المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

حامل الطرود

رمزي القحطاني

منذ خمسة أيام وارينا جثمان جارتنا ماريا التراب، لقد قضت خمسة وعشرون عاما تعمل بدون كلل لتكسب عيشها، وقد نالت حظها من الحياة فتزوجت رجلاً أحبته وأنجبت منه صبيتان وفتى كبروا وتركوها عندما اشتدوا قوةً وبأساً.
وقد اعتدتُ عليها بهذرها وكثرة شكواها، واعتادت على إصغائي ومواساتي، ولا أنكر أني كنت أُعجب بكل حديث يجري بيننا، أحب جُزءاً كبيراً منه وامقتُ كل تحيز فيه.
ففي أيام الصيف كُنا نجلس أنا وهي في فناء منزلي المُلاصق لمنزلها تماماً، وفي الشتاء ننزوي بالداخل الى جوار المَوقد ونرتشف أكواب القهوة المُحلاة بالسكر الناعم وهي تقول بصوت مُتشنج وحزين:
– سياسة الحكومة تنحدر، دولتنا تتهدم، بلدنا يوشك على السقوط يا سيد ماريو.
فأرد:
– كيف ذاك يا سيدة ماريا؟
– تعتزم الحكومة على تبني مليون لاجئ من دول شرقية.
– وماذا في ذاك؟ أردُ عليها بهدوء فتستشيط غضباً وتجيب وهي تحكّ جبينها وتعضّ على شفتيها وقد شدَّت حاجباها الى الداخل:
– وماذا في ذاك!! يا لكَ من ساذج، تخيل.. لكَ أن تتخيل يا عزيزي ماريو أنَّ مليون لاجئ يعيشون بيننا، مليون هكذا دفعة واحدة، في الحي والشارع، وتلقاهم في محطات القطار وباحات المتاجر. يقتاتون من ضرائبنا ويأكلون مما تجنيه أنت وأنا، يعني نحن من نطعمهم ونبقى جوعى.
– هل تقصدين أنكِ ستستضيفينهم في داركِ؟
– في داري؟!! يا لكَ من أحمق، كُلهم في داري؟ مليون؟!!.
– إذا لم تقدري على استضافتهم كلهم دفعة واحدة فليكن على فترات متفرقة.
يزداد تشنجها واضطرابها ويعلو صوتها وهي ترد:
– أنتَ أحمق، بل أحمق وغبي.
– إذاً فلنقُل أنكِ لن تقدري على استضافتهم كلهم دفعةً واحدة، وليس بين أزمنة متعددة، ولكن فلربما تأخذي منهم القدر الذي تستطيعين عليه، مثلاً مئة فرد، وإن لم يكن فخمسين، ولنفترض أن هذا العدد كبير عليكِ فلتأخذي عشرة أشخاص، عائلتان مكونتان من خمسة أفراد.. ثلاثة أطفال وابويهما.
ترد عليَّ بصوت بائس وحزين:
– لقد تأكدتُ الآن أنك مجنون.. فاقد لعلقلك حقاً.
أردّ عليها بابتسامة مُشرقة:
– يا لكِ من ذكية يا سيدة ماريا، هل تتوسمين بي الجنون؟
– هذا ما استنتجه، هذا ما يُوحيه لي كلامك – تنظر في عينيَّ باستغرابٍ وازدراء – أنا أعول عائلتين لاجئتين غريبتين جائتا من الشرق؟
– ولما لا؟
– هذا ضربٌ من الخيال، بل محال أن يدخل منزلي لاجئون غُرباء ودُخلاء من تلك الأمكنة. تقول هذا ثم تشيح بوجهها صوب النافذة وتلوذ بالصمت، فأردُ قائلاً:
– ماذا سيحدث لو أنكِ أخذتي شخصان وآوتيهما في داركِ، طفلان صغيران نجيا من قصف المدافع وضرب الصواريخ، نفدا من الموت في النهر والبحر وقفار الغابات أثناء قدومهما، امنحيهما حياة جديدة وأمل.
تسند ماريا رأسها على راحة كفها وقد اتكأت إلى حافة الأريكة تنظر إلى بريق الضوء المتسلل من النافذة نحو الخارج إذ وقع على شجرة الزيزفون المُتجردة من أوراقها بفعل ثلج الشِتاء، تُفكِر باستغراق ثم تقول:
– لا مُستحيل.. محال أن يحدث من ما في مخيلتك.
أردُ معاتباً:
– ولما لا؟! أنتي سيدة كريمة ولطيفة، وتحسنين صنع المعروف وبذر الخير.
تندفع للحديث بحزمٍ شديد وهي تُلوّح بسبابتها:
– سأفعله مع أي إنسان من أبناء هذا البلد، لكن لن افعله مع لاجئين.. مُشردين من الشرق!! لا أحب.
أصمتُ قليلاً ثم أرد بيأس ورجاء:
– إذا يا عزيزتي ماريا، جارتي الفاضلة، إن لم يكن لك يد بيضاء تودين مدها إلى هؤلاء البؤساء فلتكفين عنهم أذى لسانك ودعي السلطات ترعاهم فهي أكفاء وأدرى بمصلحة الوطن وشعبه.
