المجلة الثقافية الجزائرية

تجليات تاء التأنيث في ديوان نضال برقان ” تحت سماء واحدة”

د. محمد حسين السماعنة*

 

يعدُّ اشتباك الناقد مع القصيدة عملا فكريًا صعبًا يحتاج إلى مهارة ولغة وموهبة وأدوات مناسبة من المناهج النقدية وصبر؛ فهو عمل فكري إبداعي يحتاج إلى الدخول إلى فضاءات القصيدة وإيحاءاتها، ومعانيها، ومحاولة فك رموزها، ومسح الغمامة الشفيفة عن غموضها، والبحث عن مفاتيحها، حتى الوصول إلى بؤرتها ومركز التفاتها وموئل عواطفها. وأما اشتباك الناقد مع مجموعة شعرية فهو مخاطرة قد تحرجه وتربك قلمه، بل إنها قد تسلمه للفوضى وعشوائية التوقعات، وضبابية النتائج لأن لكل قصيدة روحًا وقضية وهدفًا وبؤرة، والمجموعة الشعرية هي مجموعة من ذلك كله في وعاء واحد يضمها تحت جناحي عنوانه الذي هو نافذة على روح الشاعر، لا نافذة على مجموع قصائد الديوان بحالاتها كلها وبقضاياها كلها، ولا شك أن القضية الواحدة قد تمد روحها على أكثر من قصيدة، ولكنْ تبقى لكل قصيدة روحها وطابعها الذي يميزها عن غيرها لأنها وليدة مشاعر فريدة أنتجتها الذات الشاعرة في إلهام أو تشكل شعري.

ولكن نضال برقان في مجموعته الشعرية “تحت سماء واحدة” الصادرة عن دار (الآن ناشرون وموزعون) يسهّل المهمة على الناقد، فهو يمكنه من محاكمة المجموعة كلها بنصوصها الأربعة والعشرين من غير تردد أو قلق من التيه والأحكام المختلة، لأنه يجمع شتيت هذه النصوص بما فيها من مشاهد وصور وتوقعات وأحكام وأفكار وقضايا في بوتقة سردية شعرية ينضدها على نول شعر إنساني نثري سردي حينا وقصصي حينا ووصفي تصويري حينا، ويصل نصوص مجموعته بعضها ببعض، فيجعلها متقاربة متعاضدة بثلاثة خيوط رئيسة هي: ضمير المتكلم الذي جال به السارد الشاعر قصائده كلها، والمكان الممتد بين (هنا) و(هناك) تحت سماء واحدة، وتاء التأنيث الخيط المتلون الذي ربط به الشاعر نصوص المجموعة ومحاورها العالية الصوت، ولغتها الهادئة.

 ومن عباءة تاء التأنيث أدان الشاعر الحرب وفعلها، بعد أن نظر إليها نظرة طويلة امتدت على مساحة واسعة من مجموعته الشعرية، وتحركت ذات الشاعر في فضاء قصيدة النثر برباطها الظاهر الواضح القوي ليسهل على الناقد أو المتلقي قراءة نصوص المجموعة بهدوء وبتتابع سلس والتأثر المركّز بما يقرؤه، فتاء التأنيث خيط حضوره طاغ نافع لم يفارق قصائد الديوان، وظل معها يحدوها، ويوجّه المتلقي إليها، وتظهر هذه الروح السردية القصصية الشعرية التي يحدوها ضمير المتكلم، وتتحرك فيها تاء التأنيث وفق ما يريده السارد، في قوله(ص41):

 “تدخل سيدة الحمّام كما تدخل غيمة في قصيدة، تترك الجسد يتفتح في مهب المرآة، ثم تفتح (صندوق البهجة)، تُخرج حلاوة السكر، وتقلبها حتى تستيقظ، تلمع شهب الشهوة في الرأس، تعمل السيدة كأن لم ترَ شيئا، تعوي ذئاب شبق في الشرايين، تعمل السيدة كأن لم تسمع شيئا، ثم تبدأ تعشيب الحديقة من كل شيء، إلا من أعشاب الرغبة…”

