المجلة الثقافية الجزائرية

جَمَالِيَّاتِ اللَّحْظَةِ الصِّفْرِيَّةِ فِي نَصِّ “لَوْحَة سِحْلِيَّة”

جمال عطية

نبذة: قصيدة (لوحة سحلية) للشاعر سوران محمد المنشور في صحيفة المثقف بتأريخ ١٥/١٠/٢٠٢٤ تجسد العزلة والاضطراب داخل غرفة مغلقة، تبدأ المحاولة الفاشلة للخروج، لتتنقل الرٶية بين جمود السحلية علی السقف و ظهور شبح جثة غامضة، ينتهي النص بقطرة ماء تهز الوعي، وأشجار تين ذابلة تعكس الجفاف الروحي وضياع الرابط بين الجفاف والوجود.

  انشطار الوعي داخل المحبس الفيزيائي:

ينفتح هذا النص على معضلة إبستيمولوجية حادة تتعلق بحدود الفعل الإنساني في مواجهة جمود الفضاء؛ إذ يمثل السعي نحو العبور (“أردت أن تطلع خارجاً”) العتبة الأولى لتوليد المفارقة النصية التي تهيمن على المشهد بأكمله. إن الحركة هنا لا تبدأ من رغبة طبيعية في الانتقال، بل من حاجة ملحة للانعتاق من أسر فضاء يبدو في ظاهره اعتيادياً، لكنه سرعان ما يكشف عن ميكانيكا احتجاز صارمة تتجسد في العجز عن تحريك المقبض (“سحبت الباب بقوة / لكنه لم يفتح”). هذا الانغلاق المبدئي يؤسس لنوع من الارتداد العكسي للوعي؛ فعوضاً عن امتداد الذات نحو الفضاء الخارجي الرحب، يُجبر الوعي على الانكفاء نحو الداخل، ليصبح المكان المغلق مختبراً لتوليد الصور والمشاهد الهذيانية التي تعوض غياب الفعل المادي. يتبدى هذا بوضوح في استحضار الشاشة (“شاهدت الاسانسير في التلفاز”) كبديل افتراضي للحركة البرزخية، حيث يمارس المصعد حركته الذاتية العمياء (“تفتح تلقائياً وتسد / دون أن يدخلها أحد”)، ليكون بمثابة صدى ميكانيكي لعقم الفضاء الحقيقي، وتجسيداً لبؤس الآلية التي تتحرك في الفراغ دون أن تخدم غاية إنسانية، مما يرسخ انفصال الذات عن عالمها المحيط.

تبادل الأدوار وتحولات الكائن: من الكينونة الحركية إلى هندسة التجميد:

تتدرج البنية البصرية للنص عبر آلية بالغة الدقة تعتمد على خلخلة الثوابت الفيزيائية وتحويل الكائنات الحية إلى جمادات، وبالعكس. يظهر هذا بوضوح في مشهد السحلية التي تفقد صفتها البيولوجية الحركية بمجرد وقوع فعل الرصد عليها، لتتحول قسراً إلى عنصر تزييني وجامد (“رأيت سحلية / أصبحت لوحة”). المفارقة الدلالية الأعمق هنا لا تكمن في فعل المسخ والتجميد هذا فحسب، بل في قلب علاقة القوة بين الرائي والمرئي؛ فاللوحة المستحدثة من الكائن الحي لا تظل موضوعاً سلبياً للتأمل، بل تكتسب عين الرصد والفاعلية (“تنظر إليك”). هذا الانعكاس البصري يجعل من الإنسان محط مراقبة من قِبل جمادات الفضاء الذي يحتويه، وكأن الغرفة تعيد تنظيم عناصرها لتطويق الذات ونزع سيادتها المعرفية. إنه تحول جذري يصبح فيه الكائن الإنساني مرئياً ومحاصراً بنظرات الكيانات التي صنعها جمود المكان، مما يمهد لانبثاق الجسد الغريب والمباغت المتمثل في “الجثة الضخمة” الراقدة على الأرضية. هذه الجثة ليست في جوهرها جثة حقيقية لميت، بل هي التجسيد المادي لكتلة الفراغ والاحتقان الروحي الذي أفرزته الغرفة نتيجة احتباس الحركة وتوقف الزمن المادي عند عتبة الباب المغلق.

