بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك
حينما سمعت أخبار ما جرى في ذلك اليوم، على منبر بيت من بيوت الله بعد صلاة الفجر، هممت أكثر من مرة أن أكتب عنها متعجبًا متأملا ومستنكرًا في الوقت ذاته ،ومتحسّسًا لكل تفصيل كما لو كان كل كلمة وجملة قابلة للتفسير على نحو غير متوقع، فالأمر بدا للوهلة الأولى غريبًا جدًا، إذ كيف يمكن لرجل يلبس عباءة الوقار، ويعتلي المنبر بعد صلاة الفجر، أن يقول كلامًا يدل على خطل في التفكير وطمس في البصيرة؟ كيف يمكن لرجل ان يطلب امرأة للزواج وهي متزوجة وفي عصمة رجل آخر، أليس هذا غريبًا وصادمًا؟ وداعيًا للشك في عقل الرجل الذي يطلب شريعة البغال والحمير؟!
لقد حاولت أن أستسلم للدهشة وحدها، لكن التفاصيل لم تترك لي هذا الخيار، فالرجل لم يقل كلامه في السر، ولا في زاوية منعزلة، بل على الملأ، أمام جموع من مصلين لم يتوقعوا أن يتحول بيت الله إلى مسرح لتناقضات بشرية عابرة للزمان والمكان، كما لو أن المنبر أصبح منصة لتجاوز كل القواعد، وكأن الشريعة نفسها تتجمد أمام عجائب هذا الرجل.
والأدهى أن الطلب الذي صدر عنه لم يكن عاديًا بأي معنى، فالرجل تحدث عن رغبة مستحيلة، وهي طلب زواج من امرأة متزوجة اصلا، اظن ان طلبه لم يكن مبنيًا على إعجاب عابر، ولا على إعجاب فقط بعيون “تسابيح” وجمالها ، بل على إدراك خاطئ للقوة والسلطة، ، ليس هذا وحسب بل أنه يتوجه بطلبه أمام المصلين إلى “حميدتي” الذي تواترت الروايات سلفا بمقتله أول ايام حرب الكرامة، التي تفجرت في منتصف ابريل من عام 2023 ضد الجنجويد والمرتزقة أو تتار القرن الواحد والعشرين.. طلب لم يكن في سياق المنطق أو الواقع، وغريب أكثر أن الإعلان عن هذا الطلب جاء بعد صلاة الفجر، وقت يظل فيه العقل أكثر صفاءً، والوجوه أكثر خشوعًا، والقلوب في أرقى درجات التواضع والخشوع والتأمل، هل تبدلت الشرائع ايضا عند الجنجويد والمرتزقة فيطلب من شاء من تشتهيه نفسه من النساء حتى وان كانت متزوجة !
من المثير للاهتمام أن كثيرين من الناس ما زالوا يعتقدون في أعماقهم أن الأمر ربما كان مجرد خطأ في التعبير، أو سوء فهم، أو رغبة في المجازفة بالكلمات لإحداث ضجة. غير أن هذا الاعتقاد لم يكن كافيًا بالنسبة لي، إذ كان يلزمني أن أرى كل التفاصيل.. كيف تأنى لهذا الرجل أن يخلط بين المنبر والاخلاق والرغبات خلطا شنيعا ، وبين القداسة والطهر، والرغبة الشخصية المتمثلة في”تسابيح” المتزوجة؟
وقد هممت أكثر من مرة أن أكتب عن ذلك كله، متعاطفًا مع الضحية الرمزية لهذا الحدث، أي المرأة المعنية بالزواج ، لولا خاطر معين كان يفرض نفسه على ذهني ويحول بيني وبين الانفعال المباشر: ماذا لو كان ما قيل صحيحًا؟ وماذا لو كان الرجل قد صرح بهذا الكلام بالفعل، لكن قصد منه اختبار قدرة الناس على الصمت والتجاوز، ثم ما يمنع ان يكون الأمر برمته مفتعلا ومحسوبا بين الرجل و” تسابيح” نفسها، والجهات الداعمة لميليشيات الدعم السريع، بغرض إلهاء السوانيين، بل إلهاء العالم اجمع عن الفظائع وجرائم الابادة التي ارتكبتها ميليشيات الدعم السريع والمرتزقة ؟ في وقت تنامى فيه، وثبت بالفعل، الاتهام المباشر لنظام الامارات وضلوعه في مخطط الحرب على السودان، بعد ان كشفت التقارير والفيديوهات الصحيحة، الجرائم والأهوال التي تعرض لها السودانيين بدعم وتمويل النظام الاماراتي.
بالنسبة لي، الاحتمال قائم دائمًا سواء كان الحدث كما يُروى أو تفسيره مختلف، بل إنه جزء من قناعاتي الأساسية أن هناك دائمًا احتمالا لأن تكون الأحداث كما هي، أو أن تكون على الأرجح مسرحية ومؤامرة مدبرة. وقد قوى هذا الاحتمال أكثر بعد أن راجعت تفاصيل الحدث: إعلان الكلام على الملأ، تحديد الوقت (بعد صلاة الفجر)، وضوح وطبيعة الطلب، وجود “تسابيح” في موقع محدد، توجه بالطلب رأسا ل” حميدتي”، كل ذلك جعل من الصعب تجاهل الواقعة أو الاكتفاء بالدهشة العابرة، ومع ذلك، ما زالت الحاجة قائمة لمراجعة التفاصيل كاملة، ولم يقتصر المشهد على ذلك، بل صمت الحضور، بعضهم من الدهشة، وبعضهم من الحيرة، هذا الصمت، بحد ذاته، يجعل الموقف أكثر سخرية، إذ تصبح المفارقة بين ما يُعلّم على المنبر وما يُمارس على الأرض واضحة أكثر من أي وقت مضى. فالرجل يعظ بالفضيلة، ويعلن في الوقت ذاته رغبة تتناقض مع كل تعاليم الدين الحنيف.
يبقى بعد ذلك سؤالان: الأول لماذا يصرّ على إعلان مثل هذا الطلب في وقت ومكان مقدسين؟ والثاني هو: كيف يمكن للإنسان أن ينسى كل قواعد العقل والدين والوجود في لحظة، ويظن أن المنبر يمنحه الحق في تجاوز كل الحدود؟ أرجئ الإجابة على السؤالين لحين إعادة تقييم كل الوقائع والمعطيات، وفحص كل التفاصيل الدقيقة، ولكل حادثة سياقها وتداعياتها وتحليلها.