بنى الشاعر النص السابق على نول السرد القصصي، وكثّف عباراته حتى يجعل منه نصا شعريا بروح قصصية كاملة ناضجة، فقدم وغنى وحكى وأنهى وأدهش في نص قصير، فحملت الدفقة الأولى “تدخل سيدة الحمام كما تدخل غيمة في قصيدة” روحا شعرية فيها موسيقى خارجية لطيفة بنيت على تكرار حرف الياء، وامتداد الألف اللينة، وتنوين الضم في (غيمة). ويحمل السردُ النصَّ تحت عباءة تاء التأنيث التي جاءت على صورة سيدة تدخل الحمام فتحركها الرغبة، وقد يظن المتلقي في أول قراءة للنص أن الشاعر يجعل من جسد السيدة مادة جاذبة يطرز عليها من الصور ما يثير ويدهش، ولكن ربط مشهد حركة السيدة في الحمام بهذا الحديث الجسدي الجنسي الصاخب يدفع إلى التساؤل عن سبب هذا الشعور المتأجج فيها الموحي بالحاجة والحرمان والعطش الجنسي حتى إنها تمكنت من تعشيب روحها من كل شيء ضار إلا من الرغبة.

ويقول الشاعر في نص آخر يلخص فيه موقفه من الحياة وما فيها، ويظهر وقوفه إلى جانب الحياة والسلام، ويكرر في النص استعداده للتخلي عن كل ما قد يسبب الأذى لأي كائن حي، أو يعيق وصوله للسعادة من خلال تكراره الفعل المضارع الموحي بالاستمرارية (أترك)، يقول(ص55):

“أترك البيت دون باب/ ولا أقطع شجرة/ لم تزل تتلقفني/ كلما طوَّحتني شجرة العائلة/ أترك الحقل من دون فزاعة/ ولا أجوِّع طائرا/ ظل يرفرف في رأسي/ ويغرد/ حتى استحلتُ شاعرا مجنِّحا/ وقصيدة حرة…”

واحتوت أكثر عنوانات النصوص تاء التأنيث فهي حضرت في سبعة عشر عنوانا من عنوانات المجموعة، التي أعدت بعناية لتكون عتبات معبرة عن النصوص وموحية إلى ما فيها، إذ هي رسائل مكثفة عما ستتحدث عنه ذات الشاعر من مواقف قد تصطدم بالتيار الصاخب الذي يقوده الشر، فمن ذلك مثلا عتبة النص “تعشيب في حديقة البهجة” التي حملت رغبة الشاعر في الوصول إلى البهجة والتخلص مما يعيقها، أو يعكرها فالعشب هو الضار الذي يمنع الشجرة من النمو والإثمار. وحملت عتبة النص” تركة الشاعر”(ص53) من الفعل ترك روحه ومعناه، فالنص كله مبني على موقف الشاعر الإنساني الذي يختار فيه الحياة على الموت، والحفاظ على كل حياة مهما كانت التضحية كبيرة، إذ يعد الخسارة الحقيقية هي خسارة الحياة، فهو في القصيدة يقبل أن يعيش في بيت بلا باب ولا يقطع شجرة، وأن يترك الحقل بلا فزاعة ولا يجوع طائر. وتحمل عتبة النص ” حرب تعبث بدفتر العائلة”(ص99) إدانة واضحة للحرب ورفضا لها ولفعلها، فهي عتبة تشير إشارة واضحة إلى بطش الحرب بالناس؛ إذ تعبث بالعائلات وتبيدها، وتشطبها من دفتر العائلة. وأما عتبة النص “قصيدة تتأمل ذاتها” فتوحي بأن حوارا عميقا بين الشاعر وتاء التاء التأنيث التي هي في القصيدة ذاتُه، فيدين الحرب التي تجري (هنا) يقول: “– أقنع الحرب أن تتمشى بعيدا …تعبت، ألن ننام قليلا؟”