البعد السمعي والصدمة الصوتية: تفجير الزمن الراكد واختراق العزلة:

يتدخل البعد السمعي في النص كأداة هدم بنيوية عنيفة تكسر رتابة السكون البصري وتفجر الفاصل الزمني الضيق، حيث يشكل “صوت كسر الاستكانة” الهزة الإيقاعية الأولى التي تخلخل ثبات الفضاء. هذا الكسر ليس مجرد حادث منزلي عابر، بل هو “العتبة الصوتية” التي سمحت باختراق الخارج للداخل بشكل هجومي مباغت وعنيف (“ريح هائج هاجم من الشباك”). إن الصوت هنا يعمل كمحفز فيزيائي ونفسي يدفع بالذات للالتفات السريع للوراء، مما يولد خللاً في آلية الإدراك البصري نتيجة السرعة الفائقة لرد الفعل العضلي. هذا الخلل يتجسد في ظهور “الشبح” واختفائه الخاطف قبل أن تكتمل الالتفاتة، ليربط النص بذكاء شديد بين الصدمة السمعية وتشوه التلقي البصري (“قلت: ربما تشويش الرؤية!”). إن تمدد اللحظة الزمنية هنا يبلغ ذروته الجمالية؛ فكل هذا الحجم من الكوارث البصرية والسمعية والتحولات الكونية داخل الغرفة يقع والذات ما زالت في الوضعية الفيزيائية الأولى ذاتها (“وما زال مقبض الباب في يدك”). يعكس هذا التكنيك الجمالي تباعداً هائلاً بين الزمن النفسي المتسارع بصخب والصدمات، والزمن الفيزيائي المتجمد الذي لم يبرح لحظة المحاولة الأولى لفتح الباب.

التشريح الحسي للوعي: “لوح الدماغ” وهندسة الارتجاج المادي:

ينتقل النص نحو ذروة تشكيلية بالغة التعقيد عند معالجة صورة الحنفية وقطراتها الأخيرة، حيث يجري محو كامل للحدود الفاصلة بين ما هو ذهني مجرد وما هو مادي ملموس. إن سقوط القطرة الأخيرة لا يحدث على سطح المطبخ أو الأرضية، بل يوجهه النص مباشرة ليصيب “لوح الدماغ / مهتزاً”. استخدام لفظة “لوح” لتوصيف الدماغ يحول الوعي البشري إلى مساحة مادية فيزيائية صلبة وقابلة للارتجاج والاهتزاز تحت تأثير الأوزان والضربات. هذه الصورة تبرز الحساسية العصبية الفائقة للذات الشاعرة؛ إذ تكتسب قطرة الماء الوحيدة المنعزلة وزن مطرقة حديدية قادرة على هز البنية الإدراكية برمتها. هذا الاهتزاز الذي يصيب لوح الدماغ يمثل لحظة اليقظة العنيفة أو الصدمة المعرفية التي تعقب تلاشي الأوهام والأشباح العابرة؛ فهو الارتطام الحسي الأخير الذي ينقذ الذات من دوامة التشويش البصري، ليعيد ربطها بالواقع العاري من خلال فيزيائية الألم والاهتزاز، تمهيداً للمواجهة الختامية الكبرى مع العالم الخارجي.

الخاتمة المعرفية: تلازم الجفاف المادي والخراب الروحي:

من هذه الخاتمة المعرفية المتمثلة في جملة “لم تكن تعرف الترابط / بين الماء والروح!”، تتجلى الحقيقة البنائية للنص كاملة، حيث يتضح أن الأسطر السابقة لم تكن سوى رحلة شاقة ومعقدة للبحث عن هذا “الترابط” المفقود بين المادة والوعي، أو بين شريان الحياة المادي والامتداد الروحي للكائن. إن هذه العبارة الختامية لا تأتي هنا كوعظ إرشادي أو كحكمة أخلاقية تُلقى على مسامع القارئ في نهاية الحكاية، بل هي بمثابة التقرير البنيوي الحاسم الذي يضيء كل العتمات المشهدية التي مرت بها الذات داخل الغرفة. فالنص يعيد ترتيب نفسه في ذهن المتلقي رجوعاً من هذه النقطة بالذات؛ حيث يصبح انغلاق الباب، وتحرك المصعد الآلي العقيم في التلفاز، واستحالة السحلية إلى لوحة مراقِبة، وارتطام القطرة الأخيرة بلوح الدماغ المهتز، كلها أعراضاً بصرية ونفسية ناتجة عن حالة التيه المعرفي والروحي التي يعيشها الكائن المأزوم بجهله لقوانين الاتصال بين عناصر الوجود الحية والطبيعة.

