ترجمة: عبد الوهاب البراهمي
“لا توجد مؤسّسة تحرّر البشر” (ج. رنسيير)
****
– قناة Arte: يبدو “التفسير” لأول وهلة غير قابل للفصل عن الممارسة البيداغوجية. لكن، يحصل لنا انطباع، بقراءة أعمالك، بأنّ إرادة التفسير تكبح التحرّر الذاتي للعقول…
ج.رنسير: لست مَنْ وضع هذه المسلمة، بل جوزيف جاكوتوت Joseph Jacotot (1770-1815)، وقد فسّرتها وحيّنت الفكرة في كتاب ” المعلّم الجاهل” (فايار 1987). لقد توصّل هذا البيداغوجي إلى أن يعلّم اللغة الفرنسية لطلبة هولنديين دون أن ينطق كلمة هولندية واحدة. لقد نجح إذن في تعليم شيء… لأناس لم يفسّر لهم شيئا. وقد أنجز هذه التجربة في القرن 19م، في زمن كانت فيه تربية الأفراد تردّ إلى مسألة التربية الشعبية. نتساءل بعد الثورة، كيف نصنع حتى لا يكون الشعب غبيّا جدّا، لكن حتى لا يكون أيضا ذكيّا جدّا- إذ سيكون عرضة لأن يصبح كثير النشاط. يجب على المواطنين إذن أن يتعلّموا كما يجب، لأنّه يوجد هنا من يفسّر لهم. ليس التفسير، في هذا الإطار تمرينا تقنيا فحسب؛ بل يعمل بوصفه آلية للامساواة. إنّه يحيل إلى رؤية للعالم لا يمكن وفقها لأيّ إنسان تعلّم شيء إذا لم يوجد من يعرف حتى يفسّر ما يمكن معرفته. يندرج هذا المنطق إذن في مجموع إطار مؤسّسي، واجتماعي وسياسي وفلسفي، يحتفظ بجزء كبير من الناس في وضعية قصور فكري.
“لا نتعلّم الفكر النقدي بذاتنا، عبر ما نرى وما نحكم عليه، أو نختبره”(ج. رنسيير)
– القناة: ينطلق تحليلك لمنطق التفسير من دارسة تجربة بيداغوجية، لكن نطاقه أكثر اتساعا، أليس كذلك؟ إنه بالخصوص، سياسيّ؟
ج. رنسيير: كان جاكوتوت يعيش في عصر لم يوجد فيه نظام تربية قومية وتعليم جماهيري كبير. غير أنه أدرك أن هذه الأنظمة يمكن أن تشكّل نوعا من التناوب. وبالفعل، فإنّ ما سيعقب الأشكال الأولية (الخام) للهيمنة، هو هيمنة معقولة، مُشرعنة ومقبولة. فالنظام التمثيلي الذي يتطوّر في أعقاب الثورات، يلعب بالتأكيد دورا في هذا الانعطاف: يوجد شكل من التوازي بين الطفل والشعب. الشعب هو القاصر الذي يجب أن نقوده إلى درجة معينة من التربية حتى يستطيع لا أن يحكم نفسه، بل على الأقلّ الحكم juger، أي فهم أن ما يفعله الحكّام هو لصالحه. وبمثل أستاذ المدرسة، تشتغل الدولة أيضا، إزاء المواطنين، بوصفها بيداغوجيًّا أبويّا كبيرا. يقول “آلان جيبي” زمن الإضرابات الكبيرة لعام 1995: “هم ُيضرِبون لأنهم لم يفهموا، سنفسّر لهم !”. وتقدّر الصحف، في وسائل الإعلام أيضا بأنّه يجب تفسير كلّ شيء للناس. يوجد هذا التوجّه فيما يسمّى اليوم “فكّ التشفير” le « décryptage ». . نحن لا نقوم بالإعلام بل “نفكّ شفرات” المعلومات… وهو ما يعني أنّ أيّ واقعة، حتى عديمة الجدوى ، تعتبر للتوّ بمثابة لغز في نظر الجمهور. يجب إذن وباستمرار الاستعانة بمختصّين، بخبراء، الخ. وما يقولونه هو في العموم تافه تماما، ويمكن لأيّ كان أن يقوله. غير أنّ سلطة العلم تثبت مع ذلك بأنّ الأشياء الأكثر بساطة هي أكثر تعقيدا مما نتصوّر.
