المجلة الثقافية الجزائرية

حديث كاظمة … رواية تستدعي التاريخ وتعيد بناؤه

خالد عزب

صدر عن دار ذات السلاسل في الكويت رواية بديعة للروائي الكويتي فيصل عادل الوزان ، الرواية تستدعي أحداثا وقعت علي أرض الكويت ، الوراية تنطلق من اعادة اكتشاف تاريخ الكويت الممتد عبر أزمان سحيقة ، هذا ما يغير الأفكار السائدة حول تاريخ الكويت ، الراوي ينطلق من اهتمام علماء الاثار في الكويت باعادة رسم خارطة الكويت التاريخية من خلال الاكتشافات الاثرية التي يقومون بها ، في ظل محاولات حثيثة منهم لانقاذ عدد من المواقع من الزحف العمراني ، هذا الشق من الرواية هو الشق الذي خارج الخيال الادبي واعادة بناء الاحداث من المصادر التاريخية ودواوين الشعر العربي .
اهم ما تقدمه الرواية هو بعث روح الاهتمام بتاريخ الكويت عبر تاريخ كاظمة وهو الاسم القديم لها ، وتتحدث عن اهمال الأجيال الجديدة للتاريخ الوطني ، هذه ظاهرة عربية وليست كويتية فقط ، كما أن اهمال كتابة التاريخ في ضوء المكتشافات الأثرية ظاهرة عربية أيضا ، ففي العراق جري اهمال اضافة العديد من المكتشفات ونتائجها إلي الكتب التي تتناول تاريخ العراق ، كما هذا أيضا الوضع في مصر حيث هناك اهمال لاضافة نتائج الحفائر الأثرية عند كتابة تاريخ مصر القديمة ، يقدم لنا الراوي فريق أثري يعمل في موقع كاظمة القديم، ليسرد مواصفات الموقع الذي يعملون فيه ، والذين عثروا فيه علي جرة فخارية بها مخطوط يروي تاريخ كاظمة يجري نقل الجرة سريعا إلي متحف الكويت الوطني حيث معامل الترميم الحديثة ، وهناك يستخرج المخطوط من الحرة وينطلق منه الراوي في سرد أحداث تاريخ كاظمة عبر التاريخ ، لكن هذا المخطوط يسرق من خزانة المتحف ، وهو ما يستدعي حضور الشرطة إلي المتحف ، ليتركنا الراوي في حيرة من سرق هذا المخطوط .
تدور الرواية في جون الكويت الشمالي في شهر يناير 2020 ، ومنه نري الراوي يستدعي مقولات المؤرخين عن كاظمة ، مثل ذكره ما قاله الحسن الأصفهاني في كتاب ( بلاد العرب ) حيث يذكر : ( .. كاظمة علي ساحل البحر ، حصن فيه سلاح أعد للعدو، ودور مبنية ، وعامتهم تميم ..) كما يذكر ما قاله ياقوت الحموي : ( كاظمة : جون علي سيف البحر في طريق من البصرة ، بينها وبين البصرة مرحلتان ، وفيها ركايا كثيرة ، وماؤها شروب ، واستسقاؤها ظاهر ، وقد أكثر الشعراء من ذكرها ) ، لينتقل بنا إلي الرواية عبر أحداث تجري في أرض الكويت خلال العصر العباسي في خضم الحرب القرمطية العباسية ن حيث يشرع الشاب وهيب في جمع أخبار أهالي كاظمة وفيلكا وبطن فلج والعدوان وتدوين قصصهم التي ترجع إلي الأزمنة الإسلامية والجاهلية والهلينستية والدلمونية ، ليتسائل الرواي هل ينجح في إتمام مهمته ؟


الرواي جعله ينجح في مهمته فجعل المخطوط الذي سرق من المتحف يتحدث بهذا التاريخ ، منطلقا من حركة القوافل علي أرض كاظمة ، وهجرة بعض العرب لها إثر حروب في شرق الجزيرة العربية ، هذا يقودنا عبر تسلسل الأحداث إلي دور كاظمة كرابطة بين العراق شمالا والشام إلي شرق الجزيرة العربية ، لنري وصفا للخان بها كمحطة لاستراحة القوافل ومكان استضافة أيضا ، كاشفا عن الخلق الرفيع لأهل كاظمة في استيعاب الفارين لها بلا مأوي ، كذلك مهارة أهل كاظمة في التجارة ، بل إننا نري شعراء كاظمة عبر صفحات النص ، لدرجة يمكن معها تقديم معلومات جديدة علي علاقة هؤلاء الشعراء كالفرذدق بكاظمة ، وليغزل من المكتشفات الأثرية في جزيرة فيلكا بابا في الرواية وعلاقتها بحضارة دلمون في البحرين ، بل هذا يقودنا بعلاقة كاظمة بالتجارة عبر البحر واستخراج اللؤلؤ ، إن أكثر ما يدهش القاريء هو التحليل الدقيق الذي ساقه الراوي لاندثار كاظمة وتحولها لتلال ، فقد كانت الحروب بين الجنابيين وبني عامر وبني كلب وبني الأضبط في كاظمة وما حولها ، شعر التميميون والبكريون بضيق ، فقد باتوا بين مطرقة العباسيين وسندان الجنابيين ،تناقص عدد القوافل المارة بكاظمة ، بدأ الناس يفكرون مليا في هجر كاظمة إلي الساحل الفارسي في الضفة الشرقية من الخليج العربي ، حيث التجارة المنتعشة ، أو إلي نجد أو عمان ، حيث الهدوء التام ، اقتنع أهل كاظمة بالفكرة بعد مرور وقت دون تحسن في الأحوال ، باع كثيرون بيوتهم بأثمان بخسة ، ورحلوا مع ما تبقي من أموالهم .
كما تذكر الرواية أن القلق تسلل إلي أهالي جزيرة فيلكا من امتداد نار الحرب إليهم ، مع بدأ الكساد التجاري يمتد إلي فيلكا ، بعد أن منع العباسيين تجارتهم من التوقف والمتاجرة مع جميع موانيء الساحل البحريني ، مشجعين اياهم علي التجارة مع الساحل الفارسي ، فهم اهتموا بميناء سيراف ، وجعلوه أكبر ميناء علي الإطلاق .
يذكر الراوي انه مرت سنوات قاسي خلالها أهالي فيلكا وكاظمة وما حولها من العزلة وانكماش التجارة ، أفلس كثيرون وباعوا ما يمتلكون ، بدأ الفقر ينتشر ، ويعيش الناس علي الكفاف ، بدأ سكان كاظمة وفيلكا في الهجرة لكن تذكر الرواية محاولات الصمود والبقاء في ظل ظروف صعبة ، هذه الصفة الصمود والبقاء ظلا من صفات أهل الكويت إلي اليوم .