عبدالعزيز صلاح الظاهري
بينما كنت أتجهز للنوم، رنّ جهاز هاتفي المحمول، انتابني الخوف، تساءلت من عسى يكون، وبعد تردد نظرت للمتصل فإذا به ابن عمي مرزوق، الذي لا يحمل من الرزق إلا اسمه، ولمعرفتي بحالته زالت مخاوفي فأجبت عليه.
وبدون تحية والسلام، قال: إنني غاضب منك؟ لم ينتظر لأسأله لماذا؟ بل واصل حديثه قائلًا: لقد أجرتْ إحدى القنوات حوارًا معي، لماذا لم تتصل لتهنئني؟ فقلت:
لو كنت أعلم لما ترددت، فذلك فخرٌ لي، ولكن في أي قناة؟ فأنت تعلم أن هنالك المئات من القنوات، فرد عليَّ قائلًا:
نعم صدقت لست أنت الوحيد الذي قال لي ذلك، عرفت الآن عدوي، إنها الأقمار الصناعية التي دمرت كل شيء جميل فينا، وإن لم نجد لها حلًّا ستقضي علينا يومًا ما، وأقفل الخط.
كعادته اختفى ابن عمي لكن أخباره تصلني من الناس: إنه بخير، ينتقل من فرح لفرح، ينشد الشعر في مناسبات الزواج، يتقاضى مقابله مالًا يسيرًا بالكاد يكفيه.
بعد مرور عام، رنَّ هاتفي المحمول، فإذا به مرزوق!
فأسرعت بالإجابة عليه، قال: افتح، أنا عند الباب، فأسرعت وفتحت له.
فرأيته مرتديًا بذلة سفاري، وإلى جانبه حقيبتان كبيرتان!، لم يعطني فرصة للحديث كعادته قائلًا: هيا أسرع أريدك أن تأخذني للمطار.
للمطار!
نعم للمطار، هيا بسرعة.
وارتديت ثيابي مسرعا وتحركنا.
وفي الطريق دار بيني وبينه هذا الحوار:
سألته على طريقته: إلى أين؟ ولماذا؟ – إلى أين: لجزيرة في المحيط الهندي، قرب مدغشقر.
لماذا: لأتعلم السحر الفسفوري.
– فسفوري! أعلم أن هنالك سحرًا أسود.
فسألني: ما لون الصندوق الأسود.
فأجبت بمكر: أحمر.
فنظر إلي وقال: تقصد أحمر فسفوري، غرائب الغرب جميلة، وغرائبنا عجيبة، أسرع. أسرع، لا أريد أن تفوتني الطائرة.
فقلت: دعنا من اللون ماذا تريد بتعلمك السحر؟
فأخرج لي كتابًا عنوانه (أنا أمتلك قدرات خارقة) وقال: هذا هو السبب.
إنه كنز، لقد تعلمت منه تطوير قدراتي، وواصل حديثه:
أتعلم أني أحضرت قطعة ثلج من قمم جبال الألب وأنا جالس في بيتي بيدي هذه، وأخذ يلوح بيده، وأحرقت سقيفة غنام ونخلته المحبوبة بعيني هذه وأشار إلى عينه اليسرى، واستطعت أن أضاعف طولي كل سم واحد بكيلو متر.
أعلم أنك لن تصدقني ولكن هذا ما حدث.
فقلت ساخرًا: وبما أنك تملك كل هذه القدرات لماذا تسافر بالطائرة؟ بإمكانك الاستعاضة عنها بالسفر راجلًا، فأنت تستطيع أن تضاعف طولك، يعني 176 سم سيصبح طولك 176 كم، فخطوتك ستكون 45 كم.
رأيت الإعجاب يتراقص في عينيه وكأن السؤال أعجبه !
توقف قليلًا، نظر إلي، وقال بعد تردد:
هذا سؤال جيد، بل ممتاز، ولهذا ان مسافر الى هنالك ايه الاحمق فعندما أطول أختنق ويضيق صدري، لذا أنا ذاهب لصديقي (اْخبت كنسان)، عالم روحي لديه حزب كبير من الجان، سأتعلم منهم طريقة تخزين الأكسجين في الدم وضبط الضغط، فكما تعلم أن الجن لديهم رحلات مكوكية للفضاء قبل الإنسان،
فقلت صديقك اسمه (اْخبت كنسان)؟!
صَمتَ قليلًا ولم يجبني على سؤالي، ثم تابع ألم تعلم أن الغرب اكتشف كوكبًا لديه خاصية الأرض، سأكون أول إنسان يسافر له، سأصبح مشهورًا.
ولكن هناك موضوع يقلقني، ألا ترى أن اسم مرزوق لا يتماشى مع هذا الإنجاز؟ سأغيره، ولكن بماذا؟ بماذا؟ نعم وجدته (نا- لا- با)، اسم جميل أليس كذلك؟!
وسيعملون لي تمثالًا عظيمًا.
– من هم الذين سيعملون لك هذا التمثال؟!
ومن غيرهم الغرب، الرجل الأبيض العظيم، الذي اكتشف الكوكب،
سيتعاملون معك كما تعاملوا مع الهنود الحمر، وسكان أستراليا الأصليين.
-هنالك فرق كبير، هؤلئك القوم قبائل بدائية، أما أنا ففريد، وحيد، وفوق ذلك سأجبرهم على احترامي بقوتي الخارقة.
ولكني قبل أن أرحل سأدمر وأحرق بعيني جميع الأقمار الصناعية كما فعلت بسقيفة غنام، ونخلته التي يتفاخر بها.
مع هذا التهديد وصلنا المطار، نزل ابن عمي من السيارة وطلب مني ألّا أرافقه؛ فهو يكره الوداع، حمل حقائبه ودون كلمة وداع مضى في طريقه.
بكيت وأنا أراقبه وهو يغادر، لم يكن هذا حال ابن عمي، كان حكيمًا شجاعًا، رجلًا فريدًا من نوعه لا يشق له غبار.
مرت الأيام والشهور ولم يعد ابن عمي من رحلته، بحثنا، سألنا، لكن لا خبر، ولم نجد له أثرًا، أيقنت أنه انتهى ومن الدنيا رحل.
في الحقيقة فرحت من أجله، كان من الصعب علي أن أراه على هذه الحال.
مضت الليالي، وكثرت المشاغل، وتعاقبت الأيام، وسقط اسم ابن عمي وصورته من واجهة الذاكرة إلى أرشيفها، ولم يعد له في الحاضر حيز أو مكان، وفي إحدى الليالي وأنا جالس في أحد المقاهي، أتنقل بعيني بين هاتفي المحمول ومشاهدة مباراة لكرة القدم، فجأة انقطع الإرسال، أظلمت الدنيا، وأخذت الأخبار تصلني تباعًا لقد توقفت المصانع، أغلقت المطارات انقطعت الاتصالات، تعطَّل كل نشاط يعتمد على نظام الحاسوب.
العالم مصدوم، ماذا يحدث؟!
بعض العلماء علل ذلك بوجود خللٍ ما، أصاب الأقمار الصناعية
عندما سمعت هذا الخبر جريت من دون شعور في الشارع، أصرخ وألوح بعمامتي كالمجنون مرددًا: فعلتها، فعلتها يا مرزوق، فعلتها يا (نا – لا – با)!!!
==========


