المجلة الثقافية الجزائرية

سنوات التأسيس الأولى “الأديان التوحيدية/اللاتوحيدية”

داود سلمان الشويلي/ العراق

فما كتب التاريخ في كل ما روَت
لقـرَّائها إلا حديثٌ ملفَّقُ نظرنا لأمــــر الحاضرين فرابَنا فكيف بـــــأمر الغابرين نصدِّق؟!
وما صدَقتنا فــــي الحقائق أعينٌ
فكيف إذن فيهن يصدق مُهرق؟!
“الرصافي”

قبل كل شيء عليّ أن أذكر القراء ان كل ما كتبته، وسأكتبه، عن الأديان هو من باب النقاش الأدبي، والتاريخي، وجواب عن أسئلة أدبية، تاريخية، طرحتها ذاكرتي القرائية، وهذا الذي أكتبه ليس له علاقة من قريب أو من بعيد بأمور الايمان الديني، أوشريعة دينية، أو تعاليم دينية، أو حلال، وحرام، أو أي أمر آخر من أمور أي دين منذ القِدم الى يومنا هذا، وأي شخص يريد أن يناقش أي كتابة من هذه الكتابات عليه أن يناقشها كمسائل أدبية، ومسائل تاريخية، تخضع للنقاش كأي نص أدبي سردي أو شعري، من الناحية الأدبية أو التاريخية.
فقد ناقشت هذه الأمور منذ أن وقع بين يدي عام 1989 كتاب(1) “الكتاب المقدس بشقيه العهد العتيق، والعهد الجديد” الذي أصدرته دار المشرق عام 1986، وبدأت القراءة فيه فكتبت أوّل دراسة أدبية عن قصة ميلاد موسى، وتناصها مع اسطورة سرجون الأكدي، بعنوان “تناص ميثيولوجي – ثيولوجي – سلة الولادة االمرفوضة – دراسة تناصية بين ميلاد موسى وميلاد سرجون الأكدي) التي نشرت في مجلة (الموقف الثقافي ع/19 لسنة 1999) ثم نشرت في كتابي (الذئب والخراف المهضومة) عام 2001، الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة. وتوالت دراساتي عن القصص التي يحتويها، وكذلك دراسات أدبية، وتناصية خاصة، مع قصص الأديان الأخرى ، فصدر لي كتاب تحت عنوان “رؤى الأسلاف – دراسات في الأساطير” عام 2021عن دار الورشة، وكتاب “تجليات الاسطورة – قصة يوسف بين النص الاسطوري والنص الديني” عن دار ابن النفيس في الأردن عام 2022 . الذي درست فيه قصة يوسف دراسة أدبية على المناهج النقدية الأدبية الحديثة. وصدر لي عن دار الكون بمصر عام 2024 كتاب “تحريف التوراة” الذي درست فيه قصص التوراة دراسة أدبية مع أساطير السومرين، والبابليين، بإعتبار انها أساطير رافدينية سرقت، ودونت، في التوراة على انها قصص حقيقية جرت في الواقع.
إذن أنا في كل دراساتي كنت أناقش ما ورد من نصوص قصصية دينية، أومجموعة المعتقدات، والأفكار، والمبادئ، والقيم الدينية، مناقشة أدبية لا مناقشة دينية كما يناقشها رجل الدين.
***
أي دين – وضعي أو توحيدي ابراهيمي، أو ما يسمى دين إلهي منزل- لا يترك له أثرا ماديا منذ الساعات الأولى لتأسيسه. ولو أخذنا الديانات التوحيدية على سبيل المثال، وفحصنا تاريخها سنجده يفتقر لمرحلة التأسيس بصورة صادقة لا لبس فيها، أي للبدايات، أو ان ما كتب عن ذلك الدين، قد كتب بعد قرون من تأسيسه عن طريق ما سمي بآلة العنعنة التي تعتمد على الذاكرة البشرية التي هي عرضة للنسيان.
