المجلة الثقافية الجزائرية

جرح الحداثة العربية: العقل النائم والاقتصاد والثرثرة

د. جمال نعيم*

منذ عقودٍ طويلة، انشغل عددٌ كبير من المفكّرين العرب بمسألة نقد “العقل العربيّ” ومحاولة تفسير تعثّر الحداثة في العالم العربيّ. فظهرت مشاريع فكريّة كبرى رفعت شعاراتٍ من قبيل: “تفكيك العقل العربيّ”، “تقويض البنية التراثيّة”، “نقد الذهنيّة العربيّة”، أو “الحفر في جذور التخلّف الأولى”. وكان الرهان الأساسيّ لدى هؤلاء أنّ الحداثة لن تولد فعلًا ولن تستوطن ما لم يتمّ تفكيك بنية العقل التقليديّ العميقة التي تعوق التقدّم وتعيد إنتاج الاستبداد والطائفيّة والانغلاق.

 

غير أنّ هذا الخطاب النقديّ، على أهمّيّته، وقع أحيانًا في نوعٍ من “الجوهرانيّة” الثقافيّة، وكأنّ “العقل العربيّ” جوهرٌ أو كيانٌ واحدٌ ثابتٌ متجانس، يعمل بالطريقة ذاتها في كلّ الأزمنة والظروف، مع أنّ فوكو أثبت في حفريّاته أنّنا لا نفكّر بالطريقة ذاتها في كلّ العصور وأنّ الثقافة الغربيّة نفسها شهدت ثلاث أرضيّات إبّيستِمولوجيّة مختلفة في غضون أربعة قرون فقط. هكذا بدا الإنسان العربيّ، في بعض الكتابات، أسير بنيةٍ ذهنيّة شبه أبديّة، لا تكفّ عن إعادة إنتاج التخلّف مهما تغيّرت الظروف والأحوال.

 

لكنّ الواقع أشدُّ تعقيدًا، إذ إنّ العقل الذي نسمّيه “متخلّفا” ليس دائم اليقظة والنشاط. والطائفيّة المقيتة التي تعانيها مجتمعاتٌ عربيّة كثيرة ليست قدرًا ثابتًا. كما أنّ الهويات المنغلقة القاتلة لا تتحرّك دائمًا بالقوة نفسها. وعليه، هناك لحظات سبات، ولحظات استيقاظ، وهناك أحداث تاريخيّة كبرى توقظ ما كان خامدًا فتعيد المجتمعات إلى مربّعاتٍ ظنّت أنها تجاوزتها. لذلك من الضروريّ إعادة النظر في بعض المسلّمات التي حكمت الخطاب العربيّ حول الحداثة والتخلّف.

 

العقل العربيّ ليس حالة ثابتة

تكمن إحدى المشكلات الكبرى في خطاب “تفكيك العقل العربيّ” في افتراضه الضمنيّ أنّ التخلّف بنيةٌ عقليّة مستقرّة تعمل باستمرار، في حين أنّ الواقع يدلّ على أنّ المجتمعات العربيّة عرفت مراحل انفتاح وتحرّر نسبيّ، كما عرفت مراحل ارتداد وانغلاق. هذا يعني أنّ ما نسمّيه “العقل المتخلّف” ليس جوهرًا ثابتًا، بل إمكانيّة كامنة قد تنشط أو تخبو بحسب الظروف التاريخيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والجيوسياسيّة.

 

يكفي أن نتأمّل التحوّلات التي شهدها جنوب لبنان على سبيل المثال في العقود الأخيرة لفهم هذه الفكرة. فقبل انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران العامَ 1979، كان جزءٌ كبير من المجتمع الشيعيّ الجنوبيّ منخرطًا في الأحزاب الشيوعيّة والتنظيمات الفلسطينيّة والتيّارات القوميّة واليساريّة. وعليه، لم تكن الهويّة المذهبيّة حاضرةً بالقوةّ نفسها التي ظهرت بها لاحقًا. بل بدا، لفترةٍ من الزمن، أنّ الانتماءات الأمميّة والقوميّة تتقدّم على الانتماء الطائفيّ. لكنّ انتصار الثورة الإيرانيّة أعاد تكوين الوعي الشيعيّ في لبنان والمنطقة وبنائه. فجأةً، انتبه الفرد الجنوبيّ إلى هويّته المذهبيّة بوصفها هويّةً سياسيّة وثقافيّة جامعة ولها امتداداتٌ في كلّ الإقليم. هكذا عاد الصراع السنّيّ الشيعيّ إلى الواجهة بقوّة، بعدما بدا أنّ المنطقة تجاوزته نسبيًّا.

 

لا يدلّ ذلك على وجود “جوهر طائفيّ” ثابت بقدر ما يكشف دور الحدث التاريخيّ والجيوسياسيّ في إعادة تكوين الوعي والهويّات. فالطائفيّة قد تبقى كامنة لسنوات، ثمّ تستيقظ حين تفشل الدولة الوطنيّة، أو حين تتدخّل قوى خارجيّة لشحن الهويّات الدِّينيّة والمذهبيّة. من هنا يبدو اختزال الأزمة في “العقل العربيّ” وحده تبسيطًا مفرِطًا. فالثقافة لا تعمل بمعزل عن السياسة والاقتصاد والجغرافيا والتاريخ. وما نسمّيه “الذهنيّة المتخلّفة” ليس دائمًا سببًا أوّليًّا، بل قد يكون أحيانًا نتيجةً لانهيار الدولة، وضعف الاقتصاد، وفشل المؤسّسات الحديثة.

 

الحداثة الشيئيّة: هل تصنع المادّةُ الوعيَ؟

تعوّدت النخب الثقافيّة العربيّة التمييز بين “الحداثة المادّيّة” و”الحداثة الفكريّة”. فالأولى تُختزل في الأبراج والطرق والتكنولوجيا والاستهلاك، في حين أنّ الثانية تعني قيم الحرية والمساواة والعقلانيّة والفردانيّة والديمقراطية. انطلاقًا من هذا التمييز، نظر كثيرون باحتقار في ما سُمّي “الحداثة النفطيّة” أو “الحداثة الاستهلاكيّة”، عادّين أنّها مجرّد قشرة سطحيّة ما زالت تخفي في العمق بنى اجتماعيّة محافظة وتقليديّة.

 

غير أنّ العقود الأخيرة أظهرت أنّ المسألة أشدُّ تعقيدًا. فالحداثة الشيئيّة ليست بلا أثر ثقافيّ. التكنولوجيا تغيّر أنماط الإدراك، والعمران الحديث يعيد نسج العلاقات الاجتماعيّة، والانفتاح الاقتصاديّ يفتح المجتمعات على قيمٍ جديدة، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا. لقد دخلنا اليومَ عصرًا أطلقنا عليه تسمية “عصر التنوير الفائق”، بحيث لم يعد التنوير حكرًا على الجامعات والكتب والنخب الفكريّة، بل صار يتسلّل عبر الهاتف الذكيّ، ووسائل التواصل، والتدفّق الهائل للمعلومات والصوَر.

 

وعليه، فالفرد العربيّ الذي يحمل تلفونًا ذكيًّا، حتى لو كان طاعنًا في السنّ، بات يعيش يوميًّا داخل عالمٍ مفتوح، يرى فيه أنماط حياة مختلفة، ويقارن نفسه بمجتمعات أخرى، بل ويتعرّض باستمرار لقيَم وسلوكيّات جديدة. وهذا التحوّل لم تصنعه المقالات الفكريّة بقدر ما صنعته التكنولوجيا ذاتها.

 

من هنا تبرز المفارقة اللافتة في العالم العربيّ المعاصر. فالأنظمة التي رفعت شعارات التقدّميّة والقوميّة والاشتراكيّة انتهى كثيرٌ منها إلى الاستبداد والانهيار الاقتصاديّ والحروب وانحلال النسيج الاجتماعيّ، في حين استطاعت دولٌ كانت توصف بالرجعيّة أن تحقّق قفزات عمرانيّة وتكنولوجيّة واقتصاديّة هائلة. لقد كانت النخب العربيّة ترى في بعض دول الخليج نماذج “رجعيّة”، في حين كانت مصر وسوريا والعراق والجزائر تُعَدّ دولًا “تقدّميّة”. لكنّ التاريخ سار في اتجاهٍ مختلف. فالاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتيّة غيّرت وجه الخليج، وفرضت، تدريجيًّا، تحوّلاتٍ اجتماعيّةً وقيميّة لم تستطع الشعارات الثوريّة تحقيقها. هذا لا يعني أنّ الحداثة الاستهلاكيّة أو الشيئيّة تكفي وحدها لبناء مجتمع حرّ، لكنها قد تفتح طريقًا واسعًا أمام تحوّلات ثقافيّة لاحقة. وعليه، فالحداثة المادّيّة ليست منفصلة بالكامل عن الحداثة القيميّة، بل قد تصبح، في ظروفٍ معيّنة، مدخلًا يُفضي إليها.

 

الاقتصاد كشَرط للحداثة

وقع كثيرٌ من المثقّفين العرب في وهم الاعتقاد أنّ الأفكار وحدها تصنع التاريخ. لذلك انشغلوا طويلًا بالنقد الثقافيّ والتفكيك النظريّ، في حين أهملوا الاقتصاد بوصفه البنية الأساسيّة التي تتحرّك داخلها المجتمعات المعاصرة. فالإنسان المعاصر كائنٌ يتكوّن في الاقتصاد وبه. لكن لا يمكن بناء حداثة حقيقيّة في ظلّ اقتصاد منهار. والإنسان الذي يعيش في الفقر والخوف والبطالة يصبح أوسعَ استعدادًا للانكفاء إلى العصبيّات الطائفيّة والهويّات المغلقة. أمّا الاستقرار الاقتصاديّ، ولو النسبيّ، فيخلق شروطًا مختلفة للوعي، ويتيح ظهور طبقات وسطى أرسخ استقلالًا، ويمنح الفرد قدرةً أكبر على التفكير في حقوقه وحرّيّاته ومستقبله.

 

لذلك يبدو الاقتصاد، في كثيرٍ من الأحيان، أبلغ تأثيرًا من الخطابات الفكريّة نفسها. ذلك بأنّ الحداثة ليست مجرّد قصيدة أو بيان فلسفيّ أو شعار سياسيّ، بل أيضًا كهرباء ومؤسّسات وفرَص عمل وتعليم ونظام نقل وبنية تحتيّة وتكنولوجيا. أي إنّها شروط مادّيّة تسمح للإنسان بالخروج من قلق البقاء اليوميّ والدخول في أفق أوسع من التفكير. من هنا نفهم كيف يمكن انهيار الاقتصاد أن يجرّ المجتمعات إلى البربريّة مجدّدًا. فحين ينهار الاقتصاد، ينهار معه الإحساس بالأمان وتشتدّ غريزة البقاء، فيصبح الفرد أوسع قابليّة للتعلّق بالجماعات المنغلقة المتشدّدة التي تضمن له حمايةً رمزيّة أو مادّيّة.

 

الثرثرة الإيديولوجيّة والهرب من الواقع

تكشف الحالة اللبنانيّة المعاصرة بوضوح هذا الترابط بين الانهيار الاقتصاديّ والانغلاق الإيديولوجيّ. فبعد انهيار لبنان منذ الحرب الأهليّة التي بدأت العامَ 1975، لم نشهد مراجعاتٍ نقديّة عميقة لدى كثيرٍ من مناصري الأحزاب والطوائف، بل رأينا العكس تمامًا: تضخّمًا في الخطاب الإيديولوجيّ، وكثرةً في التبريرات، وهروبًا مستمرًّا إلى نظريّات المؤامرة والتفسيرات الكونيّة. هكذا تتحوّل الثرثرة إلى آليّة دفاع نفسيّ. فالإنسان الذي يعجز عن مواجهة الواقع يحتمي بالكلمات الكبيرة. ويبدأ بالحديث عن المؤامرات العالميّة، والمحاور الدوليّة، والمجرّات والثقوب السود، كي يتجنّب سؤالًا بسيطًا محرجًا: لماذا انهار البلد؟ وكيف أسهمت الأحزاب والزعامات التي ندافع عنها في هذا الانهيار؟

 

إنّ ما يمكن تسميته بـ”الاختداع الإيديولوجيّ” يقوم تحديدًا على هذا الإنكار. فالفرد لا يريد الاعتراف بأنّ انتماءه السياسيّ شارك في الكارثة، لأنّ ذلك يهدّد هويّته النفسيّة والاجتماعيّة، بل ويهدّد أيضًا منافعه ومكانته الاجتماعيّة. لذلك يفضّل الاستمرار في الثرثرة على مواجهة الحقيقة. هكذا تتحوّل اللغة إلى وسيلةٍ للهروب بدلًا عن أن تكون أداةً للفهم.

