المجلة الثقافية الجزائرية

خطاب الإلحاد والجنس وشعرة معاوية بين الفلسفة واللاأدرية. إيمانويل كانط وميشال أونيفراي نموذجا؟

بقلم محمد بصري*  

 

ما نعرفه عن كانط عمانويل الفيلسوف الألماني Immanuel Kant 1724/1804 هو تأثره بنيوتن بل اعتبار فكرته حول ميكانيكا الكون هي جوهر أي تفسير لنظامنا الكوني. وتترتب عنها مفهمة أخلاقية وقيمية وثقافية ومعرفية. فكل شرح للطبيعة ومفهومي الزمان والمكان لا بد أن يمر من خلال الكسمولوجيا الكانطية. كانط كان متأثرا جدا بإقليدس في فكرة الأمكنة والفراغات والمساحات، بالمقابل كان شديد الولع بنيوتن وبميكانيكا الكون .فهو كرياضي إقليدي النزعة وكفيزيائي نيوتني استلهم فكرته حول الزمان والمكان من أسلافه الأوروبيين و التي لا تخرج عن دائرة المركزية الغربية الثقافية. هي رؤية جمعت حقلين ثقافيين مختلفين، الشيء الذي جعله يفسر الأخلاق تفسيرا ميكانكيا.إذا “كنت تريد فأنت تستطيع”.ويطابق بين أي عمل خير مع الإرادة والنية الطيبة، فكر كانط مُتشبع بالميتافيزيقا كونها وقوده الفلسفي لإدارة أي حوار مستقل حول العقل .فثلاثيته النقدية حول ماهية وتكوين المعرفة ودلالاتها( نقد العقل العملي ) و (نقد العقل الخالص) و(نقد ملكة الحكم) لا تخرج عن التقليد الفلسفي القديم الذي يراهن على ماهية وكيفية الحكم. تحرير العقل البشري بدأ من فرضية فك أغلاله من اليوتوبيا الإغريقية ومكابحها الميتافيزيقية.فلسفة قوية الأركان إلى درجة الطهارة الفكرية والمعيارية .فكر عقلاني بيأخد جذوته من الشعائر الميتافيزيقية. ضف إلى هذا شخصية غامضة وعميقة ومنضبطة عكس كل السير والأحجيات التي رافقت مسيرة فلاسفة كبار من طينته كروسو هيغل وشوبينهاور ونيتشه أو حتى متأخرين مثل مارتين هايدغر وسارتر وسيمون وكامي الذين لم تخلو حياتهم من فضائحية وفجور ثقافي معلن وغير معلن.النبش في جنسانية كانط شبيه بالحفر في خرسانة من الإسمنت والفولاذ القوي، لاشيء مجاني ومُحقق وكأن حياته كانت تُراوح المشي فوق أطنان من المكعبات الجليدية والثلجية القطبية. فيلسوف وأنيق مدينة كونيجسبرج لم يكترث للجنس أو الشهوات بل اعتبر ذلك نقيصة. الجنس شر لابد منه لتكاثر البشر.يقول”بالجنس يهبط الانسان لما هو أدنى من مرتبة الحيوانات” ويضيف”حتى العلاقات الجنسية التي يسمح بها الزواج، ينبغي أن نغلفها بالكثير من التهذيب حين نتحدّث عنها في المجتمع المتحضر” [1]. هذا الرصيد الرعوي والوثوقي العقلي لصانع أنوار الغرب جعله كما يصفه حراس ترجمته توماس واسينسكي وبوفوسكي أنه كان يتجنب النساء في المناقشات ضف إلى ذلك ما تذكره لومونييه في مدونتها “الفلاسفة والحب” أن كانط كان ضد تصويت المرأة ومعجب بالثورة الفرنسية متابع لها وهي في أوارها وتوهجها الثوري العذري الأول بل كثيرا ما تهكم من النساء اللواتي يردن تعلم الفلسفة و الثقافة اليونانية محذرهن من أن تنبت اللحى في أذقانهن”.هذا النقل و التأويل الفج والمقيت لأفكار كانط يصفه البعض بالتجني والوضع. مجرد أحاديث مكذوبة عنه، لأن الرجل كان ينظر إلى المرأة بحاسة سادسة ذوقية حين اتجه إلى التمييز بين الجميل والجليل. خاصة المقابلة الطريفة بين الشعوب التي تستشعر الجميل يوظف الحس الفرنسي والايطالي لكن حين يتجه إلى تفكيك الجليل يراهن على الألمان والأسبان وشاعرية العرب. فهم يحبون السر الإلهي في المرأة وملاحتها وملحها الميتافيزيقي.”لابد أن الأتراك،والعرب ، والفرس،متفقون جدا مع هذا الذوق،من أجل أنهم راغبون جدا في تحسين أو تجميل (verschonern) شعبهم بمثل هذا الدم الرفيع” وهذا يعني بأن العرب جزء من الذوق الإنساني…في مسألة حساسة مثل نوع المرأة .. حسنها ووسامتها”[2]

من زاوية نقية ملحة هناك نصوص غرائبية في فكر وسردية كانط كنسق وهي تدعو للدهشة والفضول وهي تجعل المؤمنين من كل الطوائف اللاهوتية الذين اعتقدوا يوما أن ايمانويل كانط هو عراب الايمان الفلسفي.والمدافع الشرس عن ميتافيزيقا الألوهية .وأنت تقرأ هذا النص تتفاجأ بلاأدرية كانط وتملصه من واجبه الديني أمام المقدس كشرط للدخول إلى ممكلة الايمان يقول:”.إليك فقرات تلفت النظر: بقدر ما قد تُروعك كلماتي لا تلعنني إذا أنا قلت :إن كلا منا يخلق ربه بل إن عليك أخلاقيا أن تخلق ربك ،كي تعبد فيه خالقك.ذلك أنه بطريقة أو بأخرى…لا بد أن يكشف لك النقاب عن معبودك…بل وحتى ،عندما يُفصح لك عن ذاته : فأنت… من سيحكم إذا كان (ضميرك) سيسمح لك بأن تؤمن به،وأن تقدسه.][3].

كانط نسقي هو يشتغل بعقل منظم مع عالم الأفكار .مهندس العقل الغربي يميز بين وجوده كمؤمن ومواطن داخل الكوسموس والمدينة الغربية ومسيحي بروستانتي وبين حضوره كفيلسوف يشتغل على مسائل شائكة في الثقافة البشرية تخوض في الانتروبولوجيا والاكسيولوجيا والابيستيمولوجيا ناهيك عن فضاء الأنطولوجيا العظيم. .هذا الفيلسوف كان يتوجس لامرئيا من إله المسيحية الذي لا يستجيب برهانيا للعقل المحض ولفكرة ملكة الحكم التي تنفي أن يكون العقل مجرد ملكة وتقدمه داخل إطار وظيفي جديد .كانط الفيلسوف كان يبحث عن إله للإنسانية وسط زحام من التصورات الميتافيزيقية للإله الطوائف والثقافات ..بعد تأليه ملكات الانسان . بمعنى كما يقول بول سي فيتز “إله الانسان هو الإنسان ،هذا هو أعلى قانون للأخلاق،وهذه هي نقطة التحول في تاريخ العالم” هذا هو تصور كانط المتهم بلاأدرية سقراط والذي يُعتبر جزء من فكره امتداد لها. تقديس الذات الانسانية في حالتها المتحررة أي الحرية كشيء في ذاته غاية أي قيمة للعمل الانساني هو ما دفع كانط إلى تأمل المسألة الدينية في حدود العقل ليعطي عقله جرأة أن يفكر في المقدس أو كما يقول المسكيني نقلا عن تصورات كانط “ما الذي يجعل البشر يميلون لتقديس شيء ما دين ما في ظل احساسهم بالحرية؟ إن إله كانط هو معبود المسيحيين والابراهيميين على حد السواء وهو يحظى بهذا الاحترام العرمرم العابر لأنه يهب لمعبوديه هامشا كبيرا من الحرية. خلود النفس كما هي الحرية تتناسق مع الجليل وفكرة الله التي لا تتجلى إلا داخل إيقونة الحرية.

في كتابه “ضد اللاهوت” يستهل ميشال أونينفري Michel Onfray 1 يناير 1959 الكاتب المشاغب التوطئة بخطاب ناري شديد وغير مستساغ لنيتشه وهو يهاجم فكرة الإله المسيحي مفاده: ” ((إن مفهوم الإله قد تم ابتداعه كنقيض للحياة ـــــــ ففيه يتلخص ضمن وحدة مرعبة كل ما هو مسيء ومسموم ومفترٍ وكل كره للحياة.وأما مفهوم “العالم الآخر” و”العالم الحق” فلم يتم ابتكاره إلا من أجل التقليل من قيمة العالم الوحيد الذي يوجد حقا ــــــــ وذلك حتى لا يبقى لواقعنا الأرضي أي هدف ولا أي معنى ولا أية مهمة.” [4].

قد يبدو هذا غريب في مسار فيلسوف فرنسي جديد يعتبره نقاده غير ناضج فكريا وبعضهم يرى كتاباته لا تتجاوز مقلات الفرنسيين التحليليين الذي انتشروا واشتهروا بعد بداية وميلاد الجمهورية الفرنسية الأولى. نقاشاته المتكررة حضور تلفزي في الشاشات والميديا مكثف وغير معقول والمؤلفات الكثيرة جدا تشبه سيولة حداثية إلى درجة الاسهال الثقافي.مناصرته للدوعشة والإشادة بالتطرف الديني المؤدلج وكل الذين يمثلون تطرفا إسلامويا صحيا وايجابيا كونهم يمثلون مرضا في الحضارة الغربية وينبهون إلى احتضار في دورها الريادي المعولم.تجده يثني على فوكو بشكل خفي في مقال أسماه “الفلسفة وآية الله” حين كان الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو Michel Foucault 1926/1984 مفتتنا بثورة المـلالي والخميني بإيران والذي جعل صحيفة “لاكورييري دي لاسيرا” الايطالية تكلفه كمراسل استقصائي متابع للشأن الفارسي قبل يناير 1978 وبعده ليمطرها بمجموعة مقالات اعلامية واستعلاماتية تدافع عن حرية الرأي ومقدرة المد الاسلامي الشيعي في بناء دولة سياسية عميقة. الملفت أن الذي يجمع أونيفراي وفوكو، هو ميلهما إلى الحريات الجنسية وإلى ما يدعى”زواج جديد” منفلت من الأطر والقوانين الكلاسيكية غير أن فوكو ميشال وانيفراي ميشال اللذين يشتركان في نفس الاسم يناصران مجتمع اللذات ويبشران بدولة بدون لاهوت ودون حواجز طوطمية لا تُنفر من الجنس والاختلاط البهائمي وإن كان اونيفراي يلح على الخلفية والمرجعية الثقافية لحضارة الحرية الحقوقية والجنسية في الوقت الذي انخرط فيها فوكو عمليا بلحمه وشحمه وجسده متهما بالشذوذ والمثلية اتي مارسها جهارا نهارا.