– القناة: إنّ ما تضعونه إذن موضع السؤال هو آلية اشتغال الخطاب التقدّمي في مجملها؟
-ج. رنسيير: تتّسم الرؤية التقدّمية الحديثة بتوتّر. يجب على الشعب أن يعرف كثيرا. وفي نفس الوقت، يقول عدد لا باس به من الكتاب، إنّه إذا ما عرف أفراد الشعب كثيرا، وإذا ما بدؤوا في الحكم على كلّ شيء، صارت الأمور مثيرة للقلق. وبالطبع لا يتجّرأ المتمسّكون بالتقدّميّة على قوله:”هو خطر عليهم”. فيقلبوا المقال بقولهم: “هو مثير للقلق بشأنهم”، أي في شأن الشعب. يتطوّر خطاب بأكمله في القرن 19، متمثّلا في القول بأن هؤلاء البائسين من الشعب سيدخلون في متاهة لو قدّمنا لهم الكثير، لو حشرنا في أذهانهم أفكارا كثيرة، لو قرؤوا كتبا كثيرة. لا يعبّر هذا المنطق عن نفسه اليوم على هذا النّحو، لكنه يترك آثارا في كامل تصوّر المؤسّسة المدرسية، مثلما تؤكّد ذلك سوسيولوجيا التكاثر. يوجد حدّ لنشر المعرفة، إذ توجد هذه الفكرة، كوننا لا نعرف ماذا سيحدث لو حكم jugeait الجميع فعلا بأنفسهم. فتأدية العمل هو أكثر ضررا ممّا يدّعيه التعليم من كونه لا يوزّع فحسب المعرفة بل يحرّر الناس حقّا، ويعلّمهم الفكر النقدي. بيد أنّه ، لا يوجد في الواقع تحرّر منظّم، موجّه من مؤسّسة. فالفكر النقدي لا نتعلّمه بأنفسنا، عبر ما نرى وما نحكم عليه، أو نختبره. لا توجد مؤسّسة تحرّر الناس. تلك هي قوّة جاكوتوب الكبيرة في القول بأنّنا نحرّر أنفسنا بأنفسنا- وانّ لكلٍّ قدرته على التحرّر. يمكننا بالطبع التحرّر بذاتنا في إطار جماعة، لكن لا نحرّر الآخرين. قد نخلق شروط تحرّر، لكن التحرّر يفترض في النهاية ضربا من القطيعة. يعلّم المعلّم شيئا، لكن التلميذ يتعلّم شيئا آخر، على نحو آخر.
“وجد ( في القرن 19) شكل من التوازي بين الطفل والشعب. الشعب هو القاصر الذي يجب أن نقوده إلى درجة معينة من التربية حتى يستطيع لا أن يحكم نفسه ، بل على الأقلّ أن يحكم juger، أي أن يفهم أن ما يفعله الحكّام هو لصالحه، …دون أن يصير ذكيّا جدّا ( ج. رنسيير)
– القناة: يحصل لنا بقراءة كتبك شعور بأنّ المساواة ليست هدفا علينا بلوغه، وتحقيقه، بل على العكس فرضية يجدب أن ننطلق منها.
