المجلة الثقافية الجزائرية

رؤية  لتاريخ مصر في عصر محمد علي: تناقض الشائع.

الكاتب: خالد عزب
الكتاب: «كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وتأسيس مصر الحديثة»
المؤلف: خالد فهمي
الناشر: دار الشروق القاهرة –
بدأت في مصر منذ سنوات قليلة حركة لإعادة الاعتبار إلى تاريخ أسرة محمد علي. ومرجعية هذه الحركة تعود إلى رؤيتها أن هذا التاريخ شوه على يد المؤرخين من أنصار ثورة تموز (يوليو) 1952. ومن أبرز أنصار هذه الحركة الباحث ماجد فرج الذي اصدر مجلة متخصصة في هذه الفترة هي «مصر المحروسة». وفي هذا الإطار شهدت الجامعات المصرية مناقشة الكثير من الأطروحات التي تتناول هذه الفترة، كما عقدت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية مؤتمرا علميا عن محمد علي وتاريخه. وصدر أخيرا كتاب جديد عن فترة محمد علي، لأستاذ التاريخ في جامعة نيويورك خالد فهمي، يعد بمثابة انقلاب في حركة التأريخ لهذه الفترة وخروج عن المألوف. ومن هنا فهو يذكرنا بكتاب المستشار طارق البشري الذي أرخ فيه لحقبة الاربعينات في تاريخ مصر، وأسس عبره منهج النظر التاريخي، وهو منهج تحليلي ابتكره وعرف باسمه. درس خالد فهمي في كتابه الذي نعرض له جيش مصر في عهد محمد علي، وهو في دراسته هذه لا يهدف إلى دراسة التاريخ الحربي لمصر في تلك الحقبة، بل إلى دراسة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهو حاول الإجابة عن عدد من الأسئلة التي تعرض لها الكتاب، تناول أهمها ماهية جيش محمد علي. فجيشه كسائر الجيوش الحديثة في القرن التاسع عشر، مؤسسة السلطة بألف ولام التعريف، وبالتالي مكنته دراسته من دراسة أساليب السلطة الحديثة في التعريف بنفسها، وكذلك العلاقة الجدلية الدائمة بين السلطة والمقاومة. فبالتعرف إلى طريقة تجنيد الفلاحين وتطويع أجسادهم لتحويلهم إلى جنود مدربين جيدا، نستطيع أن نراقب عن كثب الكثير من آليات السلطة الانضباطية، كالتعداد والكشف الطبي وكتيبات التدريب وقوائم الجرد والتمام، وغيرها من الآليات التي تتعامل مع الزمان والمكان بشكل تعسفي وخبيث في الوقت نفسه. كما أن دراسة محاولات الجهود الدؤوبة للالتفاف على هذه الآليات، بالتزوير أو بالإهمال أو بعدم المبالاة أو بالفرار كلية من الجيش توفر للمؤلف نماذج عدة لأساليب مقاومة السلطة الحديثة. ويعني هذا الاهتمام بالمقاومة أن الكتاب على رغم اعتماده على تصورات ميشال فوكو عن السلطة الحديثة، ينتقد أيضا، من طريق دراسة جيش محمد علي، قراءة معينة لتصورات فوكو، وهي القراءة التي تشدد على تماسك وشمول مؤسسات السلطة الحديثة وتؤكد حتمية الأشكال التي اتخذتها. فبدلا من تقديم صورة مبهرة متماسكة عن كيفية إخضاع السلطة الحديثة لرعاياها، يحاول الكتاب أن يطرح صورة للسلطة أكثر تعقيدا، صورة يمكن أن تشمل شروخا وتضاربا ومقاومة. ويهدف إلى إبراز محاولات التحدي والمقاومة الصغيرة التي قام بها الجنود إلى تقويض تمثيلات السلطة المبهرة ورغبتها