فالدين اليهودي يفتقر للدليل العلمي، المادي خاصة، عن مرحلة التأسيس، ان كان ذلك في سيناء كما أشار الآثاري الصهيوني فنكلشتاين بقوله: ((لم يتم اكتشاف أية براهين أثرية لحكاية الخروج من مصر، رغم حراثة سيناء كلها ودلتا النيل طولاً وعمقاً… ليس هناك أية براهين على أن الإسرائيليين القدامى مّروا من هنا”.))(). أو في مصر القديمة “إيجيبت” كما ذكر ذلك الآثاري المصري زاهي حواس في أن الأبحاث الايركيولوجية، واللقى الآثارية، لم تسعفنا على اثبات وجود ابراهيم، فهو شخصية دينية لا تاريخية، لأننا لا نجد أي وثيقة تاريخية منذ التأسيس، أي منذ ولادته، وما لحقها من مراحل الى مماته، ولا لقى آثارية، أو وثائق اركيولوجية. وكذلك بالنسبة الى الدين اليهودي الذي عليه أن يثبت المراحل الأولى للتأسيس، ايركيولوجيا، ولا بالمقدور ذاته اثبات حقيقة وقوع أغلب قصصة في مصر، وسيناء، مثل اثبات هروب موسى من ملك “مصر”، فرعون، ولا اثبات أحداث قصة يوسف، ولا المجاعة التي أصابت مصر سبع سنوات عجاف فجاء ابن الحضارة الرعوية ليعلم أبناء الحضارة الزراعية كيفية خزن الحبوب.
كتبت التوراة، وغيرها من الكتب اليهودية، بعد السبي البابلي، وظلت مفتوحة للاضافة الى سنوات طوال، وحتما أصابها التزوير.
هذه الأمور لم تحدث في “إيجبت”، أي مصر النيل، ولا في سيناء، ولا في فلسطين، بل حدثت في مكان آخر، لهذا كان ما توصل اليه خبيري الآثار المصري، والصهيوني، هو عين الحقيقة.
***
أما على مستوى الدين المسيحي، أو النصراني، فانه كذلك يفتقد لأي اثبات علمي، ومادي خاصة، عن مرحلة التاسيس الأولى، فهي غائمة الى حد ما في الاناجيل التي دوّنت بعد وفاة المسيح بـ 75 عاما، وخاصة فانه ذُكر في الدراسات المتأخرة في أن الدين المسيحي الذي عليه الناس المسيحين اليوم هو دين صاغه بولس الرسول “الطرسوسي”. يقول كاتب سيرته في الموقع الألكتروني اليوكيبيديا: ((اليوم، لا تزال رسائل بولس تشكل جذور حيوية للاهوت والعبادة والحياة الرعوية في التقاليد الكاثوليكية والبروتستانتية للغرب المسيحي، وكذلك تقاليد الشرق الأرثوذكسية. وقد تم وصف تأثير بولس على الفكر والممارسة المسيحية على أنه «عميق كما هو منتشر»، من بين العديد من الرسل والمبشرين الآخرين المشاركين في انتشار الإيمان المسيحي. طور أوغسطينوس فكرة بولس أن الخلاص مبني على الإيمان وليس على «أعمال الشريعة». تأثر تفسير مارتن لوثر بكتابات بولس حول عقيدة سولا فيدي.)). فيما يقول موقع اسلام ويب: ((فقد سبق أن نبهنا ببعض الفتاوى السابقة، على أن بولس هو أول من حرف دين النصارى، بعد اجتماع عقده مع الحواريين، فهو أول من حرف في دين النصارى، فيما بين عام 51-55 م حيث عقد أول مجمع يجمع بين الحواريين: مجمع أورشليم، تحت رئاسة يعقوب بن يوسف النجار- المقتول رجماً سنة 62م- ليناقش دعوى استثناء الأمميين، وفيه تقرر -إعمالاً لأعظم المصلحتين- استثناء غير اليهود من الالتزام بشريعة التوراة، إن كان ذلك هو الدافع لانخلاعهم من ربقة الوثنية، على أنها خطوة أولى يلزم بعدها بشريعة التوراة، كما تقرر فيه تحريم الزنا، وأكل المنخنقة، والدم، وما ذبح للأوثان. بينما أبيحت فيه الخمر، ولحم الخنزير، والربا مع أنها محرمة في التوراة….))(4) فضاع بذلك جل جهد المسيح بين ثنايا تعاليم بولس. وحتى الأناجيل فانها تختلف في ذكر الكثير من المعلومات في فترة التأسيس، وقد اختلف المسيحيون بألوهية المسيح، وهذا يعيدنا الى ديانة الثالوث المقدس في اليمن السايقة.
