آدم دانيال هومه
من التقاليد الثابتة والمقدسة لدى الآشوريين هو ما اعتاده أجدادهم الأوائل على الاحتفال بالأول من نيسان سنوياً كأول يوم من أيام السنة، وهو رمز ميلاد الربيع وانتعاش وتجدّد الحياة على الأرض. وكانت هذه الاحتفالات من أعظم ما يُقام من احتفالات دينية وقومية في البلاد. ويعود احتفال سكان وادي الرافدين برأس السنة إلى أسطورتين كانوا يعتقدون بها ويقدّسونها.
الأسطورة الأولى: هي قصة الخليقة وبطلها الإله (أنليل) لدى السومريين، و( مردوخ) لدى البابليين، و(آشور) لدى الاشوريين.
أما الأسطورة الثانية والتي حدت بالبابليين والآشوريون إلى أن يختاروا الأول من نيسان ليكون اليوم الأول من السنة فهي أسطورة إنانا (عشتار) وزوجها دوموزي ( تموز) الملك الذي جعلت منه إلهاً.
رأس السنة الآشورية الذي يصادف الأول من نيسان من كل عام هو أحد أقدم الأعياد التي عرفتها الحضارة الإنسانية، حيث احتفل به السومريون والأكاديون والبابليون والآشوريون منذ العام 4747 قبل الميلاد حتى العام 200 بعد الميلاد.
فجاء تحديد هذا التاريخ (رأس السنة البابلبة الآشورية) حين قامت بها بعثة أثارية أمريكية من جامعة (شيكاغو) عام 1948 بالتنقيب في منطقة [جرمو] وعثروا على بعض الرقم الطينية عليها أسماء سبعة عشر ملكا حكموا في جرمو. وكان اسم الملك الخامس عشر بينهم هو الملك (أشبويا) الذي شيّد من الحجارة والطين بيتاً للإله (آشور) وسماه (هيكل الإله آشور). وكتب بالخط المسماري على مدخل الهيكل: (لقد قمتُ ببناء هذا الهيكل تمجيداً للإله أشور). وقد أوصى الملك (أشبويا) الحكام والملوك الآشوريين الذين يأتون من بعده بهدم هذا الهيكل وإعادة بنائه من جديد كل 250 سنة لكي يشعر الإله (آشور) أنه بعد كل هذه الأحقاب الطويلة لازال يعيش في منزل جديد. وفي اكتشافات منفصلة فقد أشارت الكتابات التي دوّنت على أحد الألواح الطينية التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد بأن أحد الملوك الآشوريين أعاد بناء هيكل الإله آشور للمرة الثانية والعشرين حسب توصية الملك (أشبويا). ومن خلال هذا الرقيم الطيني تم إيجاد الفترة التي حكم فيها الملك (اشبويا) وهي(4747 ق. م)، وقد أكدت هذه التواريخ الاختبارات التي أجريت بواسطة (الكربون الشعاعي) والتي طابقت الأرقام المعتمدة من الألواح الطينية، فاعتمدت سنة (4747) تنريخا لبناء هيكل الإله (أشور) وبداية التقويم البابلي الآشوري. ولكن بعد اعتناق جميع الآشوريين الديانة المسيحية استنكفوا عن الاحتفال بمراسيم هذا العيد. إلا أنهم ظلوا يعتبرون نيسان شهر الإنبعاث والتجدّد. حيث ظلت هذه العادة متّبعة لدى الآشوريين حتى يومنا هذا على الرغم من أن العديد منهم لايعرف سبباً لذلك، حيث يدعون أبواب ونوافذ البيوت مفتوحة طيلة الليلة الأخيرة من شهر آذار. وعند انبلاج فجر الأول من نيسان يعمدون إلى تعليق رزمة نباتات وورود خضراء فوق الباب تعبيراً عن الفرح بقدوم شهر الخيرات وانتعاش الطبيعة وتجدّد الحياة، يسمونها لحية نيسان (دَقنِأ دنتسٍن). ويفطرون، كذلك، على نبتة خضراء من أي نوع كانت. فالأول من نيسان هو عيد الخصب والنماء والحياة الجديدة. فيه تبتدئ الطبيعة بارتداء حُلّتها القشيبة، وتتفتق أكمام البراعم، وتكتسي الخضرة والجمال والجلال وجه الأرض.
