بقلم : أحمد . م . مكاراتي
غالباً ما يقع الدارسون للمسرح الغربي والعربي الحديث في فخ الدمج المصطلحي.. فيتعاملون مع مسرح العبث ومسرح اللامعقول باعتبارهما وجهاً لعملة واحدة .. ورغم أن الأغلبية ذهبت إلى توحيدهما إلا أن القراءة العميقة للمضامين والبنى الدرامية تكشف عن بون شاسع وفوارق جوهرية بين مسرح قائم على سوداوية العبث ومسرح يتحرك في فضاءات اللامعقول.
مسرح العبث
ظهر مسرح العبث في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين في فرنسا ثم انتشر في العالم. وكان رد فعل سيكولوجي وفلسفي على أهوال الحرب العالمية الثانية حيث شعر الإنسان الغربي بصدمة حضارية وفقدان اليقين بالدين والعلم والأنظمة السياسية؟ ومن هنا وُلدت الرغبة في التعبيرعن هذا الضياع.
فكان ظهوره كـنتاج حتمي للظروف السياسية والاجتماعية المأساوية التي خلفتها الحرب حيث انهار الإنسان الحديث نفسياً وقيمياً فجاء ليعكس هذا الانهيارعبرأدوات غير عقلانية متمردة على القوالب الكلاسيكية.
ويمكن ان نلخص الهيكل البنائي لمسرح العبث في النقاط التالية:
تفتيت البنية الدرامية:
هو مسرح بلا حبكة تقليدية وبلا صراع درامي نمطي وبعيد كل البعد عن المنطق الأرسطي (بداية – وسط – نهاية) الأفكار فيه تبدو غير متسلسلة وتفتقر إلى التبرير العقلي.
استمد مسرح العبث أفكاره من الفلسفة الوجودية (تحديداً كتابات جان بول سارتر وألبير كامو).
طَرَح كامو في كتابه أسطورة سيزيف مفهوم العبث وهو الفجوة الحتمية بين رغبة الإنسان في البحث عن معنى لحياته وصمت الكون تجاه هذا البحث.
أزمة التواصل واللغة:
الحوار في مسرح العبث ليس محكماً ولا يقود إلى أفعال واللغة متأرجحة مهزوزة وغير واثقة من معانيها
لذا يتحول الحوار غالباً إلى ما يشبه المونولوجات المتوازية حيث يتكلم الجميع ولا يسمع أحد الآخر مما يعكس العزلة التامة للشخصيات
مسرح المواقف والزمن الراكد :
لا توجد حوادث متطورة أو نمو للشخصيات.. فالشخصيات هلامية وغير محدودة المعالم حيث تبدو مهزوزة متناقضة بلا هويات ثابتة وأحياناً تنسى أسمائها أو ما كانت تفعله قبل قليل.
العبثيون يعتمدون على صدم المتلقي بجمل قصيرة مكثفة ومعزولة عن بعضها تماماً والمشاهد هو من يحاول تجميعها في ذهنه ليصنع منها معنى أو ليكتشف في النهاية أن اللا معنى هو المقصود إنه مسرح موقف ثابت حيث يغيب الإحساس بالزمن أو يتدفق بشكل دائري تكراري لا يفضي إلى شيء (كما في مسرحية في انتظار غودو).
صورة المرأة:
يلاحظ في هذا المسرح أن دور المرأة يأتي أقل شأناً من دور الرجل إذ تميل الشخصيات النسائية إلى الكآبة وتجسيد الإحباط أو التبعية لواقع بائس ومظلم.
أبرز رواد مسرح العبث وأعمالهم

صمويل بيكيت (إيرلندي) :
الأب الروحي للعبثية. مسرحيته في انتظار غودو هي النص التأسيسي للعبث حيث ينتظر شخصان (فلاديمير وإستراغون) شخصاً يُدعى غودو لا يأتي أبداً دون أن يعرفا من هو أو لماذا ينتظرانه. وله أيضاً مسرحية نهاية اللعبة.

يوجين يونسكو (روماني) :
ركّز على عبثية اللغة والمجتمع البرجوازي. مسرحيته المغنية الصلعاء صدمت الجمهور إذ يدور فيها حوار طويل وتكراري وسخيف لا يفضي إلى أي معنى. وله أيضاً مسرحية الخرتيت.

جان جينيه (فرنسي) :
ركز على صراع الأدوار والأقنعة والزيف الاجتماعي كما في مسرحيتيه الخادمات والشرفة.