وتبسط تاء التأنيث يدها للشاعر، وتمتد أمامه في مفاصل نصوص المجموعة ليقول بها ما يريده بجمالية نثر شعري لافتة، فهو يسخّرها لخدمة القصيدة، وليقول كلمته ويوضح موقفه الإنساني اللافت الجريء من قضايا الحياة والواقع وخاصة الحرب، لا ليتغنى بحبه لها، أو ليصف صدّها له، أو ليتغزل بأوصاف جسدها وجماله، فهي في أكثر النصوص تاء تأنيث تعطي القصائد طعم الأنوثة ليبسط الشاعر روحه عليها، ويحملها بعضا من عبء روحه؛ فقد حظيت تاء التأنيث بنصيب عظيم من مجموعة نضال برقان “تحت سماء واحدة”، وحضرت بقوة في معظم نصوص المجموعة التي ضمت أربعة وعشرين نصا من النثر الشعري الموجه المبني على مهل محكك ماهر، وهو حضور مقصود مخطط له سرديا وفنيا وفكريا، إذ تحتضن تاء التأنيث خطاب الشاعر برحابة صدر، ومن غير تذمر أو تردد أو تمنّع أنثوي، فلا تكتفي بالاستماع والمراقبة والمتابعة في نصوص هذه المجموعة، وإنما كثيرا ما يخرجها الشاعر في بعض النصوص لتحاور وتتناقش وتصف لتخرج بهذا العمل النصوص من النمطية الباهتة في التعامل مع الواقع، وتضعها بين الشعرية والنثرية في خطاب سردي عميق فيه قص وحكي وغناء، وتلبسها عباءة قشيبة من السرد ماتعة، فهي نصوص لا تحضر كامرأة للحب والغزل، وإنما تحضرها تاء تأنيث متلونة ليقول من عينيها وروحها وجسدها ما يشغله ويتعبه ويقلقه ويربكه ويحزنه ويؤلمه، ويعلن منها موقفه مما يجري في الواقع من مآسٍ، فهي مرآته التي تنعكس على سطحها بوضوح أحلامه وآماله ومعاناته، ونبض قلبه، وما تحدثه به نفسه.

ويبني الشاعر بعض نصوصه على ثنائيات غير متضادة المرأةَ والسلام، والمرأةَ والحياة، والمرأةَ والحقيقة، وثنائيات متضادة بين الحرب والسلام، والحياة والموت، والحقيقة وضدها والخير والشر في خطاب شعري امتزجت فيه ذات الشاعر بأسئلته الملحة عن سبل البقاء على قيد حب وسلام، فتتحدث في هذا الخطاب تاء التأنيث من مرآة ذات الشاعر بصوت خفيض وحيد متعب، متخذا من نص النثر الشعري ميدانه الواسع للبوح والصراخ في نصوص غير احتفالية، لا تبحث عن صوت عالٍ يحملها، وإنما تبحث عن مرساة تنظم تدفق ما يمور في الشاعر من تداعٍ حر للعواطف الحزن والحسرة والقهر والخوف والقلق على الإنسان.

وساحات الصراع في نصوص المجموعة كثيرة يعلو في بعضها صوت الحرب العدو الشرس الذي يعمل لصالح الموت، ولا تملك تاء التأنيث وسيلة لإيقاف الحرب التي تحاول سحبنا للموت، فتدعو وتصلي من أجلنا، يقول(ص116): “ثمة حرب ضروس(هنا)، تعمل بكفاءة واجتهاد وإخلاص، لصالح الموت، وأنتِ لمّا تزالين (هناك)، تتأملين وجه الله، وتصلين من أجلنا”.

تستولي ذات الشاعر على مساحة البوح في النص السابق، وتتخذ من السرد طريقها في ثنائيات متضادة ساعدت على حمل عبء الشاعر العاطفي، وتوضيح موقفه الإنساني، فمن صراع القرب والبعد (هنا وهناك) والموت والحياة، واليأس والأمل، والخير والشر نسج الشاعر نصه ليؤكد طبيعة تاء التأنيث الخيّرة حين تحمل صورة امرأة.

وقد تظهر تاء التأنيث على صورة امرأة تبحث عن السلام وتغني له، وتحمل الأمل في حياة أجمل، يقول(ص31): “أيتها البعيدة/أعرف أنَّكِ في مكانٍ ما هناك/ تُغنِّين للأمل/ وتُحيكين ملابسَ جديدةً للحقيقة/ وتزرعين النجوم في حوض النعناع/ أعرف أنك كنت تودين تقليم أظافر الحرب/ قبل رحيلك/ كنت تودين تنظيف البلد من روائح الدماء التي تراق بمجانية في كل مكان/ كنت تودين حماية الأطفال/ من سعار الطائرات الحربية/ وأعرف أكثر أنك الآن لست هنا”.