ولكن بعد انتشار الوعي القومي بين الآشوريين على يد الرواد الأوائل أمثال الشهيد الخالد مار بنيامين شمعون، شهيد الصحافة الآشورية آشور بيت يوسف، شهيد الأمة فريدون آثورايا، بنيامين أرسانيس، وغيرهم. وبدأت تتفتق أكمام النهضة القومية بين الآشوريين بجميع طوائفهم، وبدأ انتشار الفكر القومي بين جيل الشباب المثقف الذين بادروا إلى تأسيس جمعيات ونوادٍ ثقافية واجتماعية ورياضية تنشر بين الأجيال الجديدة بذور الفكر القومي. فبدأوا، كانعكاسٍ للحركة القومية الآشورية المعاصرة، الإحتفال بعيد رأس السنة الآشورية بشكل جماعي بإقامة مهرجانات، وتنظيم مسيرات شعبية تتخللها إلقاء الكلمات الزاخرة بالشعور الوطني والعواطف القومية الجيّاشة تتخللها الأغاني القومية والتراثية والرقصات الفولكلورية الآشورية داخل الوطن وفي جميع دول الاغتراب في قاعات النوادي أو في أحضان الطبيعة الخلاّبة التي تبدأ بالانتعاش والتجدّد في ذلك اليوم. بحيث يعتبر الأول من نيسان، حالياً، عيداً قومياً آشوريا بكل ما في الكلمة من معنى.
كان الآشوريون القدماء يسمون هذا العيد (ريش شاتم). ريش تعني بالعربية: رأس، و شاتم تعني: سنة. ولازال الآشوريون حتى اليوم يلفظونه بذات التسمية (ريش شاتا).
كان يُقام هذا الاحتفال في مدينتي آشور وبابل بالطريقة ذاتها، وبنفس الطقوس والمراسيم والأيام، فقط كان الاختلاف بين اسمي الإله الواحد. فكان الإله آشور في آشور ونينوى، والإله مردوخ في بابل. لذا فإن اسمي مردوخ وآشور هما اسمان لإله واحد. لأننا إذا عدنا إلى نسخة ملحمة التكوين البابلية فسنجد بطل الملحمة هو مردوخ ابن الإله (إيا) وزوجته (صاربنيتوم) وله خمسون اسماً. أما نسخة الملحمة الآشورية فسنجد بأن اسم بطل الملحمة هو آشور ابن الإله [إيا] وزوجته [صاربنيتوم] وله من الأسماء خمسون اسماً. بمعنى أن الإلهين هما إله واحد أحد. فآشور اِشور معناه (الموجود من الأزل)، ومردوخ مِري دوثحِأ معناه (الفادي)، أو مردوك مِري دوكِأ بمعنى (سيد الكون). ثم مُنح الاثنان السلطة المطلقة حيث مجّدهما بقية الآلهة وأيدوا سلطتهما، وأصبحا كلاهما محبوبين من بقية الآلهة في السماء، حيث تم منحهما ألواح القدر السبعة، فصنعا الأبراج لكي يعرفوا أيام السنة من خلالها. وخلقا، أيضا، الليل والنهار والقمر. وخلقا الغيوم وجعلها تمطر ومن خلالها وُجِد نهرا دجلة والفرات. أليس كل هذا يدل على أنهما إله واحد باسمين مختلفين، مثلما نقول اليوم: اٍلِىِا, مِريِأ, اًيل, رٍبِأ, بِرويِأ. أو كما يؤمن المسلمون بأن للخالق تسعة وتسعين اسماً منها على سبيل المثال: الله، العلي، القدير الحي، القيوم، القادر، المقتدر، الماكر…الخ. أو أسماء الخالق لدى اليهود: يهوه، آدون، إيل، ايلوهيم، أدوناي، عليون، شدّاي. أهيه آشر أهيه.