– ج. رنسيير: لا يطلب جاكوتوب تثبيت المساواة بوصفها هدفا أقصى. ففي نظره، إذا ما وضعنا المساواة كهدف، كنقطة وصول، فلن نصل إليها مطلقا. إنّ التسليم بالمساواة كنقطة انطلاق يجب ملئها – ربّما التفاوت بين العقول- يعادل صون هذا التفاوت بإحباط وكبح تحرّر الذات بذاتها. ذلك أن هذا الهدف للاختزال يفترض ضمنيا، قبول هذا التفاوت الذي يضع شخصا في منزلة متعالية بالنسبة إلى آخر. وفي المقابل يوصي جاكوتوب بأخذ المساواة كمبدأ ننطلق منه. يتعلّق الأمر بالنظر إلى جميع الأفراد متساويين واعتبار هذه المسلمة نقطة انطلاق. يجب أن تشتغل “المساواة بين العقول” بمثل قاعدة بالمعنى الكانطي، أي مبدأ يقود تصوّرنا للعالم ونطوّر منطقه ونتحقّق من آثاره. إنّ المساواة، منظورا إليها هكذا، ليست معطى متحقّق منه، بل افتراضا علينا التحقّق منه. فلا يتعلّق الأمر بالقول، شكليًّا، بأنّ “جميع الناس متساوون”، بل “يجب التصرّف وفق فرضية تساوٍ للعقول”. إنّ تساوي العقول هو أوّلا ما يعرّف ممارستنا: أنت تتكلّم، وتفعل على أساس تصوّر أنّك تتوجّه إلى أناس متساويين.
– القناة: يبدو أن هذا القلب لمنطقنا المعتاد يقتضي قوّة إرادة كبيرة ….
ج. رنسيير: إنّ ما نسمّيه “إرادة” ليس هو ببساطة لدى جاكوتوب، الجهد الشخصي. إنّه بعدُ الحكم على المجموعة التي ننتمي إليها: الرغبة في أن نكون قادرين، هو في الآن نفسه شيء ما مثل الرغبة في عالم بشر متساوين. وكل الرهان هو في معرفة أيّ رأي نختار: رأي المساواة أو رأي اللامساواة – في الدلالة المتينة لكلمة “رأي”، بوصفه رؤية للمجموعة التي ننتمي إليها. والشخص الذي لا إرادة له، هو من لا يدرك لماذا علينا أن نكافح من أجل نرى أنفسنا متساوين مع الآخرين واعتبار الآخرين مساوين لنا. تخلق آلية التفاوت أو اللامساواة منطق الإجماع الذي يتغذّى من الكسل. أشعر أنّي لست مساو للآخرين، لكن خاصّة، لا أشعر بأنّ الآخرين متساوون معي أنا واستطيع الرضا بهذه الحالة. يشتغل التفاوت بالنسبة إلى جاكوتوب في الاتجاهين. يقول التلميذ المحقّر والمحبط بواسطة آلية التفسير” لست قادرا”، ويقول في نفس الوقت شيئا آخر: “لا شأن لي بما تفعله. “إن إقراره بالعجز هو في الآن نفسه إقرار بالتفاوت. إنّ سلوك التلميذ الذي يقول: “لا أفهم” هو طريقة أخرى في الإقرار بتفوّق معيّن بالنسبة إلى المعلّم المفسّر. تأتي الحركات الشعبية الكبيرة بشكل مفاجئ لكسر هذا المنطق. ونكتشف من خلال صراعاتها الجماعية أنّنا، لا فقط قادرون، بل نكتشف أنّ الآخرين هم أيضا كذلك.
بالنسبة إلى جاكوتوب “يجب التصرّف وفق فرضية تساوي العقول” . إنّ تساوي العقول هو أوّلا ما يعرّف ممارستنا: أنت تتكلّم، وتفعل على أساس فكرة أنّك تتوجّه إلى أناس متساويين.”(جاك رونسيير)
– القناة: يوجد إذن شيء ملحّ جدا في هذه الإرادة لكسر منطق التفاوت أو اللامساواة؟
– ج. رنسيير: نعم! على الأقلّ في معنى ما للاقتضاء. لست بالمرّة مع بيداغوجيا قد تقول: “لا يجب أن نكون شرّيرين جدا، ونطلب الكثير”؛ بل على العكس، يجب أن نلحّ كثيرا في الطلب بالنسبة إلى ما يقدر الآخر على فعله.