قد تكون لاأدرية أونيفراي هي امتداد لشك غير منظم إلى حد اللعنات العدمية أي إلى تصورات نيتشه الذي بات المــــــــِعول الوثني الهادم لكل فكر لاهوتي مسيحي. أونيفراي لا يأبه بالتاريخ الديني للمسيحية كما هو ولي فكره نيتشه فهما يؤمنان بتزوير لاهوتي لوجود وحياة المسيح النبي عليه السلام .فالرواية البولوسية لا يمكنها أن تؤكد ساعة موت يسوع ولا قبره. لا يوجد برهان ميتافيزيقي أو حتى برزخي على كينونته المادية “فلا قبر ولا كفن ولا وثائق،ماعدا ضريح ابتدعته ـــــــــــ سنة 325 ــــــــــــ القديسة إلين، أم الإمبراطور قسنطين، تلك المرأة الموهوبة… وهناك ثوب ،أثبت التحليل بالكربون 14 أنه يعود للقرن الثالث عشر”[5] هنا الكاتب الفرنسي لا يؤسس فقط للاادرية شكانية في مصادر التوثيق التاريخي للأكبر الديانات الابراهيمية فقط فهو يعيد انتاج تفكيكية نيتشه للأيديولوجيا اللاهوتية المسيحية. هو يرفض أن يتحول المقدس إلى تهديد حضاري لحرية الافراد وفق براديغم برهاني مادي وتاريخ يفتقده حسب تفسيره. وهذا شيء أكثر فظاعة من الالحاد والإنكارية إنه نموذج لهدم المعبد الإيماني فوق ساكنيه من الطهاريين والمتبتلين والرهبان. قد تكون مسألة العدمية كقناعة عند اونيفراي، مُبرَرَة مردها بؤس أبوي وصدمة رعوية أسرية أو “قلق من وطأة شبكة الأب/الحاكم/الإله باعتبارها سلطة معيارية لم تعد محتملة” [6]، فالمفكر الاعلامي الفرنسي لا طالما أبدى تمعضه من الماضي الفرنسي بكل حمولاته السلطوية وشبكته الثقافة الدينية وهو يرى في الجمهورية الخامسة استمرارا لمحاكم التفتيش والاستبداد. كل المؤسسات الرسمية والأهلية هي انتهاك يومي لحقوق الأفرا د وتحضير لزوال الحضارة الغربية التي انفرط عقدها الاجتماعي والسياسي وأضحت بؤرة للتطرف والإرهاب الفكري الذي يتم تدريسه برعاية منهاجية رسمية للدولة العلمانية .

اونيفراي لا يؤسس فكرا فلسفيا متماسكا ونسقيا هو لا يُعبر عن نظرية ثقافية تشيد بمركزية العقل الغربي، بل أقل ما يفعله هو ضجيج إعلامي فظيع. تبني خطوط معارضة لكل ماهو رسمي هو ينتمي إلى مجتمع سقراط منه إلى أسلافه القريبين زمنيا أمثال كوندورسيه واندري جيد والخجول برغسون والمتحرش سارتر أو حتى العبثي آلبير كامي. قد يكون مثالا متماسكا لرئيس حزب يساري مجنون منه إلى فيلسوف يرشق الكل برصاص طائش ميتافيزيقي وغريزي.

أخيرا انهي هذه التصورات حول الرجلين بنص يؤسس لسردية كانط وأفقه كفيلسوف لم تمتد اليه وسائط الاعلام البائس والميديا الفاجرة لأنه لم يعش هذه اللحظات التافهة من عمر الحضارة الغربية الآيلة للزوال.

“أنا شخصيا بطبيعة ميلي باحث أشعر بتعطش شامل للمعرفة وبقلق متلهف للتقدم فيها، أو بالرضا عن كل تقدم أقوم به كنت أعتقد أن هذا يمكن أن يكفي وحده ليصنع شرف الانسانية وكنت احتقر الرعاع الذين يجهلون كل شيء.ولكن غيرت رأيي و أخذت أتعلّم احترام الناس وسأعمل جاهدا على إقامة حقوق الإنسانية”. ايمانويل كانط، نقد العقل العلمي، ترجمة غانم هنا ) بيروت: المنظمة العربية للكتاب، – 2008 م (2 )

*محمد بصـري- كاتب من الجزائر

هوامــــش:

1- ماري لومونييه أود لانسولان الفلاسفة والحب ترجمة دينا مندور دار التنوير صفحة 105.

2- فتحي المسكيني الايمان الحر وما بعد لملة ص 324مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث .ط1

3- كارل بوبر نحو عالم أفضل ترجمة أحمد مستجير ط1 منشورات القراءة للجميع مصر صفحة 158/ 167

4- ميشال أونيفري نفي اللاهوت ترجمة مبارك العروسي منشورات الجمل ط 1 ص5 .

5- م.أونيفري نفي اللاهوت ص 135

6- فتحي المسكيني الهجرة إلى الانسانية منشورات ضفاف طبعة 1ص 26