يقف الشاعر في النص السابق، كما هو في كثير من نصوص المجموعة، بحزم وصلابة في وجه الحرب، وما تسببه من دمار وأذى للأطفال والأنوثة من غير أن يشغل حرفه بإظهار الوجه القبيح للقاتل، فهو يدعو في قصائده إلى وقف الموت المجاني، ولا يعنيه ذم القاتل ومدى قسوته وظلمه وإدانة فعله، بل إنه يرى أن الناس يموتون في الحرب لأسباب غامضة (انظر: ص62). ففي النص السابق يحرك الشاعر تاء التأنيث، التي لا تحمل هنا ملامح الأنثى، بين دفقات القصيدة مستخدما ضمير خطاب الغائب، ويحملها موقفه من الحرب، لتنقل صوت الشاعر العالي الرافض الغاضب من الحرب ونتائجها المؤلمة، فهي أنوثة فكرية وحسب، يبشر بها الشاعر بغد أفضل ووقف لسطوة الموت، يقول(ص31): “أيتها البعيدة/أعرف أنَّكِ في مكانٍ ما هناك/ تُغنِّين للأمل/ وتُحيكين ملابسَ جديدةً للحقيقة/ وتزرعين النجوم في حوض النعناع/ أعرف أنك كنت تودين تقليم أظافر الحرب/ قبل رحيلك/ كنت تودين تنظيف البلد من روائح الدماء التي تراق بمجانية في كل مكان/ كنت تودين حماية الأطفال/ من سعار الطائرات الحربية/ وأعرف أكثر أنك الآن لست هنا”.

ويتوحد الشاعر مع الحياة متضادا مع الموت وأسبابه، ومنحازا للموقف والقيم والمعنى على حساب الشكل، ويعلن موقفه الإنساني العميق الرافض للحرب في تقلبات تاء التأنيث الجسدية لتأثرها بالحرب ونتائجها وآثارها، في مقابل تقلباته النفسية الناتجة عنها، فهو تتلبسه شجرة كلما عصفت حرب، وكلما زهقت حياة حتى إن حريقا في أيما غابة يورثه يُتمًا (ص81) يقول(ص82): “لست حطاب مجازات/لست مزارع استعارات/ لست بصاصا على مخيال الغابة / أنا شجرة تلبسها شاعر تلبّسته شجرة”

وقد تأتي تاء التأنيث في النص امرأة (فكرة) مهمتها صناعة الأمل والجمال والحياة والخضرة، وكل ما يرتبط بها يمشي على نهجها، ويحمل رسالتها، ويسجل الشاعر موقفه من الواقع في تقنية أسلوبية كسر بها الخطابية العالية، فهو في نص” احتفال من أجل حصان النشيد” الذي نضده السرد والحكي والشعر يحكي عن خروج حديقة تاء التأنيث المرأة (الفكرة) إلى الشارع، لتوزع الخضرة، وهي دائما في نصوص المجموعة حين تكون (فكرة) تكون امرأة ما، يقول(ص62): “حديقتك خرجت، نهارا، إلى الشارع، وراحت تتمشى بين الأزقة، ثم عرّجت على السوق، وابتاعت الكثير من الهدايا، من أجل الصغار، والكبار، ثم عادت أدراجها، وقبل أن تنام كانت أعطت كل واحد من أهل القرية هدية…”

وأما في قصيدته “في سماء الدعاء” التي رثى فيها أمه رثاء مغايرا للمعهود والمتوقع أسلوبيا، ومقتربا من المعاني القديمة المدحية، فاستوت في النص معاني الحب والزهو والحزن على الحروف المغمسة بمشاعر الفقد والحنين المنسوجة بوعي وهدوء، ومن غير غموض أو إبهام أو تعمية، فتوقفت الحروف على دعاء الأم المحفوظ في صدره، وحياتها النقية الصافية، وقلبها الطيب، يقول(ص93):” أعرف أنك رحلت إلى عالم آخر/ لكن ماذا عن أشيائك الخاصة: / ليل الطمأنينة والتسامح/ نهار الأمل والعمل/أشياؤك تلك أين أجدها بعد رحيلك؟”

وتأتي تاء التأنيث في بعض نصوص المجموعة لتتحدث باسم ذات الشاعر، ليخاطبها ويحاورها في أكثر من موقف، ويقربها من المتلقي ليعرفها ويتعرف وظيفتها، وحروفها، وموقفها، وأدواتها فهو يقول(ص13) في قصيدة “أستنشق أنفاسك … وأحلق” في جزء من حواره مع تاء التأنيث ليعرف المتلقي أنه يحاور ذاته الشاعرة، أو روحه المحلقة فيها، فهي تنام ليستنشق هو أنفاسها وهذه ليست علاقة بين إنسان وإنسان، ثم هو يحلق في منامها بعد أن تعب من التحليق بجناحيه الكبيرين، وهي تراقب من يأتيه بالإجابات وتأتيه هي بالأسئلة، وهذه وظيفة الذات الشاعرة التي تراقب، وتسجل، وتضع الأسئلة، وتبحث عن الإجابات لهذا الوحيد المتعب، يقول(ص13): أقول لك سرا:/ بينما كنت تنامين/ كنت أستنشق أنفاسكِ//حتى ينبت لي جناحان كبيران/ثم أحلق في منامك/والآن أنا متعب ووحيد/ لم أعد أرغب بالتحليق مجددا/فقط أريدك/…يا الله/بينما يأتيك الناس بالإجابات التي تحب/آتيك بالكثير من الأسئلة…”.