والعجيب في أن أحد كتّاب موقع الأنبا تكلا هيمانوت يبرر هذا الاختلاف بقوله: ((الأناجيل كلها إنجيل واحد، ولا يوجد أي تناقض أو اختلاف فيما بينها.. بل هي فقط أربعة بشاير كُتِبَت بوحي الله إلى أربعة أشخاص هم متى – مرقس – لوقا – يوحنا. وكل شخص منهم كان يكتب لطائفة معينة من الناس، وهذا هو سبب الاختلاف الظاهري بينهم.. والمتعمق في دراسة الكتاب المقدس، لا يجد أي اختلاف في الأناجيل الأربعة.. بل هي مكملة لبعضها البعض.)). نتساءل: كيف يكون الصدق في التدوين إذا كان كل شخص يكتب لطائفة معينة من الناس؟
هذه الأناجيل الأربعة تفتقر للآمانة العلمية، في تفاصيل الأحداث التأسيسية، لأنها كتبت بعد وفاة المسيح بـ75 سنة، لهذا نحن لا نعرف الشيء الكثير من مراحل التأسيس الأولى.
***
وتأكيدا على يمنية المسيحية هو ما جاء في كتاب (تاريخ مدينة صنعاء – ص90)(5):
((قال أبو محمد: (حدثني إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثني غسان بن أبي عبيد البصري قال: دخل عيسى بن مريم – عليه الصلاة والسلام – صنعاء، وصلى في موضع الكنيسة فاتخذ النصارى الكنيسة بصنعاء على إثر مصلاه؛ وهذه الكنيسة في وقتنا هذا (خربة)، وهي أسفل زقاق المبيضين من صنعاء في الجانب العدني محاذية لبيعة اليهود (التي)هي اليوم باقية بصنعاء، وقد بقي من هذه الكنيسة ضبر شبه أسطوان على حرف الطريق إلى سوق العطارين
وإلى درب دمشق ، وقد أدركت عقوداً كثيرة كانت باقية إلى سنة تسعين وثلاث)).
هذا يعني ان المسيح كان في اليمن، ولم يكن في أرض فلسطين، والمسافة بين صنعاء، وفلسطين تقدر بـ 2300 كم، وهي مسافة بعيدة على انسان يمشي راجلا.
***
أما الدين الاسلامي، فان تاريخ التدوين عن الاسلام، وأموره، قد بدأ في القرن الثاني الهجري. فمن أوائل من ألف الكتب هو موسى بن عقبة المدني المتوفي سنة 141هـ، وألف كتاب المغازي، ثم أبو المعتمر سليمان بن طرخان البصري: 46 هـ -​143هـ، وألف كتاب السيرة الصحيحة، ثم محمد بن إسحاق بن يسار (80 هـ – 699 / 151 هـ – 769م)، وهو صاحب السيرة المعروفة.
إذن، هناك أكثر من قرن ونصف غير معروفة عن تاريخ تأسيس الاسلام حتى ظهور الحكم العباسي، وهذا الذي لا يُعرف عن الاسلام هو مرحلة الصفر من تاريخه، وهي مرحلة مسكوت عنها بوعي أو غير وعي إلا انها مهمة يمكن من خلالها معرفة مرحلة التأسيس الأولى التي يرتكز عليها هذا الدين أما الكتابة من خلال العنعنة فالذاكرة، ومهما كانت نشطة، ومتقدة، فهي عرضة للنسيان، مضافا لذلك، فان الوضع قد بدأ في الظهور، والعلن، فراح الكثير من الوضاعين، مقابل ثمن أو لأسباب أخرى، يضعون الحديث، والروايات، وقضايا تاريخية، ليس في موضعها الصحيح مما جعل المتابع لا يثق بما جاءت به الكتب تلك، ولم ينجو من هذا التلاعب حتى القرآن(6).
