المجلة الثقافية الجزائرية

فلاسفة ضد المقاومة وضد القضية الفلسطينية  يورغن هابرماس نموذجا؟

 بقلم بصـري محمد  

“لا يمكنك الاستمرار فى إيذاء شخص ما لمجرد أنك كنت في يوم ما ضحية، لابد أن يكون هناك حد”إيقونة القضية الفلسطينية الراحل إدوارد السعيد

كان جون بول سارترJean-Paul sartres 19051980/ متململا مترددا في مواقفه فهو مع الثورة الجزائرية مؤمنا بجَلدها وشجاعة مجاهديها وقوتها العنفية و الطبقية، لكنه في ذات الوقت كان يناصب بعض الثورات العداء كالقضية الفلسطينية حين أعلن وقوفه العبثي مع الكيان الصهيوني وتأييده قيام كيان صهيوني تحت مسميات يهودية، وهو لا يختلف عن الفرنسي ميشال فوكو Paul-Michel Foucault 1926/1984 أو الألماني يورغن هابرماسJürgen Habermas دوسيلدورف مقاطعة الراين 1929 في مواقفه المتذبذبة والمنحازة وغير الأصيلة والتي تتناقض وقواعد العقل التنويري الذي رافع ضد الاستبداد والظلم وتدمير الإنسان. كما هو استمرار لضيق الأفق السياسي والتاريخاني للمدرسة التي لم يخفي “هوركهايمر 1875/1973 Max Horkheimer مؤسس مدرسة فرانكفورت ابتهاجه وسروره سنة 1967 بنصر جيش الكيان الصهيوني” وطالب بكل فخر باستمرار فتوحاته العسكرية . [1]في حرب الستة أيام وبعث تبريكاته إلى كيان اسرائيل متملقا الصهاينة.

صاحب قولة “مهمة البراغماتية العالمية هي تحديد وإعادة بناء الظروف العالمية للتفاهم المتبادل المحتمل” لم يعد قادرا على تفهم أن” تقاوم “محتلا و تناضل من أجل استحقاقات تاريخية ووجودية وتاريخية و أعني هنا المفكر الشهير هابرماس. صاحب المكارتية الجديدة التي تتصدر الحداثة في زمن الحريات وانبلاج عصر التواصل الرهيب. نحن أمام هيمنة سلبية للتنوير وانقلاب مزعج في ثروته المفاهيمية والتبشيرية بعالم مُؤنسن وحر.

ماذا تكون الفلسفة إن لم تكن مواقف وأفعالا ونضال وبراكسيس بالمفهوم الماركسي. تبا للأفكار التي تتعالى وتتبتل تبتلا ترونستونداليا ولا تخرج من عنق زجاجة الصحائف و الأوراق والأقبية الأكاديمية .بدل أن تكون العقول الأكاديمية صوتا يناهض الاستغلال والجشع والاستعمار والإبادة تتحول إلى إحداثيات سلبية تبشر بالاستعمار والفاشية . بل لم يكن هابرماس وهو فيلسوف التواصل وفلسفة اليومي والمعيش ونقد العقل الأداتي زعيم مدرسة فرانكفورت غلا علامة كولونيالية جديدة .ونركز هنا على فلسفة الاعتراف التي قادها ودافع عنها في محافل ثقافية ونظرية دفاع المستميت عن قهر الذوات وفجأة انقلب ضدها. حتى وصفه الفيلسوف الألماني بتر سلوتردايك بأنه “السليل الأخلاقي للنازية” .

إن العقل العربي لا مكان له داخل الحداثة ولا في ما بعد الحداثة وعلى العقل التنويري العربي المزعوم أن يعيد ترتيب أولوياته الثقافية ويعيد تنشيط أسس عقلانيته التي يعتقد بسلامتها وصوابها خاصة بعد أحداث 7 اكتوبر التي فضحت التوجه الكولونيالي المقيت لدعاة التنوير الذي أسفر عن ثروة فلسفية غير ناجزة وغير مكتملة أو ناضجة أخلاقيا.

يستوجب أن يتوضح لأهل العقلانية والدعوات التنويرية أن زمن العولمة الأول حسب توماس فريدمان بدأ سنة 1492-1800 أي داخل تشكل الوعي الحداثي أو الحداثة Modernité

التي بدأ تكوينها الثقافي في أواخر القرن الخامس عشر وأن أول من أطلق هذه التسمية هو الشاعر الفرنسي بالزاك balzac سنة 1823 ثم شهد هذا المفهوم عبورا ميتافيزيقيا جريئا في الثقافة الغربية بل انقلابات عميقة في الوعي المركزي الغربي وعليه فلا يجب أن نقرأ المنجزات الاوروبية بعيدا أن التشابك الابيستمولوجي والفلسفي بين الحداثة والعولمة .وتحت تأثير مغلق لبراديغم الكوجيتو الديكارتي الذي لا يمكن تسفيره للثقافات الأخرى . فلا يوجد كوجيتو صيني أو كوجيتو فارسي أو كوجيتو عربي . هذا المفهوم اللاتيني التقليدي بدأ غربيا وسينتهي كذلك.

