
لم يتوقف كريم زوج نفيسة عن تعاطي الخمر ولا عن تردده على الحانات والنوادي الليلية, ولم يضع أي اعتبار لزوجته. ترتمي نفيسة في أحضان الطبيب دانيال ليكون خامس ذكر يمتطيها …
كريم ليس الرجل الوحيد الذي يخون زوجته في هذا العالم, بيل كلينون الرئيس الأمريكي كان يخون زوجته مع مونيكا لوينسكي, ولأن حياته ليست ملكه وحده فقد شكل هذا الحدث في حينه افتتاحية لعناوين الجرائد والمجلات العالمية. أمثال كلينتون كثرون وأمثال لوينسكي كثيرات..
تطرد نفيسة من بيت الزوجية شر طردة من طرف أم زوجها بعد أن لفقت لها تهمة أخلاقية وتصدر المحكمة قرارها بأن تبقى الطفلة مريم عند كريم الذي يعتقد أنه والدها والحكم بالسجن لنفيسة ..
كان هذا مشوار حياة فتاة ريفية استغلتها الظروف ولم تحسن هي استغلالها. حلمت بالحرية ولما حصلت عليها لم تكن أهلا لها, فضيعت شرفها وعائلتها و دراستها وحياتها ..
استطاع الكاتب عبد الكريم شقروش بصفته اعلامي الاقتراب وملامسة المشكلات التي أفرزتها الظروف الإجتماعية والسياسية والإقتصادية خلال أزمة التسعينيات. وبأسلوب نقدي صريح وبرؤية جديدة تقوم على درجة كبيرة من الوعي غاص في عمق المجتمع الجزائري للبحث عن آثار الأزمة الجزائرية خلال العشرية السوداء. كما استطاع الكشف عن عمليات التسيب وانتهاك القيم والمعايير الأخلاقية في بعض القطاعات, وظواهر الفساد بكل أنواعه وتصاعد هذه الظواهر في غياب سلطة القانون التي كان يجب أن يطبق بكل صرامة على جميع المواطنين والمواطنون كلهم سواسية أمام القانون.
قدم الروائي شقروش لوحة فنية أدبية للقاريء في روايته شارع الرب التي تجلى فيها بوضوح تأثره بالواقعية النقدية وقد اتبع تقنيات السرد التقليدي بصورة تجديدية, مع احترامه للتسلسل المنطقي للأحداث و تصاعدها بشكل منتظم, وتركيزه على أحادية البطل الذي تهاوى بشكل نهائي في السرد الحداثي.
فهل شارع الرب رواية كلاسية؟ أم رواية حداثية استثمر فيها كاتبها تقنيات السرد الكلاسيكي كأداة تجربية تتلاءم ومعطيات السرد الحداثي؟
*كاتبة من الجزئر