ويكشف الشاعر عن ذاته الشاعرة وحيرته في كيفية إقناعنا بأنه يحمل تحت عباءة تاء التأنيث ذاته الشاعرة المعبأة بالحب والدعوة إلى السلام، فهي تغنّي، وترى ما لا نراه، ولغاتها الحب والسلام، وكناها، يقول(ص19): “كنت سأخبرهم بما رأيت/ لكن كيف سيفهم كلامي/ هؤلاء الذين لم يفهموا/ من قبل/ غناءك؟ صرت أتقن واحدة من لغاتك: هديل المحبة وهديرها/ صرت أعرف واحدا من أكنانك:/ شجرة الكناية/ صرت أرى بعض ما ترين: بلادا مشبوحة في عين بيضاء…”.

ويلمح الشاعر إلى أنه يتحدث مع ذاته الشاعرة، ويخاطبها في قوله (ص87، 88)، يقول: “الذي يظل من صراخي/ عندما يكون غير قابل للفهم بالنسبة لك/ فتتعاملين معه بلطف شديد تشكيلا بصريا /يشبه ما يطل من تغريداتك/…/ أيتها السيدة النبيلة/ خيولك التي أطلقتها لتوجد للعالم إيقاعا قابلا للضبط/ يقتلها الظمأ تباعا”.

وقد تأتي تاء التأنيث في نصوص المجموعة مستمعًا صامتًا يبثّه الشاعر ما في قلبه من حزن وحسرة وغضب كما في قصيدة “جثة شاسعة” التي لبست فيها تاء التأنيث عباءة الحرب وكانت الأذن الصاغية، يقول: “لم أمت بعد كما تعلمين…/ثمة من هم جديرون باهتمام الموت أكثر مني: /بيت يشبه رائحة الأمهات/حديقة بكامل عصافيرها/ وناس مطمئنون إلى عدالة الله”.

وفي قصيدة “في أي من أجسادك تنامين الليلة؟”(ص36) التي بنيت على انهمار أسئلة طويلة عن تاء التأنيث؛ عما يعجبها، ويدهشها، عن صيفها وشتائها وعن رياحها وعن نومها وجسدها…يقول(ص37): “ترى…/ في أي أجسادك تنامين الليلة؟ في الجسد الغيمة/ أم في الجسد البحيرة؟ / في الجسد التلال والمرتفعات/ أم في الجسد السهول والوديان؟ …”

وبين (هنا) و(هناك) تتقلب ذات الشاعر في أثواب تاء التأنيث بين البعيد والقريب، بين مكانين ضدين الأول طارد والآخر ملجأ جاف جامد، وكلاهما يجمعهما القلب بما يؤثر فيه: الحب والموسيقى، والأغنيات، والموقف والمصير المشترك تحت سماء واحدة، وتهب عليها الرياح نفسها. ففي نص باذخ حمل عنوان المجموعة يغني الشاعر لتاء التأنيث الأم، ويتحدث عنها بزهو وحب وفخر، فهي تمشط كل صباح شعر الشمس، وتغنّي للنجوم كل مساء ليبني أبناؤنا أحلاما سعيدة، يقول(ص8): ” أنت من هناك.. وأنا من هنا وكلانا دائما تحت سماء واحدة”.

وبعيدا عنك (هنا) قريبا من السماء والمرآة والمجاز، تقف القصيدة (هناك) لتتأمل نفسها في حوار عميق بين الشاعر وذاته(ص77): ” -ماذا تفعلين؟ /- أهدهد الموت، قد ينام قليلا …ماذا تفعل؟ / أقنع الحرب أن تتمشى بعيدا…تعبث، ألن تنام قليلا؟ / – سننام طويلا…عندما يستيقظ الله”.

وفي نص “صداع غامض” يجعل الشاعر من تاء التأنيث مرآة يعكس عليها موقفه الغاضب من الواقع، يقول مستغلا وجود تاء التأنيث (هنا)(ص87): “بما أنك هنا/ سأقول سرا/ لا يعلمه إلا قليلون: “الأرض مصابة بصداع غامض، يخرجها، بين حين وحين عن دينها”.