المستمرة في إسكات رعاياها. كانت أعمال المقاومة الصغيرة اليومية فاعلة في تحدي محاولات السلطة في السيطرة على حياة الجنود وأجسامهم والتلاعب بها، على رغم أنها لم تكن عظيمة ولا بطولية، ونجحت في قض مضاجع السلطات العسكرية، بأن بينت لها أن الجنود ليسوا موالين، بل بعيدين من الباشا ومشروعاته العظيمة. وساعدت دراسة جيش محمد علي على نقد المدرسة القومية المصرية في كتابة تاريخ مصر الحديث. ذلك أن هذه المدرسة ترى أن هذا الجيش منح سكان الريف والحضر على السواء فرصة حمل السلاح والذود عن أوطانهم للمرة الأولى منذ مئات أو حتى آلاف السنين وأنه ساعد بذلك على ظهور الوازع الوطني لدى هؤلاء الجنود. ويذكر أن هذا الخطاب القومي يقتفي أثر الكثير من المؤرخين العسكريين الغربيين، ولو عن غير علم، وبما أن جيش الباشا اعتمد على التجنيد، لا على المرتزقة، فإنه منح المؤلف فرصة التحقق من افتراضاته. إضافة إلى ذلك اعتبر المؤلف جيش الباشا نموذجا مصغرا للمجتمع الذي جلب منه أفراده، وخصوصا ما أقامه من فواصل وفوارق حادة تميز الجنود عن الضباط في الملبس والحقوق والواجبات، على غرار الفوارق الطبقية التي صبغت المجتمع ككل. كذلك كانت هذه الفوارق أكثر وضوحا في جيش محمد علي منها في جيوش أخرى معاصرة، إذ تميز جيشه بوجود فواصل إثنية بين الجنود والضباط، إضافة إلى الفواصل الطبقية. وبما أن هذا الكتاب معني بتقديم تاريخ اجتماعي لهذا الجيش فإن العلاقة بين الجنود والضباط في جيش محمد علي وتتبع الصراعات والمناوشات التي كانت تدور حول الحدود التي تفصل بين الجنود والضباط، تستطيع أن تقدم لنا نموذجا لكيفية تعامل المصريين مع تلك النخبة التي كانت تتحدث التركية وتسيطر على الحياة المدنية والعسكرية على السواء.
وبما أن هذا الكتاب يحاول جاهدا أن يتفادى إعادة إنتاج خطاب السلطة، أو إعادة إنتاج رؤية محمد علي وضباطه وأعوانه لأنفسهم ولأعمالهم البطولية، فقد توخى الحذر في ترتيب الفصول ذاتها. فالسير وفق تسلسل زمني مثل معظم الدراسات عن جيش الباشا قد يمكن القارئ من تتبع التطور الذي طرأ على هذا الجيش، غير أن هذه الطريقة التقليدية لا تخلو من المخاطر، لأن من شأنها أن توحي بوجود خطة موضوعة أصلا حكمت بناء هذا الجيش وتطوره، في ما بعد. فمن المعروف أن عرض الأحداث التاريخية نفسها يسير بشكل غائي نحو نهاية أو هدف محدد منذ البداية. وبما أن الأفكار التي يعتمد عليها هذا الكتاب تشكك في سير التاريخ بهذا الشكل البسيط، ولما كان المؤلف سعى نحو عرض تاريخ هذا الجيش من وجهة نظر الباشا، فقد استلزم الأمر إيجاد وسيلة أخرى لرواية قصة هذا الجيش. وافترض أن هذا الجندي إذا تمكن من رواية تجربته هو عن انخراطه في هذا الجيش لن يبدأ قصته من لحظة هبوط محمد علي أرض مصر، ولا بمذبحة المماليك، فالأكثر منطقية أنه سيبدأ قصته من لحظة تجنيده هو، ثم يعرج على طريقة تدريبه، فالقوانين التي كان لزاما عليه أن يطيعها، ثم سيسرد تجربته في معركة من المعارك