صار الدين الاسلامي بعد وفاة النبي مجموعة من الأديان المختلفة. فالدين على زمن النبي هو دين القرآن، وعلى زمن أبي بكر، والخلفاء الراشدين، دين يختلف عن دين النبي، ودين معاوبة ومن جاء بعده حتى الخليفة مروان دين ثالث، ودين مروان دين رابع يختلف عمن سبقه، ودين العباسيين دين خامس، أما الدين الذي عليه المسلمين فهو خليط من هذه الأديان.
***
وتأسيسا على ذلك يمكن القول، وتحت تأثير دراسات السوسيو – انثربولوجيا، ظهر الاختلاف الواضح، والبيّن، والقاتل أيضا، الى يومنا هذا، بين هذه الشيع، والفرق، والمذاهب، التي تناحرت فيما بينها، وكل فرقة، أو شيعة، أو مذهب، يدّعي انه الصحيح، وانه المذهب الحق، ان كان ذلك في الأديان التوحيدية التي أصبحت غير موحدة، أو كان ذلك في الأديان الوضعية.
وعندما ذكر كاتب موقع الانبا تكلا هيمانوت قائلا: ((وكل شخص منهم كان يكتب لطائفة معينة من الناس، وهذا هو سبب الاختلاف الظاهري بينهم.)) فان جميع الأديان الموجودة على الكرة الأرضية قد انقسمت الى شيع، وفرق، ومذاهب، لا نستثني منها أحدا، وكلها تتقاتل فيما بينها، فأصبح الدين مشتتا، وغير واحد، وموحد.
تذكر المصادر ان الامام علي بن أبي طالب قال لابن عباس حين وجهه لمحاجة الخوارج: لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمال أوجه.
وكل ما ينسب من كتب مقدسة للديانات عند أصحابها هي مثل القرآن حمالة أوجه، وكل شيعة، أو مذهب، أو فرقة، تفسره، وتأوله، حسبما يتفق مع ما تريد هي لا ما يريده الدين.
***
الهوامش:
1 – أستخدم لفظة كتاب حاف من أي اضافة تقديسية لأنني أنظر له حسب ذائقتي النقاشية بأنه كتاب أدبي ليس إلا.
2 – ذكر تقرير نشرته مجلة جيروساليم ريبورت الإسرائيلية- 5-8-2011- (أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم بعض القصص الواردة في التوراة بما في ذلك قصص الخروج والتيه في سيناء وانتصار يوشع بن نون على كنعان). ويقول كذلك: (أن شخصية داوود كزعيم يحظى بتكريم كبير لأنه وحد مملكتي يهودا وإسرائيل هو مجرد وهم وخيال لم يكن لها وجود حقيقي). مردفا: (أن وجود باني الهيكل وهو سليمان ابن داوود مشكوك فيه أيضاً، حيث تقول = = = التوراة أنه حكم امبراطورية تمتد من مصر حتى نهر الفرات رغم عدم وجود أي شاهد أثري على أن هذه المملكة المتحدة المترامية الأطراف قد وجدت بالفعل في يوم من الأيام، وإن كان لهذه الممالك وجود فعلي فقد كانت مجرد قبائل وكانت معاركها مجرد حروب قبلية صغيرة، وبالتالي فإن قدس داوود لم تكن أكثر من قرية فقيرة بائسة، أما فيما يتعلق بهيكل سليمان فلايوجد أي شاهد أثري يدل على أنه كان موجوداً بالفعل). (فنكلشتاين إذ يفكك الأساطير الصهيونية!../ نواف الزرو – موقع عرب 48/الالكتروني).
3 – موقع اسلام ويب – الفتوى – بتاريخ 20-8-2014 م
4 – موقع اسلام ويب – الفتوى – بتاريخ 20-8-2014 م
5 – تاريخ مدينة صنعاء – الرازي – تح:د. حسين بن بن عبد الله العمري – دار الفكر – ط3 – 1989.
6 – راجع: كتاب المصاحف – السجستاني – دار البشائر الاسلامية- 2006.