– القناة: هل يجب تغيير المؤسسات للتشجيع على التحرّر؟
ج.رنسيير: تشتغل المكنة الاجتماعية بأكملها وفق فرضية اللامساواة. ولكن في الواقع نمرّر المساواة في المجتمع والمصانع وفي كل مكان. إنّنا نعمّم المساواة حينما يتخذ الناس قرارا بشأنها، بأن يأخذوا مبادرة اعتبار العقول متساوية، – والتصرّف على هذا الأساس. فمن هذه الناحية، إذا ما أخذنا الديمقراطية مأخذ الجدّ، مثل نظام حكم متجذّر في مسلمة المساواة، فلا تكون مؤسسة بل ممارسة. لا يمكن أبدا لزمن المؤسّسة أن يكون زمن تحرّر؛ لكن يمكن أن ننتج فيه المساواة بطريقة غير متوقّعة، دون تحسّب ممكن. إنّ زمن التحرّر صدفوي تماما، وبخلافه زمن المؤسّسة. هو رهين المقابلات، والطرق والسبل التي نتبع. هو زمانية مستقلة تماما بالنسبة إلى زمانية المؤسّسات. وبالتالي، فإنّي أعتقد لأنه من الخطير تخيّل بأنه بتغيير المؤسسات، بمنح هذا الرهان إلى إصلاح المؤسّسات، سنقوم بخلق المساواة.
“يجب أن نلحّ كثيرا في الطلب حتى نحطّم منطق اللامساواة أي يجب أن نلحّ كثيرا في الطلب بالنسبة إلى ما يقدر الآخر على فعله.” (جاك رنسيير ).
– القناة: لا يمكن مِأسسة التحرّر . لكن حينما توجد لحظة تحرّر، استتبعتها لحظات أخرى في إثرها، أليس كذلك؟
– ج. رنسيير: لقد تداعت آلية اللامساواة، وآثار ذلك تتلاحق. فالحركات الثورية الكبرى والانتفاضات ولحظات المساواة الكبرى، هي فترات يخلق فيها شيء ما مثل تسارع نجاعة المساواة. في هذه الوضعيات التي تظهر فيها المساواة، نندهش لرؤية كم يقدر الناس على الفعل في سرعة لا يمكن تصوّرها، ما يفترض أنهم غير قادرين على فعله. هذا ما يقوله ماركس 1870 في شأن العمال الذين استحوذوا على جهاز الدولة وبدوا قادرين على تنظيم حياة جماعية. بينما كانوا قبل ذلك بشهر، عاجزين. إنهم يعتبرون انفسهم إذن غير مؤهلين لتحمّل مسؤولية حياة الجماعة! نجد الشيء نفسه في كلّ التحركات المناهضة، وخاصّة في شكلها الحديث. ينتج فجأة نوع من المنفذ من الزمنية العادية. إنّ التحرّر مؤسّسة من زمنية مغايرة.
– القناة: أي ّحركات التحرّر التي تلهمك اليوم؟
– ج. رنسيير: أفكّر فيما يحدث في إيران، في هذه القدرة على جعل، ما اعتبر من قبيل المستحيل مطلقا، ممكنا. عمر هذه الحركة الآن شهران. وهي تستمرّ في ظروف قمعية جدّ قاسية. إنّي أرى ظهور هذه الفكرة الحاسمة: نحن قادرون كأفراد لأننا قادرون كجماعة.لقد اندهشت بعدُ للمظاهرات الكبيرة في إيران قبل الربيع العربي أثناء الانتخابات المزيفة. وفجأة ، خرج أناس إلى الشارع يصرخون: “لسنا خائفين”. يوجد رابط قوي جدّا بين واقع أننا لا نخاف وبين أن تكون لنا ثقة في قدرة الآخرين على التحرّك والسير على الخطى. يمكننا دائما، أن نزيل الحجاب بصورة فردية؛ لكن إذا ما لم يقع دعم هذه الحركة، المستندة إلى ثقتنا في الآخرين، نساء أو رجال، فلن يصمد هذا الأمر.
محادثة مع جاك رنسيير في برنامج “أفكار مستنيرة ” idées ouvertes قناة ” Arte ” (نشر جانفي 2023) صياغة المحادثة: “كلارا ديجيوفاني” و”اوكتاف لارمانياك ماتيرون”