كانت احتفالات رأس السنة الآشورية تستمر لمدة اثني عشر يوماً على الشكل التالي:
في اليومين الأول والثاني: كانت مُخصصة لطقوس الحزن وتنظيف وتطهير المعابد والنفوس. فخلال اليومين الأولين يقوم كاهن الإيساگيلا (البيت الشامخ) بإكساء تمثال الإله آشور (مردوخ) بكسوة قشيبة، وتقديم الضحايا والقرابين. ثم يبدأ بتلاوة مراسيم حزينة بمشاركة كهنة المعبد، ويردّد المشاركون من أبناء الشعب بتراتيل وترانيم كئيبة وشجية تعبّر عن الخشية والتوجّس والخوف من المجهول، لذلك يتّجه الكاهن الأعلى كل صباح إلى الإيساگيلا لطلب الصفح والمغفرة من الإله آشور (مردوخ). متوسلا إليه حماية المملكة من كل المصائب والشرور والويلات التي تحيق بها. وقبل بزوغ فجر اليوم التالي كان يحضر الكاهن الأعلى (شيشكالو) إلى معبد الإله آشور (مردوخ). وبعد أن يستحم بماء نهري دجلة والفرات يؤدّي صلاته الخاصة أمام تمثال آشور (مردوخ). ثم يتيح لبقية الكهنة الدخول للقيام بواجباتهم الدينية، وتقديم الصلوات والإبتهالات للإله العظيم.
في اليوم الثالث: يحضر العديد من الحرفيين كالنجارين والحدادين والدهانين وصاغة الذهب والفضة لعمل تماثيل وعربات ورموز مختلفة لخدمة الاحتفالات على غرار أيامنا هذه أثناء التحضيرات لإقامة المهرجانات والاحتفالات الوطنية والشعبية.
اليوم الرابع: في الصباح، يسير كل شيء كما في الأيام الثلاثة الأولى. وفي المساء يُعلِن الكاهن الأكبر (الشيشكالو) بدء الاحتفالات الرسمية. ويقوم مع جوقة الممثلين والممثلات (موميلو وموميلتو) بتلاوة ملحمة الخلق إينوما إيليش (عندما في العُلى) كاملة حيث تتضمن بدايات الكون، وتكوّن الفصول وامتزاج قوى كافة الآلهة في الإله آشور (مردوخ) بعد انتصاره على التنين تيامات. وبعد ذلك يقوم الكاهن الأكبر بتسليم الملك صولجانه ليقوم بالذهاب إلى مدينة بورسيبا حيث يبيت تلك الليلة في (إيزيدا) معبد الإله (نابو) طالباً من الإله مساعدته في تحرير أبيه آشور (مردوخ) من الأسر حيث هو ملقى في الأغلال والأصفاد في غياهب الظلمات.
اليوم الخامس: في فجر اليوم الخامس المسمى يوم (التكفير) ينهض رئيس الكهنة قبل بزوغ الفجر، ويتطهر بالماء المقدس من نهري دجلة والفرات الذي كان يُحتفظ به داخل المعبد. ثم يفتح أبواب المعبد لبقية الكهنة ليقوموا بتقديم وجبة الفطور لتمثال الإله آشور (مردوخ) وزوجته (صربانيتوم). وبعد تقديم الصلوات والقرابين يقوم الكهنة بحمل مشاعل ومحارق الطيب لتعطير وتضميخ وتطهير أجواء المعبد. كذلك تجري طقوس تطهير المعبد بماء دجلة والفرات، ثم تقرع الطبول وتتعالى أصوات الكهنة في دعاء جماعي مهيب. وتوقد المجامر والمباخر وتُضاء أرجاء المعبد، ويقوم فريق خاص من الكهنة بمسح أبواب المعبد المقدس بزيت السدر (النبق) ثم يقومون بذبح شاة والطواف بها في أرجاء المعبد، ثم مسح جدران المعبد المقدس بدمها، وهو تعبير مجازي عن عملية انتقال الذنوب البشرية إلى جسد الشاة المذبوحة، والتي سيتم فيما بعد رميها في ماء النهر المتدفّق الذي سيجرفها ويجرف معها كل خطايا وذنوب العام المنصرم وما حمل من جرائر وآثام