المجلة الثقافية الجزائرية

ذكريات ثقافية: واقعية بلا ضفاف

جودت هوشيار

ربما ما يزال ثمة بعض الأدباء المخضرمين الذين يتذكرون كتاب “واقعية بلا ضفاف” لروجيه غارودي (1913-2012)، عضو المكتب السياسي، والمنظر الأيديولوجي للحزب الشيوعي الفرنسي . وقد تصدّر الكتاب مقدمة ضافية للشاعر لويس أراغون ( 1897-1982) .

 صدر الكتاب في باريس عام 1963 وكانت مفاجأة غير سارة للحزب الشيوعي السوفيتي.

تناول غارودي في اطروحته الفلسفية – الجمالية هذه، التيار الواقعي في ثلاثة فنون متباينة من خلال تحليل وتفسير اعمال ثلاثة من رموز هذه الفنون: بابلو بيكاسو في الفن التشكيلي، وسان جون بيرس في الشعر ، وفرانز كافكا في الرواية . 

وقال ان أعمالهم واقعية ، ولا توجد اشكال أخرى للفن باستثناء الواقعية، حتى لو كانت لا تتوافق والقواعد المعتادة لعلم الجمال، لأن الفن لا يمكن ان ينشأ من فراغ، وان كان حداثياً او تجريبياً. 

وفي حديث مع بعض اصدقائه السوفيت، المح غارودي الى انه يود أن يرى كتابه مترجما الى الروسية، مما احرج الحزب الشيوعي السوفيتي، الذي كان يحرص على الحفاظ على العلاقات الطيبة مع الحزب الشيوعي الفرنسي ، وفي الوقت نفسه كان مفهوم غارودي للواقعية يتعارض على نحو صارخ، مع الأيديولوجيا السوفيتية ونظرتها الى الثقافة. 

كان السوفيت يقسمون الثقافة وبضمنها الادب والفن، الى قسمين، ثقافة تقدمية – اي شيوعية او يسارية – وثقافة بورجوازية رجعية. وكانت اعمال فرانز كافكا، وجيمس جويس ، ومارسيل بروست وعشرات غيرهم من كبار الكتّاب والفلاسفة الغربيين، تصنف في نظر السوفيت كأعمال رجعية، سوداوية، تشاؤمية أو عبثية أو غير واقعية، ومحظورة في الاتحاد السوفيتى قبل البريسترويكا . 

 

كان المنظر الأيديولوجي الرئيسي للحزب الشيوعي السوفيتي ميخائيل سوسلوف في حيرة من أمره، فهو لا يريد ان يخسر السوفيت صديقا مثل غارودي، وفي الوقت نفسه يرى ان ترجمة هذا الكتاب الى الروسية سيلحق ضرراً بالغاً بالأيديولوجيا السوفيتية في مجال الادب والفن. وأخيرا قرر سوسلوف ان يتولى منظر ادبي سوفيتي بارز، متخصص في فلسفة الجمال، مهمة الرد على غارودي قبل نشر كتاب “واقعية بلا ضفاف” بالروسية، فتم تكليف بوريس سوتشكوف بهذه المهمة. وفعلا كتب سوتشكوف دراسة نظرية ضافية، حاول فيه تفنيد آراء غارودي ، وقد نشرت الدراسة في مجلة “الأدب الأجنبي” المرموقة عام 1965.

 كان رد سوتشكوف عنيفا، اتهم فيه غارودي بتحريف علم الجمال الماركسي وبعدم الاطلاع على ما كتبه الباحثون السوفيت حول هذا الموضوع، وقال ان مضمون كتاب “واقعية بلا ضفاف” متهافت ومستهلك، وتكرار لمقولات المنظرين البورجوازيين الرجعيين. وبطبيعة الحال، فان هذا الرد أحدث شرخاً بين الحزبين الشيوعيين السوفيتي والفرنسي. واثار حفيظة غارودي، وحاول السوفيت تلطيف الجو، حيث قامت “دار التقدم” السوفيتية بترجمة كتاب غارودي ونشره عام 1966. وجاء في ديباجة ” دار التقدم”: “روجيه غارودي فيلسوف ماركسي فرنسي قام في هذا الكتاب بتفسير قضايا الواقعية من خلال تحليل اعمال بابلو بيكاسو، سان جون بيرس، وفرانز كافكا. ان العديد من القضايا التي أثارها المؤلف مثيرة للجدل “.