 

التجربة الصينيّة

في حين انشغل جزءٌ كبير من النخب العربيّة بتشخيص العطب الحضاريّ وتأويل التراث وتفكيك البنى الذهنيّة، كانت أممٌ أخرى منهمكة في اقتحام الحداثة عمليًّا، ولو بقدرٍ كبير من البراغماتيّة والعنف التاريخيّ والتناقضات. والصين هي المثال الأشدّ استفزازًا في هذا السياق. فالصينيّ لم يدخل الحداثة من باب السؤال الفلسفيّ أوّلًا، بل من باب القوّة. لم يبدأ بالسؤال: “ما الحداثة؟” بل بالسؤال: “كيف نصبح أقوياء؟”. وهذه نقطة جوهريّة. فالمشروع الصينيّ لم يكن مشروعًا تأويليًّا بقدر ما كان مشروعًا حضاريًّا عمليًّا هدفه الخروج من الضعف التاريخيّ الذي عاشته الصين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 

بعد صدمات الاحتلال والإذلال والتفوّق الغربي الساحق، أدرك الصينيّون أنّ العالم الحديث تحكمه القوّة العلميّة والتكنولوجيّة والاقتصاديّة والعسكريّة. لذلك لم يضيّعوا وقتهم طويلًا في اجترار سؤال الهويّة أو في البكاء على التراث أو في البحث عن “أصالة” نقيّة معزولة عن العصر. لقد تعاملوا مع الحداثة تعاملَهم مع ضرورة بقاء. نعم، خاضت الصين نقاشات فكريّة وثقافيّة عميقة، وعرفت صراعات بين المحافظين والإصلاحيّين والثوريّين، لكنّها لم تجعل “تفكيك العقل الصينيّ” شرطًا مسبقًا للنهوض. لم تنتظر إنجاز مصالحة فلسفيّة كاملة مع الكونفوشيوسيّة قبل بناء المصانع والجامعات وشبكات التكنولوجيا. ولم تحسب أنّ التقدم مستحيل قبل الانتهاء من الحفر الأركيولوجيّ في النصوص القديمة.

 

لقد فعلت شيئًا أبسطَ وأخطرَ في الوقت نفسه: أخذت الحداثة كما هي. قلّدت الغرب، سرقت التكنولوجيا حين استطاعت، استنسخت النماذج الصناعيّة، أرسلت الطلّاب إلى الجامعات الغربيّة، انفتحت على الأسواق، واستوعبت منطق الرأسماليّة العالميّة، ثم راحت تطوّر قدراتها الذاتيّة تدريجيًّا حتى صارت منافسًا للغرب نفسه. هنا تكمن البراغماتيّة الصينيّة الهائلة. فالصين لم تقع في عقدة الطهرانيّة الإيديولوجيّة. تخلّت عمليًّا عن جزءٍ كبير من العقيدة الشيوعيّة الاقتصاديّة، لكنّها أبقت الحزب الشيوعيّ ممسكًا بالسلطة. أي إنّها صنعت تركيبًا يبدو متناقضًا: رأسماليّة هائلة تحت إدارة دولة سلطويّة ذات خطاب شيوعيّ.

وهذا ما يربك كثيرين في العالم العربيّ، إذ إنّ العقل العربيّ الحديث تعوّد التفكير ضمن ثنائيّات حادّة: إمّا اشتراكيّة وإمّا رأسمالية، إمّا أصالة وإمّا معاصرة، إمّا تراث وإمّا حداثة، إمّا هويّة وإمّا انفتاح، في حين اشتغلت الصين بمنطق مختلف تمامًا: “ما الذي يجعلنا أقوياء؟” لنأخذه أيًّا كان مصدره. تعاملت الصين مع الحداثة بوصفها أداة قوّة لا بوصفها عقيدة مِتافيزيقيّة. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة عربيًّا. ففي الوقت الذي كان فيه قسمٌ كبير من النخب العربيّة غارقًا في إعادة تأويل التراث، كانت أمم أخرى تبني الجامعات والموانئ والمختبرات والمناطق الصناعيّة وشبكات الذكاء الاصطناعيّ. في حين كان بعض المثقّفين العرب يبحثون عن “لحظة انكسار العقل العربيّ” في القرن الرابع الهجريّ، كانت الصين تبني اقتصادًا أصبح، اليومَ، ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

 

هذا لا يعني أنّ العمل النقديّ على التراث بلا قيمة. فمن المستحيل بناء حداثة حقيقيّة من دون تحرير المجال الفكريّ من البنى المغلقة والاستبداديّة والطائفيّة. لكنّ المشكلة تكمن في تحوّل هذا النقد أحيانًا إلى نشاط دائريّ مغلق، منفصل عن الاقتصاد والتكنولوجيا والعلم والقوّة الفعليّة على الأرض. تصرف بعض المثقّفين العرب كما لو أنّ النهضة تبدأ من المكتبة فقط، في حين أثبت التاريخ أنّ الأمم تنهض أيضًا من المصنع، والجامعة، والسوق، والتكنولوجيا، والبنية التحتيّة، والإدارة الفعّالة. الأهمّ أنّ الصين لم تنتظر تحوّلًا قيميًّا كاملًا حتى تتقدّم اقتصاديّا. لم تقل: “علينا أوّلًا أن نصبح ليبراليّين ديمقراطيّين على الطريقة الغربيّة، ثمّ نبني الاقتصاد”. بل فعلت العكس تقريبًا: بنت القوّة الاقتصاديّة أوّلًا، وتركت التحوّلات الاجتماعيّة والقيميّة تسير ببطء وتناقض وتعقيد.

