د/ محمود حسن محمد
حين تحسن الدول الثناء على بعضها، لا يكون ذلك مجاملة عابرة ولا خطابا بروتوكوليا يُقال أمام الكاميرات ثم يُنسى، بل يتحول إلى فعل تنموى هادئ، يعمل فى العمق حين تتشكل الثقة، وحين تبنى الجسور غير المرئية بين الشعوب قبل الحكومات .
فالثناء المتبادل ، حين يصدر بصدق ووعى، يفتح مساحات تفاهم تتجاوز اللغة الرسمية، ويُعيد تعريف العلاقات الدولية بوصفها شراكة إنسانية قبل ان تكون مصالح متقاطعة .
فى الحوار الدبلوماسى الرشيد لا يُنظر إلى الثناء على أنه ضعف أو تنازل، بل باعتباره اعترافا بالقيمة، وهذا الاعتراف هو أول درجات الاحترام، الدول التى تُجيد الإشادة بتجارب غيرها، وتُسمى النجاحات بأسمائها، إنما ترسل رسالة ذكية مفادها أنها واثقة من ذاتها ، وأنها لا تخشى المقارنة، ولا تتوجس من التقدم من التقدم عند الآخرين .
هذه الثقة تنعكس داخليا على مؤسساتها، وتُشجع مجتمعاتها على التعلم والانفتاح، وتغذى عقلا تنمويا يرى فى نجاح الآخر فرصة للاقتداء لا سببا للغيرة .
أما على مستوى التفاهم الحضارى، فإن الثناء يذيب الصور النمطية التى طالما أعاقت التعاون بين الأمم، حين تمتد دولة لتُشيد بمنجز ثقافى أو علمى أو إنسانى لدولة أخرى فإنها تفتح بابا لحوار أعمق من السياسة، حوار تشارك فيه الذاكرة، والتجربة ، والقيم المشتركة .
وهنا تتحول التنمية من أرقام وخطط إلى قصة إنسانية مشتركة، تُروى بلغة الاحترام المتبادل، وتبنى على الإيمان بأن التقدم لا يكون فرديا فى عالم متشابك .
والأثر التنموى لهذا النهج يتجلى بوضوح فى بيئة الاستثمار، وفى التعاون العلمى، وفى الشراكات التعليمية والتقنية، فالثناء الصادق يخلق مناخا نفسيا إيجابيا، يُطمئن الشركاء المحتملين، ويقلل من منسوب التوجس، ويُسرع من انتقال المعرفة والخبرات.
كما أنه يسهم فى ترسيخ دبلوماسية ناعمة، تُقنع قبل أن تفاوض، وتُقرب قبل أن تلزم، وتبنى الثقة باعتبارها أصلا تنمويا، لا يقل أهمية عن رأس المال أو الموارد.
فى عالم يموج بالتنافس الحاد والخطابات التصادمية، يصبح الثناء المتبادل فعلا حضاريا مقاوما للتوتر، ورسالة تقول إن القوة الحقيقية لا تكمن فى تقليل شأن الآخرين، بل فى القدرة على رؤيتهم شركاء فى رحلة التقدم الإنسانى.
الدول التى تفهم هذا المعنى لا تُراكم الخصومات، بل تُراكم الاحترام، ولا تبحث عن انتصار مؤقت، بل عن تنمية مستدامة، أساسها الحوار، وروحها التفاهم، وأفقها مستقبل تُسهم فيه كل أمة بما لديها، وتفرح فيه بنجاح غيرها كما تفرج بنجاحها .
وعندما يترسخ هذا السلوك فى الممارسة الدولية، يتحول الثناء من خطاب إلى ثقافة، ومن لحظة دبلوماسية إلى نهج طويل الأمد، فالدول التى تتبادل التقدير تُعيد صياغة مفهوم القيادة العالمية، ليصبح قائما على الإلهام لا الهيمنة، وعلى المشاركة لا الإقصاء.
وحين تُثنى دولة على أخرى فى محفل دولى، فإنها لا ترفع من شأن غيرها فحسب، بل ترفع من مستوى الخطاب العالمى ذاته، وتُسهم فى تهذيب المجال العام الدولى من لغة الإستعلاء، والشك المتبادل .
هذا المناخ ينعكس مباشرة على الشعوب، إذ يشعر المواطن أن بلاده جزء من شبكة احترام عالمية، لا كيان معزول عن العالم، ومع هذا الشعور تنمو قابلية المجتمع للانفتاح، وتزداد الثقة فى التعلم من التجارب الخارجية، وتتراجع النزعات الانعزالية التى تعرقل التنمية، وتضعف فرص التحديث.
فالثناء، حين يصل إلى الوعى الجمعى، يصبح طاقة نفسية تدفع نحو الإبداع، وتُعزز الإحساس بالكرامة الوطنية دون حاجة إلى التقليل من شأن الآخرين.
وفى الأزمات الدولية، يتجلى أثر هذا النهج باوضح صورة، فالدول التى راكمت رصيدا من التقدير المتبادل تجد قنوات التواصل مفتوحة حتى فى لحظات الخلاف. ويصبح الحوار ممكنا، لأن الذاكرة الدبلوماسية ليست مثقلة بالإهانات، بل عامرة بلحظات اعتراف وتقدير .
وهنا تتحول التنمية إلى مفهوم واسع، يشمل الاستقرار بوصفهما شرطين أساسين لأى تقدم اقتصادى او اجتماعى .
إن ثناء الدول على بعضها ، حين يمارس بوعى ومسئوولية يُعيد السياسة الدولية إلى أصلها الإنسانى، ويجعل التنمية مشروعا مشتركا لا سباقا صفريا، فهو يزرع لغة جديدة فى العلاقات الدولية، لغة ترى فى الاختلاف ثراء، وفى النجاح المتبادل ضمانه لمستقبل أكثر توازنا وعدلا، عالم تقاس فيه قوة الأمم بقدرتها على بناء الآخرين معها، لا بتفوقها عليهم .