ورزايا وذنوب . بعدها يصل الملك قادماً من مدينة بورسيبا وبصحبتهِ الإله (نابو) حيث سيتركه عند بوابة (أُوراش) في الجانب الجنوبي الشرقي، ويتوجه، وحيداً، إلى بوّابة معبد الإيساگيلا حيث يقوم رئيس الكهنة بتجریده من كل شاراتهِ الملكية، وهي التاج والصولجان والحلقة والسيف. ثم ينحني الملك داخل المعبد بكل تواضع واحترام وخشوع لكبير الكهنة (الشيشكالو) ممثلا دور الإله آشور (مردوخ) حيث يصفعه كبير الكهنة بقوة على وجنته، ثم يجرّه بشدة من كلتي أذنيه ويرغمه على الركوع أمام مذبح الإله المقدّس. فيقوم الملك، حينذاك، بالاعتراف، بكل وقار وإجلال وخنوع، أمام الإله آشور (مردوخ) مؤكداً وجازماً بأنه حكم الدولة والشعب بكل محبة وإخلاص وعدل ومساواة، ولم يقم بأي عمل يضر بمصالح شعبه أو يُغضب إلهه الحبيب الجليل. وهنا يهمس الكاهن في أذن الملك: لا تقلق… سيستجيب الإله آشور (مردوخ) دعاءك، ويُعلي شأنك، ويُبارك سلطانك، ويدع كل أعدائك يركعون أمام قدميك. ثم يقوم بصفعهِ ثانية بقوة أشدّ من المرة الأولى، والتي يُفترض أن تُسبب انهمار دموع الملك لتجلب رضى الإله. ثم يُعيد الكاهن الأكبر إلى الملك شاراتهِ الملكية بعد تطهيرها بالماء المقدس .ومنذ بزوغ فجر هذا اليوم تبدأ المواكب القادمة من مدن أوروك، نيبور، أور، أريدو، ومن جميع بقاع المملكة. وكانت بعض تلك المواكب تأتي عن طريق البر إلى موقع الاحتفال، وبعضها عن طريق السفن في نهري دجلة والفرات للمشاركة في الاحتفال، يتقدمها موكب الإله (نابو) الذي يقوم بزيارة إله الحرب (ننورتا) في معبده الخاص، ويتفقان على خطة لقتال آلهة الظلام في محاولة لفك أسر أبيه آشور (مردوخ)، ويقوم الأثنان بتنفيذ الخطة بنجاح. وشيئاً فشيئا يزداد هياج الشعب وغضبه وعنفوان مشاعره وقلقه وشغبه أثناء مرور عربة الإله آشور (مردوخ) بخيولها في شوارع المدينة التي تضج بالناس الذين سلبتهم قوى الشر والظلام إلههم. وكانت الخيول تجر العربة على هواها من دون أن يقودها أحد. وذلك دلالة على الفوضى والاضطراب والاختلال الذي كان يعج به الكون قبل أن يقوم الإله آشور (مردوخ) بتشكيله وتنظيمه .
كانت هذه الطقوس تُقام سنوياً وباستمرار لتجسّد على أرض الواقع حقيقة تواضع وتذلّل الملك، وتنبيهه وتذكيره بأنه من جبلّة البشر الفانين الزائلين وليس نظير الآلِهة الخالدين. كما تعني تجديد سلطة الملك الأرضي على عرش المملكة، وتنزيهه من كل شائبة أو نقيصة أو مثلبة قد تلطّخ سمعته كملك للحق والعدل والإنصاف.
وعند حلول مساء اليوم الخامس، كان يُجلب إلى المعبد ثور أبيض يقوم الملك بذبحه بسكين القرابين على مذبح المعبد ويرفعه كتقدمة للإله.
اليوم السّادس: يتم فيه تقديم طقوس تخليص الإله آشور (مردوخ) من ربقة العالم الأسفل. فيصل الإله نابو، برفقة أعوانه من الآلهة الشجعان القادمون من نيبور وأوروك وكيش وأريدو بواسطة المراكب . وهنا يبدأ الشعب بالمسير بأعداد هائلة وراء الملك باتجاه الإيساگيلا حيث يرزح الإله آشور (مردوخ) في السلاسل والقيود، مرنمين أغنية مطلعها: (هوذا القادم من بعيد ليعيد المجدَ إلى أبينا الأسير).