وأهوالها، وأخيرا سيروي آثار هذه المعركة عليه. تلك هي الخطة التي انتهجها هذا الكتاب، بغرض حث القارئ باستمرار على تخيل خطاب الجندي الصامت، ومع ذلك يبدأ الكتاب وينتهي بفصلين تقليديين عن جانبين مهمين من جوانب التاريخ السياسي لفترة حكم محمد علي. والمقصود بهما التذكير بأنه على رغم محاولة الفكاك من شباك السطة فإننا ما زلنا واقعين تحت سيطرتها. يبدأ الفصل الأول، بعرض حملة الشام التي بدأت في 1831 وانتهت 1840، نظرا لأنها كانت أهم الحملات التي خاضها جيش محمد علي النظامي، ولا يحاول هذا الفصل أن يربط بين هذه الحملة وغيرها من حملاته، بل يحاول، على العكس، أن يدلل على أن هذه الحملة تختلف تماما عن الحملات الأخرى، سواء من حيث أهدافها أو طريقة إدارتها. ونظرا إلى أهمية هذه الحملة في فهم طريقة عمل هذا الجيش، خصص المؤلف النصف الثاني من هذا الفصل لعرض بداية هذه الحملة وأهم معاركها، وينتهي الفصل بتحليل صلح كوتاهية المبهم، الذي أنهى الجولة الأولى من المواجهة العسكرية بين محمد علي والسلطان محمود الثاني. وفي الفصل الثاني يحاول المؤلف كشف أصول فكرة تأسيس جيش حديث، وتحديدا تدريب هؤلاء الذين سيصبحون لاحقا نواة هيئة الضباط، إضافة الى بداية سياسة التجنيد كما طبقت للمرة الأولى في الصعيد. يلتقط الفصل الثالث الخيط من حيث توقف الفصل الثاني، ويعرض عملية تدريب المجندين الشبان الجدد، الكارهين للتجنيد في معظم الحالات. ويبدأ بتحليل نظام المراقبة والعزل، الذي يقصد به أن يكون حدا يفصل الحياة في معسكرات التدريب عن الحياة المدنية خارج المعسكرات. ويهدف إلى المقارنة بين النصوص القانونية العسكرية الجديدة التي وضعت بهدف ضبط المجندين الجدد والقوانين المدنية التي طبقت في الريف، ليبين أنه يمكن النظر إلى الجيش كنموذج يحتذي به المجتمع ككل بشكل ما. ويتناول الفصل الرابع المعركة الرئيسة التي خاضها جيش محمد علي ضد الجيش العثماني، وهي معركة قونية سنة 1832. ويواصل الفصل الخامس الطريق ويحاول أن يقدم رؤية للجندي، ليس في ميدان المعركة، إذ من المحتمل أن يكون أعد كي يتصرف وفقا لما جاء في كتيبات التدريب، ولكن في المعسكرات والثكنات، حيث يحيا ليستعيد عافيته من آثار المعارك الماضية، أو ليستعد للمعارك الجديدة. ويثير الفصل السادس السؤال المركزي عن الدور الذي لعبه الجيش في بلورة النزعة القومية المصرية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. ينهي الفصل السابع الدراسة برواية سيرة محمد علي العملية مركزا على المواجهة بين محمد علي ووزير خارجية بريطانيا بالمرستون، من المنظور العثماني. وهو بذلك يطرح تحديا أخيرا أمام الرواية الوطنية عن الباشا العظيم وعداء بريطانيا له. فعلى النقيض من الرواية الوطنية التي ترى أن بريطانيا العظمى، قوضت جهود الباشا وأهدافه، يرى أن سيرة الباشا كانت تتميز بنجاح فائق، فقد قاتل من أجل الحصول على حكم وراثي لنفسه ولأبنائه من بعده، وذلك بالضبط ما نجح في تحقيقه.