 

لكن ينبغي أيضًا الانتباه إلى أمرٍ مهمّ: نجاح الصين لا يعني أنّها حلّت المعضلة الإنسانيّة المرتبطة بالحداثة. لا ريب في أنّها حقّقت معجزة اقتصاديّة وتكنولوجيّة هائلة، لكنّها ما تزال تواجه أسئلة الحرّيّة والرقابة والسلطة وحقوق الفرد. أي إنّها نجحت بقوّة في الحداثة المادّيّة، لكنّها لم تحسم بالكامل مسألة الحداثة السياسيّة والقيميّة. ومع ذلك، يبقى الدرس الصينيّ قاسيًا بالنسبة إلى العالم العربيّ: لا يمكن أمّةً أن تبقى قرنًا كاملًا تشرح أسباب تخلّفها، في حين يبني الآخرون القوّة. فالحداثة ليست فقط نقدًا للعقل، بل قدرة على الإنتاج والتنظيم والتكنولوجيا والسيطرة على الزمن التاريخيّ. ومن دون اقتصاد قويّ وعِلم وصناعة ومؤسّسات، يبقى النقد الفكريّ معلّقًا في الهواء، مهما بلغ عمقه الفلسفيّ. 

 

جرح الحداثة والحاجة إلى نقدٍ يقِظ

ربّما يكون ما نعيشه اليوم في العالم العربيّ تعبيرًا عن “جرح الحداثة النازف”. فلا العودة إلى الماضي نجحت، ولا مشاريع التحديث اكتملت. والأسوأ أنّ بعض الخطابات الفكريّة العربيّة غرقت طويلًا في “الحفر الإبّيستِمولوجيّ” من دون الالتفات إلى حركة الواقع المحايثة على الأرض. ولنا في التجربة الصينيّة أسوة حسنة يمكن الاستئناس بها. لقد انشغل كثيرٌ من المثقّفين والمفكّرين العرب بتفكيك النصوص وإعادة قراءة التراث، لكنّهم لم ينتبهوا بما يكفي إلى تحوّلات الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والفضاء الرقميّ من حولهم. في حين كانت المجتمعات تتغيّر فعليًّا بفعل الهاتف الذكيّ والعولمة والمنصّات الرقميّة، ظلّ بعض الخطاب النقديّ يدور داخل الأسئلة القديمة نفسها.

 

لكنّ الحداثة ليست حالة مستقرّة نهائيّة. حتى أوروبا التي أنجبت التنوير والعقلانيّة والعِلم سقطت في الحروب العالميّة والفاشيّات والاستعمار والإبادات الجماعيّة. وهذا يعني أنّ البربرية لا تختفي تمامًا، بل قد تعود دائمًا من داخل الحداثة نفسها. وعليه، تبدو الحاجة ملحّة إلى إبقاء النقد الفلسفيّ يقِظًا باستمرار. نحن بحاجة إلى نقدٍ يراقب تحوّلات السلطة والهويّات والتكنولوجيا والإيديولوجيا، ويمنع تحول المعتقد الشخصيّ إلى سلطةٍ قسريّة تُفرض على الجميع. فالمشكلة ليست في أن يؤمن الإنسان بما يشاء، بل في تحويل الإيمان إلى إيديولوجيا عمليّة تريد إخضاع الآخرين باسم الحقيقة المطلقة.

 

ولعلّ هذا هو الدرس الأبلغ الذي ينبغي استخلاصه اليوم: ليست الحداثة انتصارًا نهائيًّا للعقل على الظلام، بل معركة دائمة ضدّ عودة الوحش الكامن داخل الإنسان والمجتمع والتاريخ. فالحداثة الحقيقيّة لا تقوم على تفكيك التراث وحده، بل على بناء اقتصاد حيّ، ودولة قانون، ومؤسّسات حديثة، ونقد فلسفيّ يقظ، ومساحة حرّيّة تسمح للإنسان بأن يعيش فردًا لا تابعًا داخل قطيعٍ إيديولوجيّ. حينئذ فقط يمكن أن تتحوّل الحداثة من شعارٍ ثقافيّ إلى تجربة إنسانيّة فعليّة.

*مدن