– لكنها ستهدر أموالنا عليهم، نحن نعمل ونكد وهم يأكلون وينامون.. لا يفعلون شيءٍ سوى النوم والأكل. قالت هذا والغضب مُستطيل بها وهي تلوِّح بقبضتها في الهواء، سعى ماريو لتهدئتها وما وجد غير أن يقول:
– دعيني اصنع قهوة لنا ومن ثم سأروي لكِ قصة أنا شاهد عليها – يذهب ماريو لتحضير كوبين من القهوة ثم يُقدِّم إحداهما لماريا ويسرد لها حكاية كان يعرفَ بطلها معرفةً وثيقة – استمعي لي جيداً أرجوكِ، لقد كان لي موضفة في شركتي تعمل معي منذُ زمن بعيد. كانت جميلة جداً ومغرورة بعض الشيء، وكان لها زميل عَمَلٍ يشتغل في قِسمها وهو ينحدر من الشرق، وبين وقتٍ وآخر كانت تتنمرَ عليه و تتهمة بالفشل والكسل والبلادة، ثم تسمعه كلاماً لا يليق بها كامرأةٍ أن تقوله، بل تجاوزت حَدَّها عندما قالت له أنه وأمثاله يعيشون من فضل ضرائبها السنوية المدفوعة للحكومة، وأن هذا المال يذهب من خزينة الدولة إليه. واحمرَّ وجه الموظف واشمئز وحَزِن، وبعد مُدةٍ ليست بالبعيدة ترك العمل في شركتي ثم افتتح متجراً صغيراً على الانترنت، ومرت خمس سنواتٍ فقط حتى أصبحت شركته من إحدى الشركات الكُبرى في بورصة البلد، ولما أفلست شركتي يا سيدة ماريا جاءني هنا في منزلي هذا الذي أوشكتُ على بيعه للوفاء بقروض البنوك – كان ماريو يتحدث بتوكيدٍ شديدٍ وهو يُشير بكفه إلى أرضية المنزل وسقفه – إن عواطفي تختلج وتوشك دموعي أن تنهمر، لقد أعاد لي الحياة، وملئ قلبي بالتفاؤل بعد أن فقدته. لقد كان رجلٌ خَيِّر يستحيل نكران فعله على الرُغم من أني لم أُقدِّم له شيء سِوى وظيفة بسيطة وبعض التشجيع والمَحَبة، وقد ردهُما لي بكرم الإخاء وصدقِ الوفاء، وانقذني من وحل الإفلاس الذي غرقتُ فيه. بل رفع عني حبل المشنقة التي نصبها أصحاب الديون. وسئل عن تلك المُوَظفة و مصيرها فأخبرته أنها لا تعمل وتتقاضى مساعداتٍ من الدولة، طلب مني دعوتها، فأقبَلَتْ، ولم يقُل لها أن ما تعيش به الآن هو بفضل الملايين الممنوحة لخزينة الدولة كضرائب من شركاته وأعماله، لم يُدلي بشيء مع اقتداره على رد الصاع بصاعين في وقتٍ مناسبٍ كهذا، بل أدهشها بعظمة نفسه وتسامُحه. قَدَّم لها وظيفة عنده بأجر لم يكن ليمنحها أحد سواه، بل حتى أنا. 
وما إن سألته عن سخائه هذا اكتفى بقوله: 
– لقد كانتْ سبباً في ما أنا فيه.. لولاها يا سيد ماريو لبقيتُ حاملَ طرودٍ حتى الآن. 
يصمتَ ماريو لبُرهة بحزنٍ عميق أمام ضيفه القادم من مدينة في الغرب بعد أن روى له الأحداث التي جرتْ في غيابه، ثم يدعوه للدخول.. لقد كان الضيف هو فابيان نجل ماريا، إذ جاء لزيارتها، وقد استقبله ماريو عند باب منزله بعد أن وجد دار أُمه مغلقاً ولا أحد يُجيب على الهاتف أو قرع الباب. يسأل فابيان أثناء دخوله:
– هل تركتْ أُمي شيئاً؟.
– مثل ماذا؟. يردَ عليه ماريو.
– تأمين على الحياة، حساب في البنك، شيء ما له قيمة؟
– لا أعرف يا بُني، الذي أعلمه أن ثمن القبر وتكاليف الدَفن تكفل بهما إبراهيم.
– ومن إبراهيم؟
– رجلٌ الطرود الذي قَدِمَ من الشرق وازدرته أُمُك ذات يوم.
كان فابيان قد ترك والدته بعد أن انفصلت عن أبيه وقد غادر المنزل منذُ زمنٍ بعيد، ولم يكُن يعلم ماذا جرى في غيابه، فلم يكن يدري أن أمه قد تزوجت بعد ذهابه بوقتٍ قصير، ولم يَطّلع في يومٍ من الأيام أن ماريا أنجبت له أختانِ جميلتانِ وأخٍ مُشاكس ومُستبد، وأنها فقدتْ زوجها في حادث سير أثناء نُزهتهما عندما كان أخوه المشاكس والمُستَبِد لا يزال في المَهد.
كاتب روائي وقاص من اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *