عصام السيد علي
دجو كوستولاني “Kosztolányi Dezső” (1885-1936): شاعر وقاص وروائي وكاتب مقالات. ولد دجو كوستولاني في عام 1885 في سبدكا “Szabadka”، ثالث أكبر مدن الإمبراطورية النمساوية – المجرية، في حقبة زمنية عُرف عنها السلام والسعادة … سنوات توقف عندها الزمن – تماما مثلما صاغ ذلك بمفرداته شاندور ماراي “Márai Sándor”، كاتب الأدب المجري في القرن العشرين، ذائع الصيت في العالم بأسره: “من 1867 وحتى 1912 كان الناس يشعرون كما لو كانت دقات الساعة تشير دوما إلى الثانية والربع أو الثامنة والنصف. ثم شرع المؤشر في القفز مرة واحدة، وفجأة إذ بكل الساعات تومئ إلى دقات منتصف الليل.” لم تكن طفولة كاتبنا طفولة فريدة: كان والده يعمل مدرسا للصفوف الثانوية وكان يتمتع بالصرامة … كان الطفل البكر لأم لطيفة عاشقة للفن … عاش محبوبا من أجداده ووسط الكثير من أبناء العمومة. يمكننا القول إن كاتبنا أيضا كان ينظر لنفسه كونه “طفلا ريفيا نضج مبكرا وأعصابه مشدودة كثيرا”. واجه هذا الطفل الصغير الموت باستمرار، فكان يعمل في شارعهم صانعو النعوش، وكان منتشرا حينها موت الصبية الصغار، ومن هنا ربما بزغت الفكرة الأهم لدى كوستولاني التي مفادها أن الفن موجود فقط لأن المرء يجب أن يحسب ويعد للموت.
وهذه قصيدة من ديوانه “عيش وملح”، الصادر عن الدار المصرية للطباعة والترجمة والنشر، ترجمة دكتور عبد الله عبد العاطي النجار.
أغنية سعيدة … حزينة
ـــــــــــــ
لدي خبز ونبيذ،
لدي طفل وزوجة.
فلِمَ يعتصرُ فؤادي حزنا إذن؟
كما لدي دوما ما يكفي من الطعام.
ولدي حديقة تتدلى على وجناتها الأشجار
تميل هامسة في طريقي،
وفي الداخل، من ثقل الجوز والبندق والخشخاش
يتسع المكان ويكبر.
لدي أيضا غطاء بسيط ومريح،
لدي هاتف وحقيبة سفر،
لدي أيضا نية حسنة وقلب طيب،
لست بحاجة إلى التوسل لإسداء النعم.
لا مزيد من الصور الضبابية السابقة،
سكارى الضباب والدموع
إذا ألقيت التحية في بعض الأحيان،
يحيونني وهم يرددونها عدة مرات… ربما حتى قبل أن أقولها.
لدي سراج منير يتوهج،
ولدي محفظة فضية تتألق،
قلمي الحبر والرصاص كلاهما يمرحان،
في فمي غليون قديم أدخنه.
لدي حمام أنعش به جسدي،
وشاي فاتر أهدىء به أعصابي المتعبة.
إذا ذهبت إلى بودابست الحزينة،
هناك لا يعدونني غريبا البتة،
فما أغنيه هو الحزن
الذي يغرق الوجوه في الدموع،
بمن فيهم ابنها الشاب المغني!
تقر بي وتنشدني بلادي… المجر العتيقة.
لكنني أحيانا أتوقف في الليل،
معذَّبا، هاويا في طرقات الموت،
أحفر للكنز عميقا
نعم ذلك الكنز… القديم… في باطن الأرض
كمريض بالحمى يستفيق
واضعا كفه على وجنته… مرتبكا،
تبحث يدي مفتشة،
يا إلهي، عما أردت في مكان ما.
لأنه ليس هناك الكنز الذي أريد،
الكنز الذي أحرقت لأجله حتى التراب.
أنا في وطني هنا… في هذا العالم،
بيد أنني لم أعد في سماء وطني.
* مدرس مساعد بالمعهد العالي لترجمات الفنون والآداب والوسائط الفنية بأكاديمية الفنون – مصر