وفي هذا السياق، تتحول الصورة الختامية لأشجار التين الذابلة في الخارج إلى مرآة حقيقية ومباشرة لجفاف الحنفية في الداخل، مما يؤصل لقرابة وجودية عميقة ومخيفة بين تدهور الطبيعة وتلاشي وعي الإنسان بنفسه وبمحيطه. إن الالتفاتة إلى الخارج، والتي جاءت متأخرة جداً بعد سلسلة من التخبطات البصرية داخل الفضاء المغلق، تكشف أن العطب ليس في الباب الموصد فيزيائياً، بل في غياب التناغم الإدراكي لدى الذات التي لم تدرك أن موت القطرة الأخيرة في الداخل يوازي تماماً انطفاء الحياة الشجرية في الخارج. هذا الترابط الحتمي الذي يقرره النص بين “الماء والروح” يعيد صياغة مفهوم العزلة؛ فهي ليست مجرد بقاء في غرفة مغلقة، بل هي انقطاع قنوات التغذية الميتافيزيقية بين الكائن والكون، بحيث يصبح الجفاف المادي (نفاد الماء) مرادفاً فورياً للخراب البصري (تشويش الرؤية وظهور الأشباح والجثث)، كأن النص يخبرنا بأن غياب الماء يحرر الأشباح الكامنة في وعينا ويمنحها تجسداً ثقيلاً على أرضية الواقع.  

وعند إعادة قراءة النص في ضوء هذه الخاتمة المستفيضة، نكتشف أن بنية الضمائر والانتقال المفاجئ بين المتكلم والمخاطب يمثل تجسيداً ألسنياً وتعبيرياً لهذا الاغتراب المعرفي والانفصال الروحي الشديد. فالنص يبدأ بضمير المتكلم في قوله “أردت أن تطلع خارجاً”، وهي لحظة امتلاك الإرادة والوعي بالرغبة في الانعتاق، لكنه سرعان ما يرتد إلى ضمير المخاطب “تنظر إليك”، “في يدك”، “لم تكن تعرف”. هذا الانشطار في ضمير الوعي يعكس كيف تتحول الذات الشاعرة من دور الفاعل المستقل الذي يحاول قيادة مصيره وسحب مقبض الباب بقوة، إلى دور المفعول به والمراقب والمُوجَّه إليه الخطاب واللوم اللغوي؛ وكأن هناك ذاتاً أخرى، عليا ومدركة، انفصلت عن الجسد الحائر في الغرفة لتقف بعيداً وتوجه له هذا النقد المعرفي الصارم حول جهله بالروابط الخفية بين الروح ومحيطها الحركي والمادي.

أما الإيقاع الداخلي للنص وهندسة السطور القصيرة والمكثفة، فإنهما يتضافران بشكل دقيق جداً لخدمة هذا النزف النفسي الحاد والاضطراب العصبي الذي يسبق الارتطام بالخاتمة. فالأسطر لا تتحرك بنمط رتيب، بل تقفز قفزات سينمائية خاطفة ومتقطعة تحاكي تماماً التشنج العضلي ليد ما زالت متشبثة بمقبض الباب، والارتجاف البصري لعين ترى الجثث وتختفي أمامها الأشباح في لمح البصر. هذا التلاحق المشهدي السريع، والمنتهي بالوقوف الطويل عند قطرة الماء الأخيرة الصامتة التي تهز لوح الدماغ، يصنع مفارقة إيقاعية مذهلة بين صخب الحركة النفسية الداخلية وسكون الغرفة الكلي، حيث يصبح قصر الأسطر وتلاحقها وسيلة لتقليص الزمن المتاح للذات قبل أن تدرك حقيقتها المأساوية، لتأتي الأسطر الأخيرة حول أشجار التين والماء والروح ممتدة، هادئة، وحاسمة، كأنها إعلان النهاية الذي يستقر فيه الوعي على حقيقة جفافه الكامل بعد انقشاع سحب التشويش البصري.