المجلة الثقافية الجزائرية

تجليات نظرية ما بعد الاستعمار في رواية ذاكرة الجسد

بقلم أنس مبارك 

رواية “ذاكرة الجسد” من أشهر الروايات التي ألفتها الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي والتي كانت لها أصداء واسعة في العالم العربي. وهي حائزة على جائزة نجيب محفوظ سنة 1998 لهذا العمل والتي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة لأهم عمل روائي باللغة العربية. النقاد العرب اعتبروها أهم عمل روائي صدر في العربية في أواخر القرن العشرين. وقد صدرت عن هذه الرواية عدة دراسات وأطروحات من مختلف الجامعات العالمية.

أحداث هذه الرواية تدور حول رجل اسمه “خالد بن طوبال” الذي كان مناضلا جزائريا ضد الاستعمار الفرنسي في ثورة التحرير الجزائرية وفتاة اسمها “حياة”. وكان خالد تحت امرة زعيم الجبهة للمقاومة “سي طاهر”. وكان يده اليمنى في العمليات العسكرية ولكن فيما بعد أصيب خالد في ذراعه ما يؤدي في بترها. ويضطر خالد إثر ذلك لمغادرة ساحة الحرب ويرسله سي طاهر إلى مسقط رأسه قسطنطينة ويأمره برعاية بنته حياة. وبعد سنوات, تحصل الجزائر على الاستقلال ويتولى مقاليد الحكم كثير من الفاسدين ولهذا السبب, يعتزم خالد مغادرة بلده ويعيش في فرنسا كرسام. وفي يوم من الأيام, تزور حياة معرض الرسم لخالد ويفتن خالد بجمالها الباهر ثم يقع في حبها ولكنّه لا يستطيع الإفصاح عمّا يشعر به نحوها وكان يكبرها ب25 عامًا وكان يتمنى أن تتبادل نفس المشاعر تجهاه. وفي نهاية المطاف, يجبر عم حياة -و كان مسؤولا فاسدا في حكموة الجزائر بعد الاستقلال- على زواجها من موظف حكومي فاسد. وعندما يعلم خالد هذا الخبر يشعر بخيبة أمل شديد, وهكذا تنتهي القصة.

على الرغم من أن هذه الرواية تعد من الجنس الرومانسي إلا أنها تحمل في طياتها دلالات ومعاني ثقافية واجتماعية. يمكننا أن نلحظ أثار الاستعمار الفرنسي الشنيعة عالقة في أذهان الشخصيات الرئيسية في الرواية.

ما هي نظرية ما بعد الاستعمار؟

بدأت إرهاصات نظرية ما بعد الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين وتعود جذورها إلى حركات المقاومة والاستقلال في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. تعتبر نظرية ما بعد الاستعمار إطارا نظريا يستخدم لتحليل الأثار الثقافية والسياسية والاجتماعية التي خلفها الاستعمار في البلاد المستعمرة. وأهم من طوروا هذه النظرية من أمثال فارنز فانون, وإدوارد سعيد, وغاياتري سبيفاك, وهومي بابا كانوا من البلدان التي تعرضت لأبشع الممارسات الاستعمارية مثل الهند, وأفريقيا, وبعض الدول العربية. هناك العديد من الروايات ما بعد الاستعمارية تتناول قضية الهوية والأثار السلبية للاستعمار مثل رواية “الأشياء تتداعى” لتشنو أتشيبي “وأطفال منتصف الليل” لسلمان رشدي و”موسم الهجرة إلى الشمال” لطيب صالح.

 ورواية ذاكرة الجسد مثال بارز يعكس هذه النظرية الأدبية إذ تتطرق هذه الرواية إلى قضية الهوية والصراع الداخلي والخارجي في الشخصيات بعد الاستقلال في الجزائر.

بطل الرواية خالد كثيرا ما يعاني من أزمة هوية نتيجة مشاركته في الكفاح الوطني الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي ويعيش في صراع دائم بين ذاكرته كمناضل للحرية وواقعه كرسام في المنفى. ويشهد خالد أثار الاستعمار حتى بعد الاستقلال حيث يتولى قيادة الجزائر مسؤولون فاسدون يستغلون تضحيات المناضلين في الثورة الجزائرية. يرمز منفاه فرنسا في هذه الرواية إلى اغتراب البطل عن وطنه وهويته وهروبه من الذكريات المؤلمة.

يمكننا أن نلحظ حجم الصراع الداخلي الذي يعاني منه خالد بين وطنه الجزائر التي تحترم تفانيه وتضحياته ولكنها ترفضه كفرد وفرنسا التي تقدر مواهبه الفنية ولكنها ترفض جروحه وتاريخه حيث يقول مخاطبا نفسه”تعيش في بلد يحترم موهبتك ويرفض جروحك، وتنتمي لوطن يحترم جروحك ويرفضك أنت، فأيّهما تختار؟ وأنت الرجل والجرح في آن واحد، وأنت الذاكرة المعطوبة التي ليس هذا الجسد المعطوب سوى واجهة لها”

ويقول خالد معبرا بشكل غير مباشر عن أثار الاستعمار طويلة الأمد حيث أصبحت الحياة اليومية عبارة عن صراع من أجل البقاء”نحن متعبون.. أهلكتنا هموم الحياة اليومية المعقدة التي تحتاج دائمًا إلى وساطة لحل تفاصيلها العادية، فكيف تريد أن نفكر في أشياء أخرى، عن أي حياة ثقافية تتحدث؟ نحن همنا الحياة لا غير.. وما عدا هذا ترف”

باختصار, رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي تعد عملا أدبيا يعالج قضية إرث الاستعمار السلبي في الجزائر ومدى الصراع الداخلي والخارجي الذي عانى منهما الشعب الجزائري جراء الممارسات الاستعمارية الفظيعة وتعتبر نموذجا رائعا للأدب الذي ليس فقط يروي قصة فردية، بل يعكس أيضًا قصة شعب بأكمله تعرض لاستغلالات الاستعمار ويحاول إيجاد طريقة نحو الحرية والكرامة.

 

كاتب هندي باحث في الأدب المقارن