“دفاعا عن رامون سيبيودا “، مقالات، الجزء الثاني، 12 (1580 ـ 1588)
فيكتوريا غايران
ترجمة: الحسن علاج
يُطرح هذا السؤال في الفصل الثاني عشر من الكتاب الثاني للمقالات، ضمن الدفاع عن رامون سيبيودا” . يقوم مونتيني بأناة في هذا النص الطويل بتفكيك مزاعم العقل البشري: وهو بالنسبة إليه يعتبر هشا وعرضة للخطأ، غير قادر على بلوغ حقيقة مؤكدة تماما.
لقد واجه في طريقه بالصدفة ال”بيرونيين”، تلامذة الفيلسوف اليوناني بيرون (365 ـ 275 قبل الميلاد)، الذين يجادلون باستحالة إثبات أدنى قدر من الحقيقة .
سلط مونتيني الضوء على التناقض: يعتقد أولئك الشكوكيون على الأقل فيما يقولون. ” فحتى عندما يقولون “أشك”، فإنه يتم الإمساك بهم فورا من الرقبة من أجل جعلهم يعترفون أنه على الأقل يدافعون ويعرفون ما يشكون فيه. ” بعبارة أخرى، فحتى أن الشك يتحول لديهم إلى أدنى حد من اليقين. سوف يذهب مونتيني إلى أبعد من ذلك. فبدلا من الإثبات فإنه يفضل التساؤل: “وبالتأكيد فإن هذا التوهم يتم إدراكه عبر التساؤل: ” ماذا أعرف؟ ”
مثلما أربطه بشعار التوازن. ”
تحولت الصيغة لديه إلى شعار شخصي، منقوش على عملة معدنية عمل على سكها: ميزان بكفتين راجحتين تماما ـ إشارة إلى فكرة أن الأدلة تتساوى من حيث القيمة ـ مرفوقة بسؤال “ماذا أعرف؟”. كما أن ال”دفاع ” يرتبط بحدث بيوغرافي للمؤلف. بطلب من والده، قام مونتيني بترجمة كتاب اللاهوت الطبيعي إلى الفرنسية لرايمون سيبيودا، وهو لاهوتي كاتالاني. ويزعم كتاب ال” لاهوت الطبيعي” إثبات الحقيقة الدينية بالعقل وحده . ترجم مونتيني الكتاب ترجمة أمينة، لكنه أضعف أطروحات سيبيودا العقلية كما ضمن أفكاره الخاصة، بهدف تمجيد إيمان لا يسعى إلى إثباته. انتسب آنئذ إلى النزعة الإيمانية: ليس الإيمان في حاجة إلى البرهنة . وحتى أن عنوان الفصل، “تقريظ”، بمعنى “دفاع”، “لرايمون سيبوند”، فصلا تهكميا. وتحت غطاء الدفاع عن المؤلف الذي قام بترجمته، تبنى مونتيني في واقع الأمر موقفا معاكسا لمشروعه. وسوف يتهمه باسكال، لاحقا، بالانغماس في ال”وسادة الناعمة للشك”. وعلى الرغم من ذلك فإن الشكوكي لا يهجر المجتمع : فهو يضطلع بدوره كإنسان من بين البشر، لا يتردد في المجازفة بنفسه سياسيا.
بعيدا عن الخلاف اللاهوتي، فتح مونتيني ثغرة في الفكر الغربي. فقد أعلن تساؤله “ماذا أعرف؟ ” عما سوف يُطلق عليه لاحقا “النسبية الثقافية”. فمن مونتيني إلى علماء الإناسة الأمريكيين، وحتى إلى كلود ليفي ستراوس (1908 ـ 2009 )، ثمة نفس الارتياب حيال اليقينيات والمركزيات العرقية يرتسم .
من هو ميشال دو مونتيني (1533 ـ 1592)
ينحدر من عائلة ثرية من منطقة بيريغور، تلقى مونتيني تربية إنسانوية ساعدته على تعلم اليونانية واللاتينية بطلاقة. يافعا، تقلد مهام ببرلمان بوردو، وهناك التقى بإتيان دو لابويسيه (1530 ـ 1563). طور الاثنان معا صداقة عظيمة، توقفت عند موت هذا الأخير بعد خمسة أعوام. وفي عام 1572 ، شرع في كتابة المقالات: ظهر الكتاب الأول والثاني سنة 1580، بينما ظهر الكتاب الثالث سنة 1588؛ لقد قام بإثراء النص حتى مماته. وفيه طور تأملات مستوحاة من البيرونية، في منتصف الطريق بين الأدب والفلسفة . تركت مسافته الحرجة تجاه السلطة ومديحه للتسامح أثرا عميقا في الفكر الغربي .
ــ
مصدر النص: مجلة نقطة الفرنسية Le Point) (عدد 2 ، مارس ـ يونيو 2026