وفي نص “نموت هنا، والعدالة تصلي من أجلنا هناك”(ص115) يجري الشاعر مقارنة حادة قاسية غاضبة بين المكانين(هنا) حيث يعيش (هو)، و(هناك) حيث تعيش (هي) فيتحدث الشاعر عن المعاناة الروحية والجسدية التي تسيطر على (هنا)، وعن الفراغ والعدم اللذين يسيطران على (هناك)، فيكاد المكانان يشتركان في رسم المعاناة والهم والعذاب، فالأرض والسماء والهواء والشاعر والفكر والناس(هنا) ليسوا بخير إذ لم يعد في هذا المكان ما يمكن أن يعيش الإنسان من أجله، فالحرب الضروس هنا تقتلنا بكفاءة وإخلاص، وطبعت بصمتها على جبين الأشياء كلها والأحياء كلهم، والهواء مريض، والأرض بحاجة للاستحمام، والسماء أظافرها مؤذية، ولا شيء هنا ينذرنا أو يحذرنا إنْ داهمنا الخطر، والناس يعيشون على الوهم، مشغلون بالعبث، وبما لا قيمة له ولا أثر، والشاعر مستهلَك وحيد. وأما (هناك) فيسيطر عليها من يحسن استغلال الفرص لقتلنا واختطاف (هي) التي تعيش (هناك) وتصلي من أجلنا. يقول(ص116): “ثمة حرب ضروس (هنا)، تعمل بكفاءة واجتهاد وإخلاص، لصالح الموت، وأنت لما تزالين تتأملين وجه الله، وتصلين من أجلنا”.

وقد تأتي تاء التأنيث لتوحي بالفكرة والصفة وهما في أكثر نصوص المجموعة معاداة الحرب، وإدانتها، فهو يوقظها في نص “لماذا لم نركض سوية إلى الآن” يجعلها ياسمينة يمسك ذراعها، وغيمة تسعى وتركض وتهمس وتصيح وتدور حتى تحيل السماء لوحة، ثم يجعلها ورقة تتنهد لتفتح نوافذ الحنين، وتستدعي حروف الذكرى، وتراقص القلم، ثم يعيدها إلى قناعها الأنثوي العام فيخاطبها معاتبا ومؤنّبا لأنها سمحت للحرب أن تهرس قلبها” (انظر: ص25، 26، 27).

وجاءت تاء التأنيث في نص “عيني لا تدمع…دمي لا يصدأ” لتشير إلى أنثى حقيقية، ولكنها أنثى نثر في وجهها الشاعرُ التصميم والعزم على تغيير الواقع والحال والسنون الخمسون التي مضت غريبة بلا طعم، يقول(ص68): “سنحتفل اليوم سويا يا رولا/ خبزنا صنعناه سويا /…/ كأنها الخمسون؟ / مررن غريبات كلهن/ لا أعرف من أين جئن وإلى أين مضين/ أما هذه فلن أتركها/ سأملؤها من بساتينك/ سأعلمها أسرار روائحك كلها “.

تُعد مجموعة نضال برقان “تحت سماء واحدة” صرخة عربية فريدة جديدة على الشعر العربي أعلن الشاعر نضال برقان في نصوصها موقفه الرافض الغاضب من الحرب، وأدانته لها من غير تحديد هويتها أو هوية مفتعلها، وبصوت نثري شعري واضح هادئ جريء ذمها وأدانها وذم قبح نتائجها، وذم آثارها مستخدما تاء التأنيث للوصول إلى أقصى ما تملكه الحروف من قدرة على البوح والرفض والذم.

واستخدام الشاعر تاء التأنيث في النصوص لتكون مرآة روحه، وحاملة ذكية لأفكاره ومواقفه أكسب المجموعة قيمة فنية عالية، وأعطى الشاعر مساحة واسعة للبوح وأنفاسا متجددة متغيرة للحوار الشعري الفكري والعاطفي.

ونجح نضال برقان في جعل أكثر نصوص المجموعة متشابكة مترابطة يجمعها خيط تاء التأنيث، وخيط ضمير المتكلم، والمكان الواحد تحت السماء الواحدة، وهذا النجاح أكسب المجموعة قيمة إبداعية عالية، وقدرة أكبر على الإقناع والتأثير في نسجها النثري السردي الشعري.

*كاتب وناقد أكاديمي من الأردن