اليوم السّابع: ينزل الملك من عرشه ويعلن للناس بأن الإله قد هاجر وصعد للسماء، وهو إجراء كان يراد منه المقارنة بين الاستقرار وسلطة الأمن في المملكة وبين غياب السلطة واستشراء الفوضى التي تتأثر على حياة الشعب. ومن أجل معرفتهم دور الملك في استقرار أمنهم. ثم يقوم الإله نابو بتحرير أبيه الإله آشور (مردوخ) بعد ثلاثة أيام من الأسر، حيث كانت الآلهة الشريرة قد أغلقت باباً كبيرا وراءه بعد دخوله بيته. فيتصارع الإله آشور (مردوخ) معها لحين وصول الإله نابو الذي سيكسر الباب الصلب المتين، لتبدأ بين الفريقين معركة حامية الوطيس تنتهي بانتصار الإله نابو وتحرير أبيه آشور (مردوخ) من ربقة الأسر. وبعدها تقوم الكهنة بتنظيف تمثال الإله آشور (مردوخ) وبقية تماثيل الآلهة وإلباسهم حلة جديدة تحضيراً ليوم الغد السعيد .. يوم قيامة الإله المعظم .ثم يقومون بتقديم تمثيلية تراجيدية تُصور موت الإله آشور (مردوخ) وانتقالهِ إلى السماء. فيخرج الناس عن بكرة أبيهم باكين منتحبين ومولولين وباحثين في كل الطرقات عن إلههم آشور (مردوخ)، وتسود الفوضى وطابع المأساة بينهم، كذلك يخرج مع الشعب الكاهن الأكبر متبوعاً بمئات الكهنة باحثين عن الإله آشور (مردوخ) الذي خانه وجرحهُ الخائن (بعل – حتيتي). ويزداد صراخ وعويل النسوة وهنَّ يُشاهِدنَ كاهنات المعبد وجوقة الممثلين المقدسة ينضمون للمأتم الشعبي الكبير في شوارع العاصمة. وتقوم النسوة بتمزيق ملابسهن وإلقاء التراب على رؤوسهن وتجريح وجوههن بأظافرهن وهن يحرضن الشعب على إيجاد الخائن (بعل – حتيتي) والفتك بهِ .
أما الكهنة فيطوفون في شوارع المدينة صارخين: يجب العثور على الماء العجائبي المقدس (حالزاكو) الذي سيعيد الحياة لآشور (مردوخ ).
اليوم الثامن: يوم القيامة: ويُعتبر أهم أيام الأكيتو وأكثرها فرحاً حيث يسير موكب الكهنة وهم يحملون الماء العجائبي المقدس إلى باب قبر الإله آشور (مردوخ) في معبد (الأتيمننكي) في برج بابل أو الزقورة ، ويصلون إلى حيث تفترش الأرض الكاهنة الكبرى وهي تبكي وتنوح موت سيدها آشور (مردوخ)، وينطلق صوت الكاهن الأكبر: أخرج يا بعل! إن الملك بانتظارك. وبعد أن يسقيهِ الكهنة الماء العجائبي المقدس تعود له الروح والحياة، ويخرج تمثاله من القبر إلى حيث ينتظره الكهنة والآلِهة الأخرى الذين يقومون باستقباله وتهنئتهِ بمناسبة قيامته المجيدة من بين الأموات، ويأخذ مكانه في غرفة الأقدار (دوكو) وتتزاحم الآلِهة لتجديد ولائها له ومنحه السلطة المطلقة وترديد أسمائه الخمسين. وأثناء ذلك يقوم الملك، تواضعاً، بوظيفة رئيس الحجّاب. وكعادة الإله آشور (مردوخ) في كل عام يقوم بإملاء شروطه على مجمع الآلِهة، بينما جموع الشعب الصارخة خارج المبنى تهتف احتفاء بعيد قيامة آشور (مردوخ): ها قد قام آشور العظيم من بين الأموات .
وتبدأ تماثيل الآلهة مع جموع الشعب مسيرتها في شوارع المدينة، وتبلغ ذروة الإحتفال والصخب والبهجة قمتها حين يصل تمثال (صاربنيتوم) وهي تتقدم موكبها العظيم حاملة بين ذراعيها تمثالاً لطفل صغير ، ومُحاطة بمجموعة من الكهنة والكاهنات المقدسات. والكل يُنشد ويرقص ويشرب، ومن الجهة المقابلة يتقدم موكب (عشتار) إلهة الحب والحرب والمعارك والبطولات، واقفة على جسد أسد كبير وعلى رأسها تاج الذهب والجواهر وهي تتقلد سلاح القوس والكنانة والسهام.