ماحدث لليهود كان انحرافا في الحداثة [2] هل يُصنف كحدث يدفع في ظل تبعاته الفلسطينيون ثمنا باهظا من دمائهم ووجودهم واستقلالهم ؟.هل هو ذنب مسلط على هذه الفئة المقهورة كونيا و وتاريخيا؟

المؤسف أن هناك نسقا أخلاقيا مغلقا لا يرى إلا ذاته وحضوره في مرآة نرجسية تتأبد في ثقافته وترفض الاعتراف بالآخر. علينا أن نعرف جيدا أن هابرماس لوثري التوجه بروستانتي المذهب والمعتقد فهو علماني لا يخفي مسيحيته ويرى ضرورة حضور الدين في الفضاء العمومي .فالتقاليد المسيحية يجب أن تزاحم القوانين العلمانية وتؤثر فيها تأثيرا أخلاقيا وتكون لها سندا قيميا ضروريا. ولو قمنا بتحليل بسيط بين المؤسس الحالم بالرايخ الثالث أدولف هتلر الذي كان كاثوليكيا نمساويا شديد الارتباط بتعاليم الكاثوليك والآباء المؤسسيين ويظهر في دلالة والاشارة في العلم الصليب المعقوف رمز النازية.سنكون ملزمين بالاعتقاد أن البروستنتانتية الهابرماسية تؤمن بالمسألة الصهيونية تحت وقع التحول العقدي للبروستنات الذين يؤمنون بأن اليهود هم أخوة “الرب المسيح” بينما الكاثوليك يرون فيهم قتلة “الرب وألد أعدائه”.ولهذا انبجست حرب كونية كارثية ورهيبة كانت في عمقها تطاحن لتصورات دينية صليبية تقليدية وسببا لنقمة النازية على المسألة اليهودية ومآسي الهولوكوست وبعض أحداثه المزعومة والمبالغ فيها و الذي بات لعنة تلاحق الألمان وضحيته التاريخية هم الشعب الفلسطيني صاحب الحق المظلوم. إذن ليست مسألة تعاطف مع الإبادة النازية لليهود أو تدمير للمبدأ السياسي “ضد السامية ” بل هو تحالف عقدي تاريخي ترتسم فيه السرديات المسيحية البروستانتية التي سَلَّمت فلسطين للصهاينة ونزعت الحق الفلسطيني نزعا بالاستناد إلى اجتهادات نصية “لمارتن لوثر الذي لم يعد يرى في اليهود شعب الله المختار فقط بل أخوة بدل متواطئين في تعذيب المسيح ونفيه وقتله بالتصور الكنسي الكاثوليكي “[3]

يرى عالم الاجتماع البولندي زيغموند باومن1925/2027 Zygmunt Bauman أن سبب العداء القديم بين المسيحية واليهود هو التكوين العقدي أي نكران اليهود الأوائل لرسالة المسيح واضطهادهم له رغم انتمائه للجذور العبرانية ومكانته النبوية واللاهوتية والذي يصل إلى درجة البغض كونهم ” أناس رفضوا، وهم في كامل وعيهم،أن يصدقوا الحقيقة الالهية عندما واتتهم الفرصة. ومن ثم،فإن وجود اليهود ظل يزعزع حقيقة الرسالة المسيحية ..هو تفسير للمكابرة اليهودية بأنها نتيجة للمكر السيء وسوء النية والفساد الأخلاقي” [4]

الجانب السيء في هاته المقابلة بين باومن زيغموند وهابرماس هو التحليل الديني للظاهرة والسؤال الذي لا إجابة له ولا تبرير فلسفيا له لماذا أضحى الفلسطيني وقود لمعارك النويريين والحداثيين ؟ والجميل أن حركة الاستقلال الفلسطينية والمقاومة المجيدة في غزة أزالت كثير من الغشاوة التنويرية الغربية عن أعيننا كعرب وكجزائريين تُعتبر المقاومة والتحرير عقيدة وجزء من تاريخهم ووعينهم وثقافتهم السياسية شعبا ودولة.

رفض هابرماس للمقاومة واتهامها بالتطرف والتشدد العنفي فاقد لكثير من التبصر الميتافيزيقي يحمل في ذات الوقت عدمية ميتافيزيقية تنسف مشروع التواصل الهابرماسي المأزوم مركزيا وغربيا. والمسكون بالوجد الديني الصليبي المفقود.

إن البيان الاستباقي التبريري الذي تم إعلانه من طرف مدرسة فرانكفورت حول حق الصهاينة في الدفاع عن النفس عقب ثورة السابع أكتوبر وأحداثه الجارفة 2023 كان بقعة سوداء في تاريخ الحداثة والفلسفة المعاصرة وسبة أخلاقية لا يمكن لأي تبرير أن يغسلها أو ينظف العقل المابعد تنويري منها .

محمد بصري

هوامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش

1- انظر السيد ولد أباه مدرسة فرانكفورت والمسألة الصهيونية مجلة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية بتاريخ 11/02/2024.

2- انظر بهاء الدين محمد التناقضات الفكرية في بيان هابرماس عن حرب غزة بين كونية القيم وخصوصيتها مجلة الفراتس تاريخ المتابعة 27/08/2025

3- انظر حوارا للدكتور محمد المختار الشنقيطي بودكاست طوفان الاقصى معادلات الزمان والمكان المشاهدة بتاريخ 28/08/2025 .

4- زيجموند باومن 1925/ 2017 الحداثة والهولوكوست ترجمة حجاج أبو جبر مدارات للأبحاث والنشر ط1 ص98

*باحث جزائري