هارولد بنتر (إنجليزي) :
نقل العبث إلى البيئة الإنجليزية عبر ما يُعرف بـكوميديا التهديد متميزاً بالصمت والفترات الانتقالية المحملة بالتوتر كما في مسرحية الغرفة .
لم يُطلق هؤلاء الكتاب على أنفسهم اسم العبثيين بل إن الناقد المسرحي الشهير مارتن إيسلن هو من سكّ هذا المصطلح في كتابه الصادر عام 1961 بعنوان مسرح العبث مقدماً التفسير النقدي الشامل لظاهرتهم.
استمرت ذروة هذا المسرح حتى ستينيات القرن العشرين ورغم أنه تراجع كحركة مستقلة إلا أنه ترك أثراً لا يُمحى في المسرح الحديث حيث حرر الكتاب والمخرجين من سلطة النص التقليدي وفتح الباب على مصراعيه للتجريب واستخدام الجسد وأثبت أن المسرح يمكن أن يكون عظيماً حتى لو كان يتحدث عن لا شيء.
مسرح اللامعقول
على الجانب الآخر يقف مسرح اللامعقول في منطقة مغايرة فاللامعقول ليس ترادفاً للعدمية بل هو – كما
يرى سارتر – لايعتبر الحياة البشرية والعالم ضرباً من العبثية المطلقة إنه مسرح يتعامل مع ما لا يمكن
تصوره أو إدراكه بالمنطق اليومي لكنه يملك منطقاً داخلياً خاصاً به.
أبرز سمات مسرح اللامعقول :
دمج الخيال بالواقع : لا يقطع هذا المسرح صلته بالواقع تماماً بل يأخذ الواقع ويميّعه مدمجاً إياه بالخيال الخصب لتقديم رؤية أعمق.
الفانتازيا والرمزية: تعتبر الفانتازيا هي السمة الرئيسية والمحرك الأساسي للأحداث ويستعين المسرح بالرموز المكثفة لتمرير دلالات فكرية وفلسفية وسياسية.
النموذج العربي (توفيق الحكيم) : تتجلى هذه المدرسة بوضوح في المسرح الذهني عند توفيق الحكيم وتحديداً في مسرحيته الشهيرة يا طالع الشجرة. في هذه المسرحية لا نجد عبثاً هداماً بل نجد لا معقولاً
رمزياً غنياً فالشجرة هنا ليست مجرد نبات بل هي رمز الخضرة والجمال والعطاء اللامتناهي.
والبقرة ليست مجرد حيوان بل هي استدعاء لرمزية البقرة حتمور التي قدسها المصريون القدماء كرمز للخصب وطبيعة الأرض المصرية المعطاءة.
إن التمييز بين المسرحين يُعد ضرورة نقدية ففي الوقت الذي يتخلى فيه مسرح العبث عن الأحداث المتطورة والشخصيات المرسومة مغلقاً الأبواب أمام أي أمل أو منطق ومقدماً الإنسان ككائن مشلول في عالم عبثي نجد أن مسرح اللامعقول يفتح الباب للتأويل.
اللامعقول يستخدم اللا منطق كأداة فنية (فانتازيا ورمز) لتفسير الواقع أو نقد أفكار معينة وليس لإعلان موت المعنى. في اللامعقول هناك شفرات ورموز (كالشجرة والبقرة) تحتاج من المشاهد إعمال عقله لفكها بينما في العبث هو الغاية والوسيلة في آن واحد.
وأوجز باختصار مكثف أهم ميزات مسرح العبث :
1- إنه نتاج ظروف سياسية .
2- مسرح غير عقلاني .
3- بلا حبكة .
4- بلا صراع .
5- بعيد عن المنطق .
6- الأفكار غير متسلسلة وغير منطقية .
7- الحوار غير محكم .
8- لغته غير واثقة من معانيها .
9- الحوار أقرب الى المونولوج .
10 -لا يوجد تواصل بين الشخصيات .
11 – دور المرآة ليس كدور الرجل بل هي أقل شأنا ً وتميل إلى الكآبة .
أما مسرح اللامعقول فأهم ما يميزه :
1- لا يمكن تميزه أو اداركه .
2- يدمج الخيال بالواقع .
3- يعتمد على الفانتازيا كسمة رئيسية .
4- يعتمد على الرموز في كثير من الأحيان .
بناءً على ما تقدم يتضح أن مسرح العبث هو تجسيد لأزمة الوجود بينما مسرح اللامعقول هو آلية تعبيرية تتجاوز الواقع المألوف عبر الفانتازيا والرمز لإعادة قراءته.
وبالتالي فإن الانحياز للتمييز بينهما – كما ذهب سارتر – هو الإنتصار الحقيقي لخصوصية كل تجربة إبداعية وتأكيد على أن اللامعقول قد يحمل في طياته حكمة عميقة بينما العبث يكتفي بصرخة احتجاج في وجه الفراغ .