بعد تحرير الإله آشور (مردوخ) يتم تجميع تماثيل الآلهة في غرفة الأقدار(أوبشو أوكينا) حيث تجتمع الآلهة لتقرّر مصير الإله آشور (مردوخ). وينتهي الاجتماع بتجميع قوى جميع هذه الآلهة لتوهَب مجدداً إلى الإله آشور (مردوخ). آنذاك يأتي الملك راجياً ومتوسلا بكل الآلهة لتسير جنباً إلى جنب آشور (مردوخ) تعظيماً وتبجيلا له لأنه الوحيد في مرتبته.
اليوم التاسع: يقوم الملك بقيادة مركبة الإله آشور (مردوخ) تتبعها عربات بقية الآلهة. وبعد الطواف على جانب النهر يسير بهم الموكب إلى بيت الاحتفالات (أكيتو) ، فيعطي الملك أوامره لتبدأ الفرقة المقدّسة بإنشاد التراتيل الطقسية، حيث يعبّر هذا التقليد (موكب النصر) عن مشاركة عامة الشعب بالفرحة بتجدد سلطان الإله آشور (مردوخ)، وتدمير قوى الشر التي كادت أن تتحكم بالحياة منذ البدء. حيث يسير موكب النصر وتقوم النساء بجمع باقات الورود وسنابل القمح الأخضر وتعليقها على مداخل البيوت ترحيباً بقدوم نيسان الخير والبركات، وهذا الطقس ما زال قائما إلى يومنا هذا، فإن معظم العائلات الآشورية تقوم منذ مطلع الفجر بوضع باقة من الأعشاب الخضراء على مداخل بيوتهم رمزاً لقدوم الربيع.
اليوم العاشر: بعد الوصول إلى [بيت آكيتي] يبدأ الإله آشور (مردوخ) بالإحتفال مع آلهة العالمين العلوي والسّفلي [توضع تماثيل الآلهة حول طاولة كبيرة على شكل وليمة] ويعود إلى قلب المدينة للإحتفال بزواجه من الإلهة [عشتار] في المساء، حيث تتحد الأرض مع السماء. وتطابقاً مع زواج الآلهة، يطبَّق هذا الزواج على الأرض كذلك، فيقوم الملك بتمثيل هذا الزواج مع كبرى كاهنات الإيساگيلا حيث يجلسان سويّة على العرش أمام الشعب ويبدآن بتبادل الأشعار الخاصّة بهذه المناسبة، على أنّ هذا الزواج هو الذي سيولّد الحياة في الربيع.
اليوم الحادي عَشَر: في هذا اليوم تعود الآلهة برفقة سيدها آشور (مردوخ) لتجتمع في بيت الأقدار (أوبشو أوكينا) الذي اجتمعت فيه في اليوم الثامن للمرّة الأولى، إنّما هذه المرّة تجتمع لتقرير مصير الشعب، شعب آشور (مردوخ). وفي الفلسفة القديمة في بلاد آشور يعتبر الخَلق، بشكلٍ عام، تعهداً بين الأرض والسماء على أن يخدم الإنسان الآلهة حتى مماته، وبالتالي لا تكمل سعادة الآلهة إلا بسعادة الإنسان الذي يخدمها لذا سيكون مصير الإنسان السعادة ولكن بشرط أن يخدم الآلهة.
اليوم الثاني عشر: وهو اليوم الأخير من أكيتو، فيه تُبذَلُ المآدب العامة الباذخة لكل من في المدينة من بشر، وتُقام الإحتفالات الصاخبة المُعربدة على أصوات الموسيقى والغناء والرقص وتقديم الخمور الشهيرة .تعود، بعدها، الآلهة إلى معبد سيدها آشور (مردوخ). وتُعاد تماثيل الآلهة إلى المعبد المقدّس، وتعود الحياة اليومية إلى بابل ونينوى… وباقي المدن الآشورية.





