المجلة الثقافية الجزائرية

رحيل أحد أعمدة الشريط المرسوم في الجزائر

محفوظ عيدر… رحيل أحد أعمدة الشريط المرسوم في الجزائر 

عبد الرحمان بن عمارة

  

رحل عن الساحة الثقافية الجزائرية واحد من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس فن الشريط المرسوم والكاريكاتير الحديث، بوفاة الفنان الكبير محفوظ عيدر عن عمر ناهز خمسةً وسبعين عاماً، بعد مسيرة إبداعية امتدت لعقود، ترك خلالها إرثاً فنياً وثقافياً لا يقتصر على الرسوم الساخرة، بل يتجاوزها إلى صناعة الوعي وتوثيق التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر.

وقد نعت وزيرة الثقافة والفنون، السيدة مليكة بن دودة، الفقيد بكلمات مؤثرة، مؤكدة أن الجزائر فقدت برحيله أحد أعمدة الفن التشكيلي الساخر ورواد الشريط المرسوم، وصاحب تجربة إبداعية شكلت مرجعاً للأجيال المتعاقبة من رسامي الكاريكاتير والقصص المصورة. كما تقدمت بخالص التعازي إلى أسرته وإلى الأسرة الفنية والثقافية، مشيدة بما خلفه من أعمال ستظل شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ الفن الجزائري.

لم يكن محفوظ عيدر مجرد رسام كاريكاتير، بل كان أحد المؤسسين الحقيقيين لفن “التاسع” في الجزائر، وهو الفن الذي يجمع بين الرسم والسرد البصري فيما يعرف بالشريط المرسوم أو القصص المصورة. وقد ارتبط اسمه بمجلة “مقيدش” التي تعد من أبرز المجلات الجزائرية في هذا المجال، كما شارك في تأسيس مجلة “المنشار” الساخرة، التي تحولت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات إلى منبر إعلامي جريء جمع بين السخرية السياسية والنقد الاجتماعي، مستفيداً من هامش الحرية الذي عرفته الصحافة الجزائرية آنذاك.

واستطاع عيدر أن يمنح الكاريكاتير بعداً يتجاوز الترفيه والابتسام، فجعل من اللوحة الساخرة وسيلة لقراءة الواقع ونقد الاختلالات الاجتماعية والسياسية بلغة بصرية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه. وقد امتاز أسلوبه بالذكاء والاختزال والقدرة على إيصال الرسائل دون مباشرة، وهو ما جعل أعماله تحظى بمتابعة واسعة داخل الجزائر وخارجها.

غير أن مسيرة الفنان الراحل لم تكن معزولة عن الظروف التي عاشتها البلاد خلال سنوات المأساة الوطنية. فقد جاءت تجربة مجلة “المنشار” في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ الجزائر الحديث، حين تحولت السخرية السياسية إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. ومع تصاعد موجة العنف المسلح في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجد رسامو الكاريكاتير أنفسهم في مواجهة واقع لم يعد يحتمل الضحك، بعدما أصبحت الكلمة والرسم هدفاً مباشراً للإرهاب.

وكانت المحطة الأكثر إيلاماً في حياة محفوظ عيدر اغتيال زميله ورفيق دربه الرسام إبراهيم قروي سنة 1995، وهو الحدث الذي ترك أثراً بالغاً في نفسه، حتى إنه صرح في أكثر من مناسبة بأنه لم يستطع حمل الريشة بعد فقدان صديقه الذي رافقه نحو ثلاثين عاماً. ورغم عودة “المنشار” إلى الصدور لفترة قصيرة، فإنها توقفت نهائياً سنة 1997 بسبب الظروف الأمنية والمالية التي كانت تعيشها البلاد.

ورغم تلك الظروف الصعبة، ظل عيدر وفياً لفنه ورسالة الشريط المرسوم، فواصل إنتاج الدواوين والكتب المرجعية، وأسهم في تكوين أجيال جديدة من الرسامين، حتى أصبح اسمه مرادفاً لذاكرة الكوميكس الجزائري. وقد جاء تكريمه خلال إحدى دورات المهرجان الدولي للقصة المصورة بالجزائر باعتباره “عميد الشريط المرسوم الجزائري” اعترافاً مستحقاً بمكانته وريادته، بعد أن تحول إلى أحد أهم المراجع في هذا الفن على المستوى الوطني.

ولم يُخفِ الراحل، في آخر تصريحاته، قلقه على مستقبل الشريط المرسوم في الجزائر، معتبراً أن هذا الفن ما يزال يعاني ضعف الاهتمام من دور النشر وغياب المجلات المتخصصة، وهو ما يحد من انتشاره رغم امتلاكه طاقات شبابية واعدة. وقد دعا مراراً إلى إعادة الاعتبار للكوميكس بوصفه وسيلة ثقافية وتربوية وإبداعية قادرة على مخاطبة مختلف الفئات العمرية، وليس مجرد رسوم للتسلية.

وبرحيل محفوظ عيدر، تكون الجزائر قد فقدت واحدًا من أبرز أعمدة الشريط المرسوم وفن الكاريكاتير، وأحد المؤسسين الذين أسهموا في ترسيخ هذا الفن بوصفه وسيلة للتعبير الثقافي والنقد الاجتماعي. فقد استطاع، عبر عقود من العطاء، أن يحوّل اللوحة المرسومة إلى وثيقة بصرية تعكس نبض المجتمع، وأن يرسخ مدرسة فنية امتازت بعمق الفكرة، ودقة المعالجة، ورهافة الحس الإنساني. ولا يقتصر أثره على ما أنجزه من أعمال ودواوين، بل يمتد إلى ما تركه من إرث معرفي وإبداعي ألهم أجيالاً متعاقبة من رسامي الشريط المرسوم، ليظل اسمه حاضراً في ذاكرة الثقافة الجزائرية بوصفه أحد رواد هذا الفن وصنّاع مجده.

 

 

*